تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين
مَن كَانَ عَدُوًّا لِّلَّهِ وَمَلَـٰٓئِكَتِهِۦ وَرُسُلِهِۦ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَىٰلَ فَإِنَّ ٱللَّهَ عَدُوٌّ لِّلْكَـٰفِرِينَ ﴿٩٨﴾
وَلَقَدْ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ءَايَـٰتٍۭ بَيِّنَـٰتٍ ۖ وَمَا يَكْفُرُ بِهَآ إِلَّا ٱلْفَـٰسِقُونَ ﴿٩٩﴾
مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة ٩٨].
* يستفاد من هذه الآية الكريمة: أن من عادى الله فهو كافر، كذا؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: لأن من كان عدوًّا لله فإن الله عدو للكافرين، ما قال: عدو له، ﴿عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ فأظهر في موضع الإضمار ليسجل حكم الكفر على من اتصف بهذه الصفة وهي عداوة الله، طيب ولأجل العموم يعم مَن كفر بهذا وبغيره، فإن كل كافر فهو عدو لله.
* ويستفاد من هذه الآية أيضًا: أن كل كافر فالله عدو له، كل كافر فالله عدو له؛ لقوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾.
* ويستفاد من الآية الكريمة: أن من كان عدوًّا للملائكة أو للرسل فإنه عدو لله؛ أو لا؟ لأن الملائكة رسل الله ﴿جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا﴾ [فاطر ١]، والرسل البشريون أيضًا رسل لله سبحانه وتعالى، فمن عادى ملائكة الله من جبريل أو غيره، أو عادى الرسل من محمد ﷺ أو غيره فقد عادى الله. طيب هل يستفاد منه أن من عادى المؤمنين فقد عادى الله؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: من الآية، هي من الآية، الكلام من الآية هل يستفاد أن من عادى المؤمنين فهو عدو لله؟
* طالب: ما يستفاد.
* الشيخ: أو نقول: من عادى المؤمنين فالآية ساكتة عنه، لكن الله قال في الحديث القدسي: «مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ»[[أخرجه البخاري (٦٥٠٢). ]]، والإيذان بالحرب لا يلزم منه العداوة أو يلزم منه العداوة؟
* الطلبة: يلزم منه.
* الشيخ: طيب إذن مَن رابى فهو عدو لله؛ لأن الله يقول: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة ٢٧٩]، وهذه مشكلة في الواقع، فالأولى أن نقول: من عادى الرسل فالله عدو له، ومن عادى غيرهم فقد آذن الحرب على الله، اللهم إلا أن يقال بالمعنى العام: إن عداوة الرسل لعداوة ما جاؤوا به، فمن عادى ما جاءت به الرسل فإن الله عدو لهم، ومعنى يعني عادى المؤمنين؛ لأنهم تمسكوا بما جاءت به الرسل، فيكون معاداتهم لهم بناء على هذا، وفي الحقيقة معاداة للرسل كما قال أهل العلم في قوله تعالى: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ [الكوثر ٣]، أي: مبغضك ومبغض ما جئت به من السنة هو الأبتر، على كل حال هذا بالنسبة للمؤمنين محل توقف في دلالة الآية عليه، اللهم إلا إذا عادى المؤمنين لكونهم تمسكوا بشريعة الرسل فهذا قد يظهر أن الله تعالى يكون عدوًّا لهم.
* طالب: ما تكون العداوة هنا تطبيقًا للشريعة؟
* الشيخ: للشريعة إي.
* طالب: فكون المسلمين تعلقوا بالشريعة أبغَضَهم؟
* الشيخ: إي نعم هذه، فيكون بغضه لهم بناء على الشريعة التي تمسكوا بها، ولو كانوا غير متمسكين بها ما عاداهم، يمكن يواليهم، طيب إذن ما فيه سؤال.
* طالب: اللي يعادي المؤمنين يكون معادي للرسول، ومن عادى الرسول فهو عدو لله؟
* الشيخ: كيف ذلك؟ مشكلة؛ لأن الله قال: ﴿وَرُسُلِهِ﴾ على كل حال محل توقف، محل توقف، إلا إذا عاداهم من أجل تمسكهم بشريعة الرسول فإن الأظهر إن الله عدو لهم.
