×
البقرةالآية ٥٦

تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين

ثُمَّ بَعَثْنَـٰكُم مِّنۢ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴿٥٦﴾

ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ﴾ ﴿بَعَثْنَاكُمْ﴾ أصل البعث في اللغة: الإخراج، ويطلق على الإحياء كما في هذه الآية، ويدل على أن المراد به الإحياء هنا قوله: ﴿بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ﴾. وقوله: ﴿مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ﴾ هل هو موت حقيقي؟ الجواب: نعم، وليس نومًا؛ لأن النوم يسمى وفاة ولا يسمى موتًا ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾ [الأنعام ٦٠] ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾ [الزمر ٤٢]. وقوله: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ﴾ هذه نعمة كبيرة عليهم أن الله تعالى أخذهم بهذه العقوبة، ثم بعثهم ليرتدعوا، ويكون ذلك كفارة لهم؛ ولهذا قال: ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ لعلكم تشكرون، أي: تشكرون الله سبحانه وتعالى، و(لعل) هنا للتعليل وليست للترجي؛ لأن الترجي في جانب الله سبحانه وتعالى لا يجوز، إذ إن الترجي - كما هو معروف في اللغة العربية - طلب ما فيه عسر، والله تعالى لا يعسر عليه شيء، ولكنها كلما جاءت في كتاب الله فهي للتعليل ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾، وهذه إحدى الآيات الخمس التي في سورة البقرة، فيها إحياء الله تعالى الموتى، والثانية: في قصة صاحب البقرة، والثالثة: في ﴿الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ﴾ [البقرة ٢٤٣]، والرابعة: في قصة الذي ﴿مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ﴾ [البقرة ٢٥٩]، والخامسة: قصة إبراهيم ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة ٢٦٠] إلى آخره، والله تبارك وتعالى على كل شيء قدير، ولا ينافي هذا ما ذكر الله في قوله: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون ١٥، ١٦] لأن هذه القصص الخمس وغيرها كإخراج عيسى الموتى من قبورهم هذه تعتبر أمرًا نادرًا يؤتى به لآية من آيات الله سبحانه وتعالى، أما البعث العام فإنه لا يكون إلا يوم القيامة؛ ولهذا نقول في شبهة الذين أنكروا البعث من المشركين ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [يونس ٤٨] ويقولون: ﴿فَأْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الدخان ٣٦] نقول: إن هؤلاء مموِّهون، فالرسل ما قالت لهم: إنكم الآن تبعثون، متى؟ يوم القيامة، ولينتظروا فسيكون هذا بلا ريب. * الطالب: شيخ في قول الله تعالى: ﴿قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ [غافر ١١] نفس الجواب اللي قاله هنا؟ * الشيخ: أي نفس الجواب، أنه ما يقع من بعض الناس الذي أميتوا مرتين أو ثلاثا وأحيوا ثلاثًا، هذا يكون خلاف العام. قوله تعالى ﴿وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾. * يستفاد من ذلك: أن إنزال الله تعالى الكتب للناس من نعمه وآلائه ولَّا لا؟ وهي من أكبر النعم؛ لأن الناس لا يمكن أن يستقلوا بمعرفة حق الخالق، بل ولا حق المخلوق؛ فلذلك نزلت الكتب تبيانًا للناس. * يستفاد منها أيضًا: أن موسى عليه الصلاة والسلام نبي؛ لأن الله آتاه الكتاب. * يستفاد منه: فضيلة التوراة؛ لأنه أطلق عليها اسم الكتاب، و(أل) هذه للعهد أيش؟ الذهني لأنه ما سبق لها ذكر، فدل هذا على أنها معروفة بين بني إسرائيل، وأنه إذا أطلق الكتاب فهو للتوراة، ومن وجه آخر أيضًا أن الله تعالى سماها الفرقان كما سمى القرآن الفرقان؛ لأن كلا الكتابين من أعظم الكتب، يعني: أفضل الكتب بعد القرآن التوراة؛ ولهذا قال الله تعالى في سورة القصص: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا﴾ [القصص ٤٩] يعني: من التوراة والقرآن ﴿أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ فدل هذا على أن التوراة أنها مشاركة للقرآن في كونها فرقانًا؛ ولذلك كانت عمدة الأنبياء من بني إسرائيل ﴿يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ﴾ [المائدة ٤٤]. * ويستفاد من هذا رابعًا: بيان عتو بني إسرائيل، بيان عتو بني إسرائيل وطغيانهم؛ لأنه إذا كانت التوراة التي نزلت عليهم فرقانًا، ثم هم يكفرون هذا الكفر يدل على زيادة عتوهم وطغيانهم؛ إذ من نزل عليه كتاب يكون فرقانًا كان يجب عليه بمقتضى ذلك أيش؟ أن يكون مؤمنًا مذعنًا خلافًا لهم. * وفيها أيضًا دليل: على أن الله تبارك وتعالى ينزل الكتب ويجعلها فرقانًا لغاية حميدة جدًّا وهي * الفائدة الخامسة وهي: الهداية؛ لقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾. * الفائدة السادسة: أن من أراد الهداية فليطلبها من الكتب المنزلة من السماء، ما يطلبها من الأساطير، وقصص الرهبان، وقصص الزهاد، والعباد، وما أشبه ذلك، بل إنها من الكتب المنزلة من السماء، فعلى هذا ما يوجد في كتب الوعظ من القصص عن بعض الزهاد والعباد وما أشبه ذلك، نقول لكاتبيها وقارئيها: خير لكم أن تبدوا للناس كتاب الله وتبسطوه وتشرحوه وتفسروه بما ينبغي أن يفهم حتى يكون ذلك نافعًا للخلق؛ لأنه ما فيه طريق للهداية إلى الله إلا الكتب المنزلة من عنده. * وفيه أيضًا من الفوائد اللغوية: جواز عطف الصفة على الموصوف؛ لقوله: ﴿الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ﴾ وقد مر علينا هذا ذكرنا له مثالًا آخر في القرآن، بل فيه أمثلة مثل: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (٣) وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى (٤)﴾ [الأعلى ١ - ٤] وهذا جائز بشرط أن لا يوهم خلاف المقصود، فإن أوهم خلاف المقصود بحيث يتوهم المخاطَب أن الثاني غير الأول، فإنه يمتنع وتحذف حرف العطف؛ لئلا يظن أن الثاني هو الأول، كما أنه يجب أحيانًا أن يكون بالعطف إذا أوهم أن هذه الصفة لغير الأول، إذا أوهم أن الصفة هذه لغير الأول وجب حرف العطف، مثلًا تقول: مررت بزيد الضارب عَمْرًا والكريم، ولا تقول: الكريم، مررت بزيد الضارب المجرم الكريم وأيش تقول؟ تقول: والكريم تأتي بالواو؛ لأنك لو تقول: الضارب المجرم الكريم، أوهم أن الكريم وصف للمجرم، فتقول: الضارب المجرم والكريمِ، يعني وهو أيضًا الكريم، لا ما هو ضاربًا الكريم، هو كريم، ما هو الضارب المجرم والكريم، لا، فالمهم صار الآن عطف الصفة على الموصوف جائزًا، وقد يجب أحيانًا وقد يمتنع أحيانًا، متى يمتنع؟ إذا أوهم التعدد بحيث يظن أن الثاني لا يعود للأول، ويجب العطف إذا أوهم خلاف المقصود فإنه يجب العطف؛ لئلا يظن أن هذا الوصف تابع للثاني لا للأول، كم من فائدة في الآية هذه؟ * الطلبة: سبع. * الشيخ: * الفائدة الثامنة: إثبات الأسباب، من أين نأخذه؟ من قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ آتاه الكتاب لأجل أن يهتدوا، فإذن الهداية لها سبب، الأسباب لا شك في ثبوتها، ولا أحد ينكر الأسباب أبدًا. * ويستفاد من هذا أيضًا: أن الإتيان المضاف إلى الله سبحانه وتعالى يكون كونيًّا ويكون شرعيًّا، فإيتاء الكتب شرعي ولا كوني؟ شرعي، وإيتاء المال كوني ﴿وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ﴾ [القصص ٧٦] فالإتيان كوني. * طالب: شيخ، إيتان ولا إيتاء؟ * الشيخ: نعم، الإيتاء. الإيتاء نوعان: شرعي وكوني؛ لقوله: ﴿وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ [الإسراء ٢]. * وفيها أيضًا: ذكر فضل موسى وتقدم، وأنه نبي، فضله وأنه نبي.ثم قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة ٥٤] إلى آخره. * يستفاد من هذا: أنه ينبغي للداعية أن يستعمل الأسلوب الذي يجلب إليه، و(...) الناس عليه؛ لقوله: ﴿يَا قَوْمِ﴾، فإن هذا لا شك أن فيه من التلطف والتودد والتحبب ما هو ظاهر. * وفيه أيضًا: دليل على أن اتخاذ الأصنام مع الله أنه ظلم؛ لقوله: ﴿إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾. * الفائدة الثالثة: أن المعاصي ظلم للنفوس، ووجه ذلك أن النفس أمانة عندك إن رعيتها بأحسن الرعاية فقد أديت حقها، وإن رعيتها بأسوأ الرعاية فقد ظلمتها؛ ولهذا قال رسول الله صلي الله عليه وسلم لعبد الله بن عمرو بن العاص: «إِنَّ لِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا»[[متفق عليه: البخاري (١١٥٣)، ومسلم (١١٥٩ / ١٨٨). ورواه أبو داود (١٣٦٩)، واللفظ له من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه.]]. * وفيه أيضًا الفائدة الرابعة: أنه ينبغي التعبير بما يناسب المقام؛ لقوله: ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ﴾ لم يقل: إلى الله؛ لأن ذكر البارئ هنا كإقامة الحجة عليهم في أن العجل لا يكون إلهًا، فإن الذي يستحق أن يكون الإله من؟ البارئ؛ لأنه الخالق. وفيه دليل على الفائدة الخامسة، أظن، * الفائدة الخامسة: وجوب التوبة؛ لقوله: ﴿فَتُوبُوا﴾. * والفائدة السادسة: أن التوبة على الفور، من أين تؤخذ؟ من قوله: ﴿فَتُوبُوا﴾؛ لأن الفاء للترتيب والتعقيب. * وفيه دليل أيضًا على إثبات الأسباب؛ لقوله: ﴿بِاتِّخَاذِكُمُ﴾ فإن الباء هنا للسببية. * وفيه دليل على أنه ينبغي للداعية كشف الأمور وبيانها؛ لأنه ما قال: ﴿ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ وأجمل بل بين في قوله: ﴿بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ﴾ وهو ما يسمى عندنا بالعرف: وضع النقط على الحروف؛ لأنه قال: ﴿ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ صحيح ظلم، لكن إذا نص وبين وكشف المبهم فهو أولى وأحسن. * طالب: إذا كان ينفر البيان؟ * الشيخ: إذا كان ينفر فإنه قد يعرض للفاضل ما يجعل المفضول أفضل منه. * وفيه أيضًا دليل على سفاهة بني إسرائيل، من أي وجه؟ من اتخاذهم العجل إلهًا، العجل هم الذين صنعوه بأنفسهم، ويعرفون أن العجل المخلوق اللي أفضل منه، ما يصح إلهًا، وهم جعلوا هذا الجسد جعلوه إلهًا، عجلًا جسدًا ما فيه روح، ومع ذلك اتخذوه إلهًا، فهذا دليل على سفاهتهم، سفاهة عقولهم. * وفيه دليل على ما وضع الله تعالى على بني إسرائيل من الأغلال والآصار؛ حيث كانت توبتهم بأن يقتل بعضهم بعضًا؛ لقوله: ﴿فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ لو وقعت هذه في أمة محمد، فما هو الطريق للتخلص منها؟ أن يتوبوا إلى الله ويرجعوا من هذا الذنب، ويقبلوا على توحيده وعبادته ويتخلصوا منه نهائيًّا، ولا يشرع لهم أن يقتلوا أنفسهم في هذه الأمة. * وفيه أيضًا دليل على أن القتل قد يكون خيرًا للإنسان إذا أدى إلى ما هو أفضل منه؛ لقوله: ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