تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين
لَّا تَدْعُوا۟ ٱلْيَوْمَ ثُبُورًا وَٰحِدًا وَٱدْعُوا۟ ثُبُورًا كَثِيرًا ﴿١٤﴾
قُلْ أَذَٰلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ ٱلْخُلْدِ ٱلَّتِى وُعِدَ ٱلْمُتَّقُونَ ۚ كَانَتْ لَهُمْ جَزَآءً وَمَصِيرًا ﴿١٥﴾
لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا﴾ [الفرقان ١٤].
هذا في الحقيقة تصوير بيِّنٌ لحال النار وأهلها يوم القيامة؛ أنهم قبل أن يدخلوها يسمعون لها تغيُّظًا وزفيرًا، وهذا بلا شكٍّ يخلع قلوبهم ويرعبهم.
ثم إذا أُلْقُوا فيها ليسوا يُلْقَون على سبيل الكرامة، بل يُلْقَون إلقاء. ثم إنهم لا يُلْقَون هكذا مُطْلَقين، ولكن مُقرَّنين؛ يعني مجموعة أيديهم إلى أعناقهم.
ثم إذا أُلْقُوا على هذا الوصف يدعون بالثبور والعياذ بالله؛ ﴿دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا﴾، يعني يقولون: واهلاكنا، واثُبورنا، وما أشبه ذلك، فيقال لهم: ﴿لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا﴾، هذا على سبيل التوبيخ؛ لأن العادة أن الرجل إذا دعا بالثُّبور في الدنيا رُحِمَ، ولكنهم هناك لا يُرْحَمون، يقال لهم: إن دعواكم بالثُّبور لا تفيدكم شيئًا، فادعوا ثبورًا كثيرًا، فالعذاب سيستمر ﴿وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا﴾.
كل هذا يُوجِبُ لأهل النار -نسأل الله السلامة منها- أنهم يُعذَّبون عذابًا قلبيًّا وعذابًا جسميًّا، والعذاب القلبي قد يكون في بعض الأحيان أشدَّ مِن العذاب الجسمي -والعياذ بالله- فهم لا يُكرَّمون؛ لا بالفعل، ولا بالاستقبال، ولا بالقول.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: نعم، صحيح أن ما ذُكِرَ عنهم مما سبق يدل على أنهم لا يؤمنون بالبعث؛ لأن من آمن بالبعث لزم أن يعمل له. ولكن هذه في الحقيقة مِن جُملة ما قالوه، مِن جُملة ما قالوه أنهم كذبوا بالبعث، فهو إضافة إلى ما سبق. لكن نعم ينبغي أن نقول: لماذا ذُكِرَ بـ(بَلْ) دون الواو، مع أن المعائب والمساوئ التي سبَقَت كلها ذُكِرَت بالواو، وهذه ذُكِرَت بـ(بَلْ)؟
قد يُوحِي هذا بأن من أسباب أقوالهم السابقة أنهم كذبوا بالساعة؛ يعني أنهم ليس عندهم إيمان بالساعة، ولو آمنوا بها ما قالوا ما سبق.
* طالب: قوله: ﴿مَكَانًا ضَيِّقًا﴾، هل المعنى يدخلون (...)؟
* الشيخ: قلنا: فيها احتمالان؛ إما أن المعنى يلقون من مكان ضيق عند دخولهم، وإما أن المعنى أن المكان نفسه في النار يكون ضيقًا؛ يعني تُضَيَّق عليهم؛ لأن كل واحد منهم -والعياذ بالله- يكون في تابوتٍ كما جاء به الحديث؛ في تابوتٍ مُغْلَقٍ عليه[[أخرج ابن أبي شيبة (٣٥٤١٤) عن سويد بن غفلة قال: إذا أراد الله أن ينسى أهل النار جعل لكل إنسان منهم تابوت من نار على قدره، ثم أقفل عليه بأقفال من نار فلا يضرب منه عرق إلا وفيه مسمار من نار، ثم جعل ذلك التابوت في تابوت آخر من نار، ثم أقفل عليه بأقفال من نار، ثم يضرم بينهما نار، فلا يرى أحد منهم أن في النار أحدًا غيره، فذلك قوله تعالى: ﴿ لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾ [الزمر: ١٦]، وذلك قوله تعالى: ﴿لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ [الأعراف: ٤١].]].
