تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين
وَقَالُوا۟ قُلُوبُنَا غُلْفٌۢ ۚ بَل لَّعَنَهُمُ ٱللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَّا يُؤْمِنُونَ ﴿٨٨﴾
وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ﴾.
* يستفاد من هذه الآية: أن هؤلاء الذين لم يقبلوا الحق احتجوا بما ليس بحجة، فقالوا: ﴿قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾، ويش معنى غلف؟ مغلقة، ما يصل إليها قولك.
* الفائدة التالية: أن من صنع مثل صنيعهم فهو شبيه بهم، يقول بعض الناس الآن عندما تأمره بالمعروف يقول: والله ما هدانا الله -والعياذ بالله– يقول: ما هدانا الله، هذا مثل الذين قالوا: ﴿قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾، ومثل من قالوا: ﴿لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ﴾ [إبراهيم ٢١]، المهم أنه يوجد ناس ودائمًا نسمع إنه إذا نصحوا أولادهم أو المرأة مثلًا نصحت زوجها أو ما أشبه ذلك قال: والله ما هدانا الله، ما هدانا الله، والعياذ بالله.
* طالب: المدخنين يقولون كذلك.
* الشيخ: والمدخنين، نعم، المدخنين صحيح، المهم أن هؤلاء نقول: قالوا مثل قول اليهود: ﴿قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾.
* ثالثًا: أن القلوب بفطرتها ليست غلفاء؛ لقوله: ﴿بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾، وهذا الإضراب للإبطال، يعني: ليست القلوب غلفاء ما تقبل الحق، لكن هناك شيء آخر هو الذي منع من وصول الحق، وهو لعن الله إياهم بسبب كفرهم، ففيه دليل على أن الفطرة من حيث هي فطرة تقبل الحق، ولكن يوجد لها موانع.
* الفائدة التالية: بيان أن الأسباب مهما قويت إذا زاد عليها المانع لم تؤثر شيئًا، ولّا لا؟ فالقلوب وإن كانت مفطورة على الدين القيم لكن إذا وجد موانع -والعياذ بالله- ما تمكنت من الهدى، وقد قيل: إن الأمور لا تتم إلا بوجود أسبابها وانتفاء موانعها.
* الفائدة التالية: أن الإيمان في هؤلاء اليهود قليل؛ لقوله: ﴿فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ﴾، وأظن تقدم لنا أن فيها خلاف للمفسرين والْمُعْرِبين في قوله: ﴿فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ﴾، هذه القلة هي بالنسبة للإيمان في قلب الإنسان ولّا بالنسبة للكمية؟ فيها قولان أيضًا، فمنهم من يقول: إنها بالنسبة للكمية، يعني قليلًا من آمن (...)، ومنهم من يقول: إنها بالنسبة للكيفية، وأن معناها ما يؤمنون قليلًا، يعني ولا كثيرًا، فالإيمان معدوم، إذا كان ما عنده إيمان قليل ولا كثير فهو معدوم.
* طالب: شيخ، اللعن فيه فائدة؟
* الشيخ: إي نعم، إثبات الأسباب، كقوله: ﴿بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِم﴾، هذا تريد؟
* الطالب: لا، اللعن جواز اللعن، إنه لُعِنوا بسبب..؟
* الشيخ: لا، لا، خبر خبر، هذا خبر، لُعنوا بكفرهم، هذا ما في شيء.
* الطالب: يؤخذ من الخبر فائدة.
* الشيخ: وهي؟
* الطالب: من توفرت فيه أسباب اللعن لعن؟
* الشيخ: لا، لو وجدنا كافرًا ما نقول: لعنك الله، لكن ما يجوز أن ندعو عليه باللعنة؛ لأن الله نهى رسوله ﷺ عن هذا، وقال: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ﴾ [آل عمران ١٢٨]، أما لو مات على الكفر فيجوز لعنه بشخصه، أما اللعن على العموم مثل: لعنة الله على الكافرين، ما فيها بأس، المهم فيها إثبات الأسباب، وهذا مهم، ﴿بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ﴾.
وبناء على هذه الفائدة نُبطل قول الجهمية الذين ينكرون الأسباب، ما مر علينا في التوحيد أن الجهمية ينكرون الأسباب، ويقولون: إن أفعال الله ليست لحكمة، بل هي لمجرد المشيئة، وأن الأشعرية تحذلقوا وقالوا: نحن لا نثبت الأسباب كما يثبتها القدرية، ولا ننكرها كما ينكرها الجهمية، ولكننا نقول: إن الأسباب يحصل الشيء عندها لا بها، هم يقولون: ما ننكر الأسباب، لكن السبب ما يكون به الشيء، يكون عنده الشيء، فإذا كسرت القارورة بالحجر وضربها الحجر واصطدم بها فهي لم تنكسر بالحجر، لكن انكسرت عند الحجر، وكذلك أيضًا لو ذبحت الشاة وماتت يقولون: ما ماتت بالذبح ولكن عند الذبح، وهكذا الكلام خرافة بالحقيقة، كلام غير معقول.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: الأشعرية؛ نعم (...).
* الطالب: ويدّعون رجاحة العقول.
* الشيخ: المهم أننا في هذه الآية أثبتنا الأسباب، وهو أمر فطري، حتى لو تُرك الإنسان بل البهيمة تعرف السبب، أليست تطلب الماء عند العطش؟ وتطلب العلف عند الجوع؟ وتستكن من الحر ومن البرد؟ تدري مثلًا أن دخولها في هذه المغارة ينجيها من المطر أو من البرد أو من الشمس، تدري أن ذهابها إلى الماء وتشرب ينقذها من الهلاك، وهكذا، فإثبات الأسباب في الحقيقة أمر فطري فُطر عليه، حتى البهائم فطرت عليه.
﴿