تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين
وَلَمَّا جَآءَهُمْ كِتَـٰبٌ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا۟ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ فَلَمَّا جَآءَهُم مَّا عَرَفُوا۟ كَفَرُوا۟ بِهِۦ ۚ فَلَعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ ﴿٨٩﴾
وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾.﴾
* يستفاد من هذه الآية الكريمة: أولًا: أن القرآن من عند الله؛ لقوله: ﴿كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾.
* ثانيًا: أن القرآن كلامه سبحانه وتعالى، القرآن كلام الله تكلم به حقيقة؛ لقوله: ﴿مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾، ومعلوم أن الكلام ليس جسمًا يقوم بنفسه حتى نقول: إنه مخلوق، ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ﴾ [الأعراف ٢٠٦] هؤلاء من؟
* الطلبة: الملائكة.
* الشيخ: هل يمكن أن نقول: الملائكة صفة من صفات الله؛ لأن الله أضافهم إلى عنده؟ لا؛ لأنها أعيان قائمة بنفسها، لكن ﴿كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ الكتاب بمعنى المكتوب، وهو الكلام المكتوب ما يمكن أن يستقل بنفسه، فهو كلام الله عز وجل، هل القرآن كلام الله لفظًا ومعنى؟
* الطلبة: لفظًا ومعنى.
* الشيخ: لفظًا ومعنى، من الذين قالوا: إنه معنى لا لفظًا؟
* الطلبة: الأشاعرة.
* الشيخ: الأشاعرة، الجهمية والمعتزلة يقولون: هو كلام الله لفظًا ومعنى لكنه مخلوق مثل باقي المخلوقات، وأهل السنة والجماعة يقولون: كلام الله لفظًا ومعنى وهو غير مخلوق، بل هو صفة من صفات الله.
* الفائدة التالية وهي الثالثة أظن: التنويه بفضل القرآن؛ لقوله: ﴿مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ﴾، ولقوله: ﴿مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾، لكن هذا معلوم أن ما كان من صفة الله فهو كامل، لكن قوله: ﴿مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ﴾ هذا تنويه بفضله، وأنه ما أتى بشيء يكذب مَن سبقه من الكتب.
* الفائدة التالية: أن هؤلاء اليهود كانوا يعرفون أن النبي ﷺ سيُبعث؛ لقوله: ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، يعني يستنصرون، بمعنى: يطلبون النصر أو يقولون به، فهم قبل نزول القرآن، قبل مجيء الرسول ﷺ يقولون للعرب: إنه سيُبعث نبي وينزل بكتاب وننتصر به عليكم، ولما جاء الأمر، ﴿لَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ شوف قال: ﴿مَا عَرَفُوا﴾، ولم يقل: ما علموا؛ لأن المعرفة أخص من العلم؛ لأنها -كما قالوا- انكشاف بعد لبس، وبعدما أنهم تحيّنوا الأمر وترقبوه جاءهم ما عرفوا معرفة عينية كما يعرفون أبناءهم.
وفيه أيضًا * الفائدة التالية: أن اليهود -عليهم لعائن الله- ما خضعوا للحق حتى الذي يقرون به ما خضعوا له؛ لأنهم كفروا به فيدل على عتوهم وعنادهم.
* الفائدة التالية: أن الكافر مستحق للعنة الله وواجبة عليه؛ لقوله: ﴿فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾، واللعنة مر علينا أنها هي الطرد والإبعاد عن رحمة الله.
* طالب: بعض العلماء والمفسرين استدلوا ولكن (...) بجواز لعن المعين من آية البقرة ﴿لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [البقرة ١٦١]، وبالحديث «لَا تَلْعَنْهُ فَإِنَّهُ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ» »[[أخرجه البخاري (٦٧٨٠) من حديث عمر بن الخطاب. بلفظ: «لَا تَلْعَنُوهُ، فَوَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ أَنَّهُ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ».]]، قالوا: منع من اللعن؛ لأنه يحب الله ورسوله، والكافر قطعًا لا يحب الله ورسوله؟
* الشيخ: لكن هذه من المتشابهات، هذه من النصوص المتشابهة، أما الأول ما فيه دليل؛ لأنها عامة، والعموم لا شك في جواز لعنهم، الثاني هذا المراد باللعن إما أن نقول: المراد باللعن السب، أو نقول: إن هذا اللعن لهذا الرجل يدل مفهومه أن من لا يحب الله ورسوله فإنه يجوز لعنه، لكن هذا المفهوم عورض بالمنطوق الذي هو أقوى منه، وهو أن الله سبحانه وتعالى نهى نبيه ﷺ أن يلعن أئمة الكفر، كأن يقول: اللهم العن فلان وفلان وفلان، ويسميهم وهم أئمة الكفر، (...) هذا.
* طالب: هذا في الصلاة؟
* الشيخ: لا، لا؛ لأن الله بيّن العلة، قال: ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ [آل عمران ١٢٨]، (...) لأنه في الصلاة وما مُنع في الصلاة مُنع في غيرها؛ لأن الدعاء في الصلاة جائز من حيث هو، وقد قال الرسول عليه الصلاة والسلام في الشيطان: «أَلْعَنُكَ بِلَعْنَةِ اللَّهِ» »[[أخرجه مسلم (٥٤٢ / ٤٠) من حديث أبي الدرداء.]]، فاللي يستحق اللعن يجوز لعنه في الصلاة، فالعلة أشار الله إليها بقوله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ﴾ [آل عمران ١٢٨]، فما داموا أحياء فإن الله سبحانه وتعالى مقلب القلوب، وكم من أناس كانوا من الطواغيت وأئمة الكفر فصاروا من أئمة الإسلام.
* طالب: نهى عائشة عن ذلك «عندما كانوا يسلّمون على النبي ﷺ يقولون: السَّامُ عليك؟ »[[متفق عليه. البخاري (٢٩٣٥)، ومسلم (٢١٦٥ / ١١) من حديث عائشة.]]
* الشيخ: إي نعم، نهاها؛ لأن هذا من باب التفحش، الفحش والتفحش؛ قال: «إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفُحْشَ وَلَا التَّفَحُّشَ»[[أخرجه مسلم(٢١٦٥ / ١١) وهو رواية للحديث السابق.]].
* الطالب: هو من هذا الباب؟
* الشيخ: يحتمل، أو إنه من باب المقابلة؛ لأنهم يقولون: السام عليك، ويجوز أنك تدعو على من دعا عليك بمثله، لكن ما هو بهذا العنف.
﴿ ﴾