* طالب: ما ورد عن (...) تفخم بعض أجزاء جسمه؟
* الشيخ: إلا هو نفسه يُفَخَّم، ولكن ما يمنع أنه يُفَخَّم وفي مكان ضيقٍ، يمكن أن تفخيمه هذا من أسباب التضييق.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: لا، الظاهر أنه ممكن هذا، يمكن بعضهم يقِرُّ بهذا لكنه يشرك بالله.
ولكنه يذكُرُ الله سبحانه وتعالى الأفعال منسوبة إلى الأمة جميعًا، حتى إنه أحيانًا يُخاطِبُ آخر الأمة بما فعل أولُها؛ لأنها ترضى به وتقِرُّه، انظروا مثلًا يخاطب الله بني إسرائيل في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام بما فعل أولُهم: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا﴾ [البقرة ٧٢]، و﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة ٥٤]، مع أن هذا الخطاب لا يتأتَّى لهؤلاء؛ لأنهم ليسوا هم الذين فعلوا، لكن الأمة الواحدة يكون فعل بعضها فعلًا للجميع؛ لأنها ترضى به.
قال الله تعالى: (﴿قُلْ أَذَلِكَ﴾ المذكور من الوعيد وصفةِ النار، ﴿خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ﴾ ها ﴿الْمُتَّقُونَ كَانَتْ لَهُمْ﴾ في عِلْمه تعالى، ﴿جَزَاءً﴾ ثوابًا، ﴿وَمَصِيرًا﴾ مَرْجِعًا).
الخطاب في ﴿قُلْ﴾ لمن؟ للرسول ﷺ، وكذلك لغيره، ولهذا يمكن أن نقول: إن الخطاب لكل من يتأتَّى خطابُه؛ يعني الرسول ﷺ وغيره، ولكن الأقرب أنه للنبي عليه الصلاة والسلام، ومع ذلك فالخطاب للرسول ﷺ له ولأُمَّته ما لم يدل الدليل على تخصيصه، فنحن يمكن كل واحد أن يقول مثل هذا، فيقول للمكذبين الذين وُعِدُوا بالنار: أذلك المذكور من الوعيد الذي لا بد أن يقع خيرٌ أمْ جنَّة الخلد، ويش الجواب؟ بل جنة الخلد، بلا شك.
وهنا فيه إشكال؛ وهو أنه قال: ﴿خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ﴾ مع أن ذلك لا خيرَ فيه إطلاقًا، فكيف يمكن أن يُقارَن بما فيه الخير المطلَقُ؟
الجواب: أن هذا من باب التنزُّل مع الخصم، وباب التنزُّل مع الخصم لا بأس أن تأتي مثْلُ هذه المقارنة، وقد قارن الله تعالى بين شيئين بينهما من التباين أعظم من التباين في وعيد أهل النار ووعد أهل الجنة، فقال تعالى: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [النمل ٥٩]، معلوم أن الله خيرٌ، وأنه لا يمكن لأي عاقل أن يُقارِن بين هذا وهذا، لكنه لما كان المخاطبون يساوون غير الله بالله صار من باب التنزل معهم أن نخاطبهم بهذا ونقول: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾.
﴿أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ﴾، أضافها إلى ﴿الْخُلْدِ﴾ من باب إضافةِ الموصوفِ إلى صفته؛ يعني الجنة التي هي مكان الخلد، و﴿الْخُلْدِ﴾ معناه: المُكْث، وقد صرَّح الله تعالى كثيرًا بالتأبيد في خُلودهم.
وأما أهل النار فالتأبيد ورد في ثلاث آيات من القرآن: في سورة النساء، وفي سورة الأحزاب، وفي سورة الجن؛ ففي سورة النساء: ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (١٦٨) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [النساء ١٦٨، ١٦٩]، وفي سورة الأحزاب: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (٦٤) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ [الأحزاب ٦٤، ٦٥]، وفي سورة الجن: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الجن ٢٣].
وفي هذا ردٌّ واضحٌ على من قال: إن عذاب النار غير مؤبَّدٍ، وممن مال إلى هذا القول -وهو من أغرب ما يكون- ابن القيم رحمه الله، حيث كان يميل إلى أن عذاب النار لا يؤبَّدُ وأنه لا بد أن ينتهي، ولكن ليس يقول: إنه ينتهي، ثم ينتقل أهل النار إلى الجنة، لا، لكن ينتهي بمعنى أنها تفنى ومَن فيها.
والصواب الذي لا شك فيه ما عليه جمهور أهل السنة وحُكِيَ إجماعًا؛ أن النار مؤبَّدة هي وأهلها، وهذا لا ينافي رحمة الله عز وجل؛ لأن الله تعالى قد أعذر إلى هؤلاء وأقام عليهم الحجة، فهم الذين جَنَوا على أنفسهم.
* طالب: الاستثناء -أحسن الله إليكم- في هود؟
* الشيخ: الاستثناء في هود؛ لأنه استثنى من قوله: ﴿مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ [هود ١٠٧]، فإنه لو قُيِّدَت بدوام السماوات والأرض لكان لها أمدٌ، فلما قال: ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ هذا ما خرج عن دوام السماوات والأرض. هذا معنى الاستثناء.
* طالب: في آية أخرى (...)؟
* الشيخ: نعم، ﴿خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ [الأنعام ١٢٨]، نقول: هذا الاستثناء ﴿إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ دلَّت النصوص على أنه لا يشاء أن لا يخلدوا، فكأن هذا الاستثناء يشير إلى أن الله سبحانه وتعالى لو شاء لمنَعَ العذاب عنهم، وأنه ليس أمرًا مُحتَّمًا عليه، بل هو في مشيئته. فالاستثناء إذن مُفسَّر بالآيات الصريحة الواضحة؛ أنه تعالى لا يشاء أن يرفع العذاب عنهم؛ لأنه أخبر، والخبر لا يخلِفُ الله خبرَه بأن عذابهم مؤبَّدٌ.
* طالب: ابن القيم (...)؟
* الشيخ: مَن؟
* الطالب: ابن القيم.
* الشيخ: لا، هو في أول كلامه جزم بهذا.
* الطالب: في حادي الأرواح (...).
* الشيخ: لا، هو ذكره في شفاء الغليل، ذكره في ذلك وجزم به في أول الكلام، ثم ساق الآثار في هذا.
* طالب: تعليل أنه ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [هود ١٠٧] (...)؟
* الشيخ: لا، كأنه يُشْعِر أن أحدًا لو قال: كيف يفعل الله سبحانه وتعالى هذا مع أنه عذاب دائم ورحمته وسعت كل شيء؟ فقال: إنه ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾، مثلما قال: ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود ١٠٨].
وفي الحقيقة هذه الأشياء وإن كان قد يكون لها وجه هذه الاحتمالات، لكن ما دام عندنا نصوص صريحة مُحكمَةٌ، فالواجب على المؤمن أن يحمل المتشابه على المحكَمِ، ما دام أن المسائل في الآيات الثلاث هذه احتمال، فإن عندنا شيئًا لا يحتمل، وهو التصريح بالتأبيد، وتعرفون أن هذا خبر، والخبر لا يدخله النفي ولا (...).
* طالب: طيب يا شيخ، (...) إخلاف الوعيد دون إخلاف الوعد.
* الشيخ: نعم، ولو قالوا، الله يتمدح بأنه لا يخلف وأن خبره صدق، والوعيد الذي يتمدح الله به هو ما يدخل تحت المشيئة ما سوى الشرك، فنحن مثلًا فيه وعيد على المعاصي اللي دون الشرك، فإذا عفا الله عنها فهذا طيبٌ ويمدح عليه سبحانه وتعالى.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: من هو عنه؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: إي، لكن عمر وغير عمر يخاطب بقوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾.
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: لا، ما علينا منه، حتى لو كان صريحًا، لو قال: سيخرجون، نقول: لا يخرجون، ما دام أن فيه آيات صريحة ما هو المانع؟ و﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا (٢٣) لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا﴾ [النبأ ٢٣، ٢٤] أيضًا هذه ما تدل على التقييد؛ لأن ﴿أَحْقَابًا﴾ يعني: طويلة لا منتهى لها، هذا المعنى، والإنسان إذا تصور أنه بيبقى في النار ما هو بأحقاب، يعني ثانية من الزمن وهو عاقل، فسوف يتجنب عمل أهل النار، فكيف بمن يلبثون فيه أحقابًا؟! وهي لا تدل على التقييد، ومن زعم أنها تدل على التقييد وقال: إن الأحقاب هذه مقيدة بما بعدها، يعني: ﴿أَحْقَابًا (٢٣) لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا﴾ و﴿أَحْقَابًا﴾ أخرى يذوقون، فهذا ليس بصحيح، بل إن المعنى المبالغة في ذلك وأنهم لابثين فيها دهورًا عظيمة طويلة لا منتهى لها.
(﴿أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ﴾ ها ﴿الْمُتَّقُونَ﴾ ) أتى المؤلف بـ(ها)، ويش هي (ها)؟ مفعولٌ ثانٍ لـ﴿وُعِدَ﴾؛ لأن (وَعَدَ) مما ينصب مفعولين ليس أصلهما المبتدأ والخبر؛ فالمفعول الأول محذوف، والمفعول الثاني نائب الفاعل ﴿الْمُتَّقُونَ﴾. وقد سبق لنا كثيرًا أن المتَّقي هو من اتخذ وقاية من عذاب الله تعالى بفعل أوامره واجتناب نواهيه، وأن هذا أجمع ما قيل في التقوى وأنسب ما يكون للفظها؛ لأنها من (اتَّقى) من الوقاية.
وقوله: ﴿وُعِدَ الْمُتَّقُونَ﴾، مَن الذي وعدهم؟ وعدهم الله سبحانه وتعالى، وحُذِفَ الفاعل هنا للعلم به؛ كقوله تعالى: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء ٢٨]، والخالق هو الله سبحانه وتعالى.
وقوله: (﴿كَانَتْ لَهُمْ﴾ فِي عِلْمه)، تقييد المؤلف رحمه الله الكينونة في علمه؛ لأن (كان) فعل ماض، والجنة قد كانت مصيرًا ولَّا ستكون مصيرًا؟ ستكون مصيرًا، فلهذا قيَّد الكينونة التي عبَّر عنها بالفعل الماضي، قيدها في علم الله، يعني لا بحسب الواقع؛ لأن الواقع لم تكن وإنما ستكون، ولكن هذا بناء على أن (كان) يُراد بها الزمن، مع أن (كان) إذا تأمل الإنسان مواضعها في القرآن وفي السنة وجدها أنها أحيانًا تدل على مجرد الحدث، لا على الزمن؛ لأن الفعل كما تعرفون يدل على زمنٍ ومعنى، فـ(كان) دائمًا تأتي للدلالة على مجرد المعنى فقط، يعني: ﴿الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ﴾ وهي لهم جزاء ومصير. وعلى هذا فلا حاجة إلى التقدير الذي ذكره المؤلف، وهذا هو الأوضح، ﴿الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ﴾ يعني: وهي لهم جزاء ومصير، ولا حاجة إلى أن نقدر أنها كانت في علم الله، بل هي ﴿كَانَتْ﴾ أي: هي جزاء، فنجرِّد (كان) من الدلالة على الزمن، وإذا جرَّدناها كما ترد كثيرًا في اللغة العربية سلِمْنا من هذا التقدير الذي جاء به المؤلف.
* طالب: قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء ١١]؟
* الشيخ: مثلها، مجردة عن الزمن، هذه مجردة عن الزمن؛ لأن الله ما زال ولا يزال غفورًا رحيمًا.
* الطالب: نحن قلنا: (...)؟
* الشيخ: لا، ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء ٢٣]، عندما نأتي بـ(كان) ونقول: المراد بها الزمن والحدث، مثل مغفرة الله ورحمته فيما سبق، أما الآن فليس غفورًا رحيمًا، لكن هذه يراد بها مجرد الحدث؛ يعني أنه متَّصفٌ بالمغفرة والرحمة. ومثلها هذه الآية، و(كان) هذه دائمًا تدل على مجرد الحدث لا على الزمن.
* طالب: (...) رؤوس الآي؟
* الشيخ: ويش لون؟
* الطالب: فيقال: إن الله غفور رحيم (...)؟
* الشيخ: لا، يمكن، ما هو بلازم، يعني أحيانًا تأتي مُتناسِبة وأحيانًا غير مُتناسِبة.
الكلام على إن (كان) يا جماعة، المهم هذا، (كان) تأتي دائمًا في اللغة العربية لا يُراد بها الزمن وإنما يراد بها مُطلَقُ الحدَثِ؛ يعني أن هذا الأمر هو الواقع، فهنا ﴿كَانَتْ لَهُمْ جَزَاءً وَمَصِيرًا﴾، من المعلوم أن المتَّقين الآن ما دخلوا الجنة ولا صاروا إليها، ولكنهم سيصيرون، لذلك احتاج المؤلف أن يقدر: (في علمه)، يعني: كانت في علم الله. ولكننا نقول: لا حاجة لهذا التقدير؛ لأن (كان) مسلوبةُ الدلالة عن الزمن.
وقوله: ﴿جَزَاءً وَمَصِيرًا﴾، يقول: (ثوابًا)، والذي جعل هذا الثواب لهم هو الله سبحانه وتعالى، (﴿وَمَصِيرًا﴾ مَرْجِعًا). من متى تكون مصيرًا؟ من يوم القيامة أو من موته؟
* طالب: من موته.
* الشيخ: من حين ما يموتون، ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ﴾ [النحل ٣٢]، لكنها طبعًا ما هي دخول الجنة التي في السماء، ولهذا يُفْتَح له باب إلى الجنة، ويُفْرَش له فراشٌ من الجنة، ويلبس بلباس من الجنة. فالمتَّقون من حين ما يموتون يدخلون الجنة، كما أن أهل الجحيم من حين ما يموتون يذوقون عذاب الجحيم.
ولهذا في كُتُبِ المواعظ، أنا البارحة سمعت واحدًا يقرأ في كتب المواعظ يأتون بالموت والدود والأشياء هذه وأكله الدود والصديد، وما أشبه ذلك، هذا في الحقيقة إنما يكون على الجسم فقط، والناس إذا شعروا بهذا الشيء ما يفرحون بالموت، ينفرون منه كثيرًا، الذي ينبغي أن يوعظ الإنسان بما يكون على روحه، فيقال مثلًا: إنه إذا مات وليس من أهل التقوى يكون له من العذاب كذا وكذا.. إلى آخره، وإذا كان من أهل التقوى يكون في نعيم ومن أهل الجنة؛ لأجل أن المؤمن يفرح. أما أننا نذهب ونوجه الناس إلى التخويف من الأمر الحسي المادي فقط فهذا في الحقيقة مما يسيء إلى الناس، عندما يسمع الإنسان هذا الشيء، هل يكون مطمئنًّا للموت؟ لا، أبدًا، ينفر منه، لكن عندما يسمع أنه إذا كان مؤمنًا دخل الجنة من حين ما يموت، نعم، تجده يمكن لا أقول: يفرح بالموت، لكنه يستبشر بهذا الوعد الذي يكون له.
فهذا هو الذي ينبغي أن ينشأ الناس عليه، ما ينبغي أنهم يذكر لهم الأمور المادية فقط، ولذلك لو تأملت القرآن كله لوجدت أن هذه الأمور المادية ما لها ذكر في القرآن، إنما يذكر في القرآن ما يكون على الروح من النعيم والعذاب، حتى إن الإنسان يستبشر ويفرح ويعمل لهذا النعيم، نعم، ويخاف ويرهب ويهرب من هذا الجحيم.
هذه المسألة أنا أحببنا أننا ننبه عليها؛ لأنها توجد كثيرًا في كتب الوعظ، مثل ما يوجد في كتب الوعظ أشياء كثيرة ترغب فيما نهى عنه الشرع، مثل ما يذكرون عن بعض العباد الذين يعذرون بجهلهم أنهم كانوا يقومون الليل كله في جميع أعمارهم، وقالوا: إن فلانًا بقي أربعين سنة يصلي الفجر بوضوء العشاء. ويش قصدهم بهذا؟ الترغيب. هذا ضد ما أمر به الرسول عليه الصلاة والسلام، فيكون هذا من المحادة لله ورسوله، فهم يأتون بأمور منكرة لا يعرفونها، وأنا أبين لكم ذلك؛ لأنكم تسمعون مثل ما أسمع، فإذا حصل مثلًا قارئ من الأئمة يقرأ بمثل هذه الكتب فإنه يجب علينا أن نتكلم معه، ما هو بأمام الناس هكذا، لا؛ لأن العوام -كما تعرفون- عوام، ويكونون مع إمامهم، يمكن تكون بحق وهم يقومون عليك، لكن من الممكن إذا خلص تقول له: يا أخي، تجيبه بالطمأنينة تقول: أنت إمام يُقْتَدى بك، والعوام يقولون: ما قيل في المحراب فهو صواب، فأنت يجب أن تعرف أن هذا خلاف الشرع، وتبين له ما استطعتم من البيان، حتى يكون الأئمة اللي يقتضى بهم الآن على صواب.
* طالب: أحاديث ضغطة القبر صحيحة[[منها ما أخرجه ابن حبان (٢٤٦٦٤) عن عائشة، عن النبي ﷺ قال: «للقبر ضغطة لو نجا منها أحد لنجا منها سعد بن معاذ».]] (...)؟
* الشيخ: إي نعم، لكن ضغطة القبر ما أعرف عن صحته، وردت في قصة سعد بن معاذ، ولكن ما يحضرني الآن هل هو صحيح، هو قطعًا ليس في الصحيحين، لكن ما أدري هل يصل إلى درجة الصحة أم لا، لكنه مهما كان ضغطة القبر ليست بشيء بالنسبة لما يقولون وما يصفون من حال الميت، وهم يركزون على مسألة الجسم، حتى إن الناس مهما كانت أعمالهم الصالحة يقعون في القنوط.
* طالب: يا شيخ، فناء الجسم أو بقاؤه دليل على الصلاح أو كذا؟
* الشيخ: واللهِ هو الظاهر أن بقاءه يدل على الصلاح؛ لأنه ما يقع إلا كرامة؛ لأن الأصل أن الأجسام تأكلها الأرض، إلا الأنبياء فإنهم لا تأكلهم الأرض[[أخرج أبو داود (١٠٤٧) عن أوس بن أوس، قال: قال رسول الله ﷺ: «إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة؛ فيه خلق آدم، وفيه قبض، وفيه النفخة، وفيه الصعقة، فأكثروا علي من الصلاة فيه، فإن صلاتكم معروضة علي» قال: قالوا: يا رسول الله، وكيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمت -يقولون: بليت-؟ فقال: «إن الله عز وجل حرم على الأرض أجساد الأنبياء».]].
* طالب: والشهداء؟
* الشيخ: لا، الشهداء ما ثبت، المسألة في الأنبياء.
* طالب: طيب وذهابهم؟
* الشيخ: نعم.
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: ما يدل على أن الإنسان ليس من أهل الخير، ما يدل، لكنه قد يقع كرامة لبعض أهل الخير.
* طالب: لكن الحديث ما هو بصحيح؟
* الشيخ: الشهداء، لا.
* الطالب: (...).
* الشيخ: لا، أن تأكل أجساد الأنبياء فقط.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: إي، هو من باب الكرامة، وكذلك قصة عمر لما حفروا القبور، إي نعم. لكن في شهداء أحد من وجدت الأرض قد أكلته.
* طالب: سبحان الله!
* الشيخ: أكلت بعض جسمه، ما هو كل جسمه. (...)
(﴿كَانَتْ لَهُمْ جَزَاءً وَمَصِيرًا﴾ مرجِعًا، ﴿