* ومنها أيضًا، من فوائد الآية: فضيلة جبريل وميكائيل، وجه ذلك: تخصيصهما بعد التعميم؛ لأن قوله: ﴿وَمَلَائِكَتِهِ﴾ يعم جميع الملائكة، لكن التنصيص على جبريل وميكائيل فإنه يدل على فضيلتهما، فهمتم؟ طيب، إذا قيل: ألا يقول قائل: إن ذكرهما بالتخصيص ليس لمزيتهما، ولكن لأن الكلام في شأنهما؛ إذ إن اليهود يقولون: جبريل عدو لنا؛ لأنه ينزل بالحرب والقتال، وميكائيل ولي لنا لأنه ينزل موكل بالقطر والنبات، فيكون ذكرهما بناء على أن القضية فيهما؟ نقول في جواب ذلك: ميكائيل ما عاداه هؤلاء اليهود الذين كانت القضية فيهم، ولّا لا؟ هب أن جبريل كذلك نص عليه وبيّن مزيته من هذا الوجه، لكن ميكائيل ليس هكذا، فالظاهر أن لهما مزية على غيرهما، وكما مر علينا في التفسير أن الرسول ﷺ كان يستفتح صلاة الليل بذكرهما، ومع إسرافيل: «اللَّهُمَّ رَبْ جَبْرَائِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإِسْرَافِيلَ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ، اهْدِنِي لِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِكَ إِنَّكَ تَهْدِي مَنْ تَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ»[[ أخرجه مسلم (٧٧٠ / ٢٠٠).]]، كان الرسول ﷺ يستفتح صلاة الليل بهذا؛ لأن صلاة الليل بعد النوم، فهي حياة بعد وفاة، وهؤلاء الثلاثة الكرام موكلون بما فيه الحياة، فجبريل بما فيه حياة القلوب، وميكائيل بما فيه حياة النبات، وإسرافيل بما فيه حياة الأبدان بعد البعث.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات صفة العداوة من الله، ولّا لا؟ إن الله يعادي، يعادي مثل الرضا والغضب والسخط والكراهة، أو لا؟ يعادي، والمعاداة ضدها الموالاة، ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ هل هما صفتان ذاتيتان؟ أو صفتان فعليتان؟
* الطلبة: فعليتان.
* الشيخ: فعليتان؛ لأنهما تتعلقان بالمشيئة، طريقة أهل السنة والجماعة فيهما إثباتهما على الوجه اللائق بالله سبحانه وتعالى، وطريقة أهل التأويل من الأشاعرة وغيرهم ما يثبتون العداوة، يثبتون لازمها، وهي المعاقبة، فيفسرون العداوة بالمعاقبة أو بإرادة العقاب؛ لأنهم يُثبتون لله الإرادة، ولكننا نحن معشر أهل السنة والجماعة نقول: إن العداوة صفة غير إرادة العقوبة وغير العقوبة، فهي صفة حقيقية ثابتة لله سبحانه وتعالى على الوجه اللائق به، ولا يمكن أن يكون لها نظير من عداوات بني آدم، ما لها نظير، ويش الدليل إن ما لها نظير؟ قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى ١١]، وهكذا بقية الصفات، والذين أنكروا مثل هذه الصفات إنما أوتوا حيث ظنوا أن إثباتها يستلزم التشبيه والمماثلة، فقالوا: إذا أثبتناها مثّلنا والتمثيل محال، فإثباتها محال؛ لأن ما استلزم المحال فهو محال، فيقال لهم: من الذي قال لكم: إن الإثبات يستلزم التشبيه؟ ما قاله إلا عقولكم الفاسدة، ولا يمكن أن تكون عقولكم الفاسدة ميزانًا لمعاني كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، ولهذا قال الإمام مالك كلمة، قال:« ليت شعري بأي شيء يوزن الكتاب والسنة، إذا كان كلما جاءنا رجل أجدل من رجل أخذنا بقوله وتركنا قول الثاني. »[[ أخرجه ابن بطة في الإبانة (٥٨٢)، والبيهقي في شعب الإيمان (٨١٣١) بمعناه، وذكر هذا اللفظ الشيخ مرعي في أقاويل الثقات في تأويل الأسماء والصفات والآيات المحكمات والمشتبهات (ص: ١٣٢).]]، وهذا صحيح، إذا بغينا نزن دلالات الكتاب والسنة بعقول الناس فبأي عقل نأخذ؟ أليس كذلك؟ فالمهم أننا نقول: إن العداوة هنا صفة فعلية ثابتة لله على وجه الحقيقة، ولا نؤولها بإرادة العقوبة ولا بالعقوبة نفسها، بل هي صفة ثابتة لله على الوجه اللائق به.
* طالب: المشابهة يا شيخ المخلوقات ما هي متشابهة؟
* الشيخ: إي نعم، مثل ما تعرف.
* طالب: مثل الذرة لها يد، والجمل له يد، والإنسان له يد.
* الشيخ: إي نعم، ولها إرادة، وللإنسان إرادة، والإرادات تختلف.
* طالب: مثل القتال؟
* الشيخ: كيف القتال؟
* الطالب: مثل قاتله الله؟
* الشيخ: لا لا، القتال هذا معناه إن الله تعالى يهلكه، يعني من قتله الله فهو هالك، ولهذا بعضهم يفسر (قاتله الله) بـ(لعنه)، وبعضهم يفسرها بـ(أهلكه)، وهذا هو الصحيح.
* الطالب: ما نقول صفة؟
* الشيخ: نعم، نقول: صفة يراد بها لازمها، يراد بها لازمها بلا شك، واللازم قد يكون من معنى الكلمة أحيانًا.
قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ﴾ [البقرة ٩٩].
* طالب: فيه فائدة.
* الشيخ: وهي؟
* الطالب: يقال: إن الرسول ليس أفضل الخلق، وأن العطف ﴿وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ﴾.
* الشيخ: ليس أفضل الخلق، (...).
* الطالب: يعني الملائكة أفضل (...).
* الشيخ: يعني هذا فيه دليل لمن قال: إن الملائكة أفضل من البشر، من صالح البشر؟ ما رأيكم في هذا؟ صحيح؛ لأن هذه فائدة قد يحتج بها من يرى إن الملائكة أفضل من البشر، وتعلمون إن المسألة فيها خلاف بين أهل العلم، وذكرناه لكم ونحن نتكلم على العقيدة السفارينية على قوله:
وَعِنْدَنَا تَفْضِيلُ أَعْيَانِ الْبَشَرْ ∗∗∗ عَلَى مَلَائِكِ رَبِّنَا...................فهل نقول: إن الآية تشهد بهذا القول؛ لأن التقديم في مقام الثناء يدل على التفضيل، ما رأيكم؟
* طالب: جبريل أتى بعد..
* الشيخ: لا هيّن، جبريل خُصص بعد التعميم، ما فيه تنقيص له.
* طالب: يقال تقديم الملائكة لأنهم هم المعنيون.
* الشيخ: إي، هذا هو، يقال بأن تقديمهم لأنهم هم المعنيون، إذ القصة فيهم يعادون جبريل، هم ما قالوا: نحن نعادي محمد أو نعادي موسى أو عيسى، أو ما أشبه ذلك، قالوا: نحن نعادي جبريل، فالقصة فيهم، فلهذا كان التقديم للعناية، لمزيد العناية في هذا الأمر، وليس من أجل أن الملائكة أفضل من الرسل.
* طالب: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ قدم الملائكة؟
* الشيخ: هذا معلوم؛ لأن مقام الإيمان يُبدأ بما هو أهم، فالملائكة ما هم بأمامنا، فقُدِّموا لأجل أن نعتني بهم أكثر، الرسل نشاهدهم، فإنكار الملائكة أقرب من إنكار الرسل.
قال: ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ﴾ [البقرة ٩٩]، * يستفاد من هذه الآية الكريمة: أن القرآن وحي من الله.
* ويستفاد منه: عظمة القرآن، حيث جعله الله تعالى آيات، سماه الله آيات، والآية العلامة، فإذا كانت هذه علامة على الله فهي آية عظيمة، آية عظيمة، ففيه أيش قلنا؟ عظمة هذا القرآن، حيث جعله الله آيات.
* وفيه أيضًا الثناء على القرآن بالبيان؛ لقوله: ﴿بَيِّنَاتٍ﴾ وهنا يُشكل علينا أن الله قال في آية أخرى: ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ والمتشابه غير بيّن، والجواب عن ذلك أن نقول: إن هذا المتشابه يُحمل على المحكم، فيكون الجميع بينًا، ولهذا الراسخون في العلم يقولون: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران ٧] وينزّلون هذه المتشابه على المحكم فلا يقع فيه اشتباه، والذين في قلوبهم زيغ يتبعون ما تشابه منه، سواء كان ذلك فيما يتعلق بذات الله، أو بأحكام الله، أو برسل الله، مثلًا يقول لك: محمد ﷺ شاكّ غير مؤمن بالقرآن؛ لأن الله يقول: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [يونس ٩٤]، هذه آية مشتبهة، صح ولّا لا؟ ويقولون: الرسل أيضًا يشكون في وعد الله، ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا﴾ [يوسف ١١٠]، الرسل يظنون أنهم كذبوا؟ مشكلة هذه، يعني معناه أن الرسل أنفسهم يظنون أن الله قد كذَبَهم في وعده بالنصر، يعني كذب عليهم، فيأتون بهذه الآيات المشتبهات، وهذه الآيات المشتبهات في الحقيقة لا شك أنها توجب الاشتباه لكثير من الناس؛ لأنهم مثل ما قال الله: ﴿ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾ [آل عمران ٧]، وهو صد الناس عن هذا الكتاب، ﴿وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ [آل عمران ٧] يعني تنزيله على غير ما أراد الله، أفهمتم ولّا لا؟ لكن نحن عندما نرد هذه الآيات المشتبهات إلى المحكمات يتبين إنه محكم ما فيها شيء، الآية الأولى ﴿إِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ نقول: (إن) لا تقتضي وجود المعلَّق عليها في اللغة العربية، ما تقتضي، أنا أقول مثلًا مثل ما قال: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ [الزخرف ٨١]، هل يمكن هذا؟ مستحيل، ﴿وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾ [مريم ٩٢]، ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ﴾ هذا تعليق لكن لا يلزم منه وجوده، إذا كان لا يلزم بقي الأمر هل يمكن أو لا يمكن، من أدلة أخرى لا يمكن، ولكن الغرض من هذا تطوير الرسول ﷺ أن يقع في قلبه أدنى شك من هذا الأمر، وبعض العلماء يقول: إن المراد بذلك أمته، يعني إن كنتم أيها الشاكون أن محمد ﷺ في شك فاسألوا الذين أوتوا الكتاب، أما الثانية ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾ فأصح ما نرى فيها: قد كُذِبوا مِن أممهم، ويش معنى من أممهم؟ أي: ظنوا أن من قال: إني أنا مؤمن متبع لكم، أنه قد كذَبهم في هذا، وحينئذ لا يتحقق لهؤلاء النصر وهم قد كذَبوا الرسل، ما هم كُذِبوا من عند الله، كُذِبوا مِن عند مَن؟
* الطلبة: أممهم.
* الشيخ: أممهم الذين قالوا: نحن مؤمنون، فإذا لم يأت النصر يظن هؤلاء الرسل أن قومهم كذَبوهم وقالوا: إنهم مؤمنون، وليسوا كذلك، وحينئذ تبقى الآية من الأشياء البينة ولّا المشتبهة؟ من الآيات البينة، فالحاصل إن هذا القرآن ولله الحمد آيات بينات لكن يحتاج إلى قلب ينفتح له، ينفتح لهذا القرآن حتى يتبين، أما قلب يكره القرآن ثم يأتي بما يشتبه فيه هذا ما يتبين له، ما يتبين له أبدًا، إنما يتبين الهدى من القرآن لمن أراد الهدى، وأما من لم يرد فلا، ولهذا قال: ﴿وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ﴾.
﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ﴾ أخذنا فوائد هذه، وأن القرآن كله بيّن وواضح، وما كان منه مشتبهًا فإنه يُرَد إلى الواضح فيكون واضحًا.
* من فوائد الآية الكريمة: أنه لا يكفر بهذه الآيات إلا الفاسق، أنه لا يكفر بالقرآن إلا الفاسق.
* ومنها أيضًا: أن من كفر به فهو فاسق.
* ومنها، من فوائد الآية أيضًا: إطلاق الفاسق على الكافر، ويتفرع على هذا أن يكون الفسق ينقسم إلى قسمين: فسق معصية، وفسق كفر مخرج عن الملة.
ثم قال تعالى: ﴿