×

الفرقان

الآيات ٢٧–٢٨

تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين

وَيَوْمَ يَعَضُّ ٱلظَّالِمُ عَلَىٰ يَدَيْهِ يَقُولُ يَـٰلَيْتَنِى ٱتَّخَذْتُ مَعَ ٱلرَّسُولِ سَبِيلًا ﴿٢٧﴾

يَـٰوَيْلَتَىٰ لَيْتَنِى لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا ﴿٢٨﴾

وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ﴾ [الفرقان ٢٧] معطوفة على: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ﴾؛ يعني: واذكر يوم يعض الظالم على يديه. ﴿يَعَضُّ﴾ من باب أيش؟ عندكم في الصرف الأبواب ستة، فهنا ﴿يَعَضُّ﴾ من باب: (نصَر ينصُر) ولّا (سمِع يسمَع) ولّا أيش؟ * طالب: (...). * الشيخ: تقول: (يعُض)، (نصَر ينصُر) من (عضَّ يعُض)؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا. نعم؟ * طالب: (...) يسمَع. * الشيخ: لا؛ لأن (عضَّ) ما هي مكسورة. * طالب: (...). * الشيخ: كتب؟ * طالب: (...) يا شيخ. * الشيخ: لا، (...) يعُض، وهي عندنا يعَض. طيب، ما نكمل الأبواب؟ * طلبة: (...)؟ * الشيخ: لا، فتح يفتَح. * طالب: (...). * الشيخ: من باب (فتح)، وعند العامة يحطونه من باب نصر، يقولون: (يعُض، فلان يعُض فلانًا)، والصواب: فلان يعَضُّ فلانًا، فهي من باب (فتَح) يعني أنها يفتح فيها المضارع. كما أن الماضي كذلك مفتوح، لكن الماضي مشددة. ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ﴾ المؤلف يقول: (المشرك)، والآية قد نقول: إنها أعم من المشرك؛ لأن الظلم يشمل الشرك فما دونه. ولكن نشوف السياق الآن: هل يعيِّن أن يكون الظلم بمعنى الشرك ولّا لا؟ ثم إن المؤلف خصَّصها تخصيصًا آخر، فقال: (عُقْبَة بن أبي مُعَيْطٍ كان نطق بالشهادتَيْنِ ثم رجع إرضاء لأُبَيِّ بن خَلَف). قوله: (وهو عُقْبَة) هذا تخصيص لعموم، فإن كان المؤلف يريد أن يجعله مثالًا مما تنطبق عليه الآية فالأمر سهل، وإن كان يريد المؤلفُ أن يجعل الآية من باب العام الذي أُريد به الخاص فهذا غير مُسَلَّم؛ لأنه لا دليل على ذلك، ليس فيه دليل على أن المراد به الخاص، بل الآية عامة، لكن تشمل عقبة وغيره. وقوله: (﴿عَلَى يَدَيْهِ﴾ ندمًا وتَحَسُّرًا)، أي يوم القيامة يقول: ﴿يَا لَيْتَنِي﴾ إلى آخره. يعَضُّ على يديه، العض على اليد، ويش يدل عليه؟ يدل على الندم والتحسر؛ ولهذا بعض الناس إذا فاته الأمر فهو يعَضُّ يده ثم (...) بها هكذا؛ يعني أنه فاته، فهو دليل على التَّحَسُّر والندم، وما أعظم الحسرة والندم حين يرى المؤمنين في حال والظالمين في حال! وهذا أعظم ما يكون. وقوله: ﴿عَلَى يَدَيْهِ﴾ زعم علماء البيان أن في الآية مجازًا؛ لأن الإنسان ما هو بيعض على يده كلها (...) ما يقدر، يقول: المراد باليدين الأصابع؛ يعني: لأنه ما يمكن يَعَضُّ على اليد كلها. ولكننا نقول: في الحقيقة لا مجاز في الآية؛ لأنه إذا دلَّ السياق على معنى فهو المراد، كلٌّ يعرف أن المرادَ ﴿يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ﴾ يعني على أصابعه، كل يعرف، فهي لم تدلَّ على اليد كلها من الأصل بحسب السياق حتى نقول: إنها نُزِّلَتْ عن معناها إلى المعنى الثاني. وهذا الذي قررناه هو الذي أوجب لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أن يُنْكِرَ وجود المجاز في اللغة العربية؛ لأن شيخ الإسلام لا يرى وجود المجاز في اللغة العربية إطلاقًا لا في القرآن ولا في غيره؛ لأنه يقول: إن دلالة اللفظ على المعنى ليست ذاتيَّة، يعني ليس اللفظ نفسه يدل بذاته على المعنى، وإنما يدل بالسياق، وأبرز مثال يبين لك ذلك الألفاظ المشتركة التي تصلح لمعنيين فأكثر، ويش يعين المعنى؟ يعنيه السياق، وهكذا غيرُه أيضًا. فبناء على ذلك يقول: لا يوجد مجاز في اللغة العربية لا في القرآن ولا في غيره. ولكن تجد أكثر الناس يرون أنه يوجد المجاز في القرآن وفي غيره من كلام العرب، وبعض العلماء يرى أنه لا مجاز في القرآن وفي اللغة العربية يوجد المجاز. والذي أوجب لهؤلاء التوسط أنهم قالوا: إن ميزان المجاز الذي لا أحد يمانع فيه ميزانُه صحة نفيه، صحة نفي المجاز، وليس في القرآن ما يصح نفيه؛ يعني عندما تقول: رأيت أسدًا يقرأ، ويش المراد بالأسد؟ الرجل الشجاع، كأنما قلت: رأيت شجاعًا يقرأ، لكن عبَّرت بالأسد لأن الشجاعة فيه أظهر. هم يقولون: إنك إذا قلت: رأيت أسدًا يقرأ، فإنه يجوز للمخاطَب أن يقول: هذا ليس بأسد، فينفيه. وهذا صحيح ولَّا غير صحيح؟ صحيح، ليس بأسد. فهم يقولون: إذا كان المجاز علامتُه الكبرى أنه يصح نفيه فليس في القرآن ما يصح نفيه، أما غيره من كلام العرب فيمكن أن تنفيَه ولا تبالي. ولكن إذا رجعنا إلى ما قاله شيخ الإسلام وهو أن الألفاظ ليست دلالتها على المعنى ذاتية، حتى نقول: إنها إذا دلَّت على معنى آخر في مكان آخر فهي مجازية، بل دلالتُها على الألفاظ بحسب السياق. فعلى هذا نقول في الآية التي معنا: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ﴾ فيها مجاز ولّا لا؟ لا مجاز؛ لأنه ما يمكن أحد يفهم أن المراد بذلك في الأصل أنه يعض على اليد كلها، كلٌّ يعرف أن المراد (يعض على يديه) أي: ما يعض عليه عادة وهي الأصابع. * طالب: (...) ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ﴾ ولم يقل: يديه؟ * الشيخ: أيش لون؟ * الطالب: ﴿عَلَى﴾ بيان الانتهاء (...) أين مكان العض، ولم يقل: يعض يديه، لو قال: يعض يديه، ممكن (...)؟ * الشيخ: لا، إذا قلت: عضَّ على يديه. * الطالب: المكان اللي يعض على يديه لا على (...)؟ * الشيخ: لا، هي لو كانت (في) للظرفية يمكن، لكن عضضت على كذا. * الطالب: وإن كان أصابع (...)؟ * الشيخ: ما هي بظاهرة، حتى لو عض على أصبعه بيعض على رأس الأصبع مثلًا. * الطالب: يكون عض عليه، يجوز إطلاقها (...)؟ * الشيخ: أيش تقولون في هذا؟ هو يقول: إن (يعض على يديه) يعني: على بعض يديه، كذا؟ * الطالب: نعم. * الشيخ: وأنه استفاد البعضية من كلمة ﴿عَلَى﴾، ولم يقل: يعض يديه. لكن يشاف هل إن (عض) تتعدى بـ(على) ولَّا بنفيها؟ * طالب: ولو أن تعض على أصل شجرة. * الشيخ: إي، «وَلَوْ أَنْ تَعَضَّ عَلَى أَصْلِ شَجَرَةٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (٧٠٨٤)، ومسلم (١٨٤٧/٥١) من حديث حذيفة بن اليمان رضي الله عنه.]]. * طالب: ما هو بعام، ما هو (...). * الشيخ: إي نعم، لكن (عض) هي تتعدى بنفسها ولّا بـ(على)؟ تتعدى بنفسها وبـ(على)، «عَلَامَ يَعَضُّ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ كَمَا يَقْضَمُ الْفَحْلُ»[[أخرجه البخاري (٦٨٩٢) من حديث عمران بن حصين رضي الله عنه بلفظ: «يَعَضُّ أحدكم أخاه كما يعض الفحل؟».]]، كالرجل الذي عض يد إنسان فانتزعها فسقطت أسنانه. هو فيه احتمال أن نقول: إنها ما تدل على الكليَّة، لكن حتى لفظ اليد ما يراد بها الكل هنا، حتى ولو كانت تدل على الجزئية فلا يراد بها الكل. * طالب: يا شيخ. * الشيخ: نعم. * الطالب: في الحديث (...)؟ * الشيخ: الظاهر أنه ما يقال؛ لأنه هو يقول بس في القرآن؛ لأن الحديث النبوي تجوز روايته بالمعنى، فيجوز أن راويًا غَيَّر الكلمة. * الطالب: (...). * الشيخ: إي نعم، نفي هذه الكلمة، لا أصل المعنى. * طالب: (...)؟ * الشيخ: لا، الظاهر أنه كلما قَوِيَ الندم على اليدين كليهما. * الطالب: كل اليدين؟ * الشيخ: إي، (...). * الطالب: (...)؟ * الشيخ: ما أظن يستفاد (...). * طالب: قول عطاء (...)؟ * الشيخ: أظنه ما يصح. * الطالب: (...). * الشيخ: أظن يحتاج سنده إلى عطاء، ثم إذا وصل إلى عطاء وقف، يعني ما يقبل لو قال؛ لأنه مرسل. * طالب: قوله تعالى: (...)؟ * الشيخ: ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ [الكهف ١٠٥] يعني: ما يعتبر لهم وزن. * الطالب: (...)؟ * الشيخ: إي، لكن ما توزن مثل ما توزن سيئات المؤمنين؛ لأن سيئات المؤمنين توزن لأجل الموازنة بينها وبين الحسنات، فما رجح اعتُبِرَ، وأما أولئك فلإقامة الحجة عليهم فقط. * طالب: (...)؟ * الشيخ: هذا صحيح، نعم. * الطالب: كيف يعني؟ * الشيخ: معناه أن الله لو ناقشك في حسابه هَلَكْتَ؛ لأنه سبحانه وتعالى لو ناقشك على نعمة واحدة من نعمه لكان جميع (...) ما تقابلها. * الطالب: (...)؟ * الشيخ: لا، ما نقول (...). أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، فيما سبق من الآيات أمر الله تعالى أن يُذْكَر هذا اليوم العظيم، وهو يوم تشقُّقِ السماء بالغمام بنزول الله سبحانه وتعالى. * وفي الآية: إثبات نزول الله؛ لأن هذا التشقُّق إنما يكون لنزوله، والغرض من ذكره التحذير منه والاستعداد له؛ لأنه كلما ذُكِرَ الشيء حذره الإنسان واستعد له، وفيما سبق وصف الله تعالى يوم القيامة بأنه عسير وصفًا مُقيَّدًا بالكافرين، وفي آية أخرى وصفه وصفًا مطلقًا بأنه عسير. وذكرنا فيما سبق أنه وإن كان عسيرًا، لكنه بالنسبة للمؤمنين يكون يسيرًا، فالوصف المطلق لذلك اليوم أنَّه عسير، ولكن الذي يتأثر به ويكون عسيرًا عليه هم الكافرون، أما المؤمنون فلا. ثم أمر الله تعالى بأن تُذْكَر حال المجرمين يومئذٍ من الندم والتحسر العظيم والعض على الأيدي ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ﴾، والمؤلف خصَّ الآية بمَنْ؟ بعُقْبَة بن أبي مُعَيْط. والصواب أنها عامة لكل ظالم؛ وذلك لأن الأصل بقاء العموم على ما هو عليه حتى يقوم دليل على أن المراد به الخاص. وهنا ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ﴾ عامٌّ لعقبة وغيره. يقول: (﴿يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ﴾ محمدٍ ﴿سَبِيلًا﴾ طريقًا إلى الهدى). ﴿يَقُولُ﴾ الجملة حال من ﴿الظَّالِمُ﴾؛ يعني أنه ﴿يَعَضُّ﴾، وهذا دليل على الندم بالفعل، و﴿يَقُولُ يَا لَيْتَنِي﴾ (...) النداء، من علامات الاسم النداء، فـ(يا) لا تدخل إلا على اسم، وإذا دخلت على حرف كما هنا أو على فعل فإنها تفيد التنبيه فقط؛ هذا أحد القولين في إعرابها. والقول الثاني: أنها للنداء وأن المنادى محذوف، والتقدير في مثل هذه الآية يقول: يا رب ليتني أو يا قوم ليتني. ولكن نقول: إن الأصل عدم التقدير، وإذا كان الأصل عدم التقدير فالأولى ألا نقدِّر شيئًا هنا وأن نجعل (يا) للتنبيه، لمجرد التنبيه. وإنما كانت لمجرد التنبيه؛ لأن أصل النداء، ويش أصله؟ للتنبيه، عندما تقول: يا فلان، تنبِّهه لينتبه لك ويُقبِل إليك بوجهه، فهي للتنبيه ولا حاجة إلى أن نقدِّر المنادى. وقوله: ﴿يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا﴾ (ليت) للتمني، والتمني هو طلب ما لا يمكن حصولُه أو ما يعسر حصوله. الشيء الذي يتعذر أو يتعسر حصوله يُسَمَّى طلبه تمنِّيًا: أَلَا لَيْتَ الشَّبَابَ يَعُودُ يَوْمًا ∗∗∗ فَأُخْبِرُهُ بِمَا فَعَلَ الْمَشِيبُ هذا متعذِّر، ويقول الفقير: ليت لي مالًا فأتصدقَّ به. هذا عسير وليس متعذرًا. ﴿يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا﴾ من أي القسمين؟ * طالب: هذا من المستحيل. * الشيخ: هذا من المستحيل؛ لأنه فات الأمر. ﴿يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا﴾، أي: سلكت ﴿سَبِيلًا﴾، وهو الطريق الموصِل إلى الله سبحانه وتعالى. وقول المؤلف: (﴿مَعَ الرَّسُولِ﴾ مُحَمَّد) بناء على أن الآية يُقْصَد بها عُقْبَة بن أبي مُعَيْطٍ، فعلى هذا تكون (أل) للعهد، أيُّ العهود؟ * طالب: الذهني. * الشيخ: الذهني، العهد الذهني. وإذا قلنا بالعموم وهو الأرجح، فإن المراد بـ﴿الرَّسُولِ﴾ هنا مَنْ أُرْسِل إلى قومه، فتكون (أل) للجنس للعموم؛ لأن المراد بها جنس الرسول الشامل بمحمد ﷺ وغيره. (﴿يَا وَيْلَتَى﴾ أَلِفُه عِوَضٌ عن ياء الإضافة، أي: ويلتي، ومعناه: هلكتي، ﴿لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا﴾ أيْ: أُبَيًّا ﴿خَلِيلًا﴾ ).. إلى آخره. ﴿يَا وَيْلَتَى﴾ ﴿يَا﴾ حرف نداء، و﴿وَيْلَتَى﴾ منادى، وأصله: ويلتي، فقُلِبَت الياء ألفًا، فصارت ﴿يَا وَيْلَتَى﴾، وهذا جائز لغة، يجوز لغة أن تقول: يا ويلتي، ويجوز أن تقول: يا ويلتى. والويل الهلاك، وكأنه يقول: يا هلاكي احضر، ﴿لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ﴾.. إلى آخره. في التمني الأول ما قال: ﴿يَا وَيْلَتَى﴾، لكن في التمني الثاني قال: ﴿يَا وَيْلَتَى﴾؛ لأنه زاد تَحَسُّره. الأول لأول مرة يعبر عن تحسره، والثاني للمرة الثانية، فيكون ذلك أبلغَ في التَّحَسُّر؛ فلهذا قال: ﴿يَا وَيْلَتَى﴾. وقوله: ﴿لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ﴾ لم أصير ﴿فُلَانًا﴾ فلان هذه اسم جنس يُكْنَى به عن الواحد من بني آدم، وفلانة يكنى بها عن الواحدة من بني آدم. ولم يذكر هنا ﴿فُلَانًا﴾ باسمه؛ لأنه كما أشرنا إليه للعموم، ففي عقبة بن أبي مُعَيْطٍ يكون المراد بفلان مَنْ؟ أبي بن خلف، وفي غيره يكون المراد به من أضله عن ذكر الله. ﴿لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا﴾ الخليلُ هو الحبيب الذي بلغت محبته الغاية؛ لأنَّ الخُلَّة أعلى أنواع المحبة، وكُنِّيَتْ بذلك لأن المحبة تخلَّلت مسالك البدن كما قال الشاعر: قَدْ تَخَلَّلْتِ مَسْلَكَ الرُّوحِ مِنِّي ∗∗∗ وَبِذَا سُمِّيَ الْخَلِيلُ خَلِيلًا وعلى هذا فالخلُّة أعلى من المحبة، وبه نعرف خطأ من قال: محمد حبيبُ الله، وإبراهيم خليل الله، وموسى كليم الله؛ لأن هؤلاء نزَّلوا مرتبة النبي ﷺ، حيث وصفوه بأنه حبيب الله وإبراهيم خليل الله، فإنَّ الخُلَّة أعلى، والنبي ﷺ خليلُ الله كما أن إبراهيم خليل الله، قال النبي ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ اتَّخَذَنِي خَلِيلًا كَمَا اتَّخَذَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا»[[أخرجه مسلم (٥٣٢ / ٢٣) وابن حبان –واللفظ له- (٦٤٢٥) من حديث جندب بن عبد الله البجلي رضي الله عنه.]]. وأما موسى كليم الله، فنقول: أيضًا محمدٌ كليم الله، وإذا كان موسى كليم الله في الأرض؛ فإن محمدًا ﷺ كليم الله في السماء. (﴿لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ﴾ أَيْ الْقُرْآن ﴿بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي﴾ ). لقد أضلني، اللام موطئة للقسم، وقد للتحقيق، فالجملة إذن مُؤَكَّدَة. بكم مؤكِّد؟ * طالب: بقد و(...). * الشيخ: نعم، أنا قلت: بكم؟ * طالب: ﴿