×
البقرةالآية ٧٨

تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين

وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ ٱلْكِتَـٰبَ إِلَّآ أَمَانِىَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ ﴿٧٨﴾

وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾. * يستفاد من هذه الآية: أن الأمية يوصف بها من لا يقرأ، ومن يقرأ ولا يفهم، أو لا؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: بقوله: ﴿أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ﴾، ومعنى ﴿أَمَانِيَّ﴾: قراءة. * الفائدة الثانية: ذم من لا يفهم معاني كتاب الله؛ لأن الأمية وصف عيب ولَّا وصف ثناء؟ * الطلبة: وصف عيب. * الشيخ: وصف عيب في الأصل، إلا في الرسول عليه الصلاة والسلام، فإنها وصف كمال؛ لأن فيها زيادة إثبات رسالته ﷺ. * وفيه أيضًا: دليل على أن من لا يفهم المعنى فإنه لا يتكلم إلا بالظن؛ لقوله: ﴿وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾، وصحيح اللي ما يفهم المعنى، العامي الآن يقرأ القرآن من أوله إلى آخره، لكن ما يفهم معناه، فإذا تكلم في الحكم الشرعي من أحكام الله التي دل عليه الكتاب، فإنما كلامه؟ * الطلبة: ظن. * الشيخ: عن ظن؛ لأنه في الحقيقة ما يعلم، ولا يمكن أن يعلم إلا إذا فهم المعنى. * وفيه: دليل -أيضًا- على ذم الحكم بالظن، وأنه من صفات اليهود، وهذا موجود كثيرًا عند بعض الناس الذين يحبون أن يقال عنهم: إنهم علماء، تجده يفتي بدون علم، وربما أفتى بما يخالف القرآن والسنة وهو لا يعلم، هل نأخذ من هذا أن المقلد ليس بعالم؟ * طالب: إي نعم. * الشيخ: ويش السبب؟ * طالب: لأنه لا يفهم. * الشيخ: إي؛ لأنه ما يفهم، ما يفهم المعنى في الحقيقة، المقلد ما يفهم فليس بعالم، وقد قال ابن عبد البر: إن العلماء أجمعوا على أن المقلد لا يعد في عداد العلماء، هو صحيح ما هو بعالم المقلد، غاية ما هنالك أنه نسخة من كتاب، والكتاب أضبط منه؛ لأن الكتاب ما ينسى، لكن هو قد ينسى، وليس معنى ذلك أننا نذم التقليد مطلقًا، التقليد في موضعه هو الواجب، ومتى يكون موضعه؟ إذا عجز عن الاستدلال، إذا كان لا يعلم وجب عليه التقليد؛ لقوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ﴾ [النحل ٤٣، ٤٤]، اللي ما يعلم وظيفته السؤال ولَّا ماذا يصنع؟ * طالب: شيخ، الحكم بالظن موجود فيه بعض الأحاديث ظنية؟ * الشيخ: لا، هذا علمية، علم. * الطالب: حاصل الآحاد ظني؟ * الشيخ: لا، أولًا: الآحاد ليست ظنية كلها، والثاني: أنه علم؛ لأنك مأمور بأن تحكم بذاك، وله معنى العلم أنك تعرف أنك أصبت الصواب؛ لأن كون ظني، بمعنى أني أظن أني أصبت الصواب، لكني مأمور بأن أحكم في هذه الحال، ما ترجح عندي فأنا مأمور به، إذن فهذا علم. * طالب: الدليل ظني. * الشيخ: لا، الدليل ظني، لكن ويش معنى ظني؟ يعني: ما أتيقن أني أصبت لأني مجتهد، واضح؟ لكن كوني أحكم به إذا ترجح عندي ويش يصير؟ * طالب: علم. * الشيخ: هذا علم، لكن كوني أني أتيقن أني مصيب، هذا ما يمكن أتيقن أني مصيب إلا في أمور قطعية الدلالة مثل: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة ٣]، ومثل: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة ١٨٣]، ومثل: ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ [النساء ١٩]، ومثل: ﴿لَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾ [النساء ١٢] وما أشبه ذلك. * طالب: الاستدلال بالآية للأمور الشرعية ولَّا للأمور العامة؟ * الشيخ: أي آية؟ * طالب: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ﴾ [النحل ٤٣]. * الشيخ: عامة. * طالب: يعني: أي شيء لا يعرفه الإنسان يسأل عنه؟ * الشيخ: يسأل عنه نعم، (...) بس عاد لا يصير مثل البدوي يشرب المي ويقول: يا ولد هو حلو، هذا ما يصلح. * طالب: شيخ، في الأمور العامة الدنيوية الله عز وجل بين في تنزيل الكتاب؟ * الشيخ: نعم، في آيتين: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأنبياء ٧]، وقال: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٤٣) بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل ٤٣، ٤٤]. * الطالب: ﴿بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ﴾ هذا، ويش محله من الإعراب؟ * الشيخ: متعلق بـ ﴿لَا تَعْلَمُونَ﴾: إن كنتم لا تعلمون بالبينات والزبر، ويحتمل أن قوله: ﴿بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ﴾ متعلق بـ ﴿أَهْلَ الذِّكْرِ﴾: أهل الذكر بالبينات والزبر، إنما هو إذا لم تشمله الآية لفظًا فهي تشمله معنى، يعني بالقياس، تشمله معنى بالقياس، كل شيء ما تدري عنه فاسأل عنه. * طالب: ما يستدل بالآية على الأشياء الدنيوية؟ * الشيخ: بلى، يستدل لأننا قلنا: إذا كانت ما تشمله الآية المطلقة؛ لأن في آيتين: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾، وفي آية ثانية: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ﴾ فهمت؟ فالأولى مطلقة، والثاني مقيد، إذا قلنا: إن الآية ما تشمل الأمور الدنيوية باللفظ، فهي تشملها بالقياس، وهذه طريقة الآن، الآن اللي ما يمشي -مثلًا- ما يعرف الطريق خارج بيسافر -مثلًا- مكة وما يعرف الطريق؟ * طالب: لا، إحنا مؤمنين بذلك بس نقول: نحمل الآية على هذا؟ * الشيخ: إي، نحمل الآية إما بالشمول اللفظي، أو بالشمول المعنوي وهو القياس. * طالب: ما فيه مرتبة -مثلًا- بين التقليد والاجتهاد؟ * طالب آخر: يعني: إن كان الاجتهاد المطلق فيه مرتبة، وهو الاجتهاد في مذهب معين. * طالب آخر: لا يجتهد في مذهب معين، مجتهد وآخر مقلد؟ * الشيخ: إي، ممكن يصير المجتهد مقلد، يعني: مجتهد في بعض الأشياء، ومقلد في بعض الأشياء. * طالب: لكن تفسير الناس التقليد هو ليس اتباع، بعضهم يقول: فيه فرق، يعني فيه شيء يسمى التقليد، وشيء يسمى الاتباع؟ * الشيخ: لا، إذا كان من غير دليل فهو تقليد، يعني قبول قول الغير بدون دليل هو تقليد، وإذا كان بدليل فليس بتقليد؛ ولهذا لا يصح أن نسمي اتباعنا للرسول عليه الصلاة والسلام تقليدًا، ما يصح أن نسميه تقليدًا، بل نسميه اتباعًا، كما قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران ٣١]، لماذا؟ لأن قوله ﷺ وسنته دليل. * الطالب: إذن متبع الدليل يكون مقلد أو يكون؟ * الشيخ: لا، ليس متبعًا وليس مقلدًا. * الطالب: إذن صار فيه فرق، فيه مرتبة؟ * الشيخ: لا، ما فيه مرتبة، فيه فرق بالمعنى، المقلد هو الذي يتْبع من لا يجب قبول قوله، والمتبع هو الذي يتبع من يجب قبول قوله. * طالب: وما هو مجتهد؟ * الشيخ: المجتهد يحكم بالدليل، والدليل من أين يصدر؟ من الرسول ﷺ، من الكتاب والسنة، فالذي يحكم بذلك يسمى مجتهدًا، ويسمى متبعًا، وأما الذي لا يستطيع أن يعرف ذلك بنفسه من كتاب الله وسنة رسوله فإنه يسمى مقلدًا. * طالب: (...) * الشيخ: هذا المنكر نقول: لا تفعله لو أنت عارفه، المنكر ما يفعل، لكن الكلام: إنك لو بغيت تعرفه، مين تسأل؟ * طالب: اللي يعرفونه. * الشيخ: تسأل اللي يعرفونه، إي نعم. * طالب: شيخ، نأخذ من الآية أن (...)؟ * الشيخ: يمكن يؤخذ منها هذا: أن الإنسان اللي يقتصر على مجرد القراءة يكون مشابهًا لهؤلاء اليهود من هذا الوجه، وهذا ذكرناه فيما سبق في التفسير أنه يجب علينا أن نقرأ كتاب الله ونتدبر معناه ونطبقه، كما كان الصحابة رضي الله عنهم يفعلون ذلك. * طالب: شيخ، الأماني من العلم قال: ﴿لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ﴾؟ الأماني هل هي من العلم؟ * الشيخ: إي، القراءة من العلم يعني: علمت لفظه، وبعضهم يقول: إن الاستثناء هنا منقطع، وأن المعنى: إلا بمعنى ذاك، لكن الصواب أنه متصل ولا مانع؛ لأن معرفة اللفظ نوع من العلم. * الطالب: ويش يكون إعراب ﴿أَمَانِيَّ﴾؟ * الشيخ: ﴿أَمَانِيَّ﴾ مسلط عليها ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾، فـ﴿الْكِتَابَ﴾ مفعول أول، و﴿أَمَانِيَّ﴾ مفعول ثاني. * طالب: صار مفرغًا. * الشيخ: نعم، مفرغ، المفعول ثان.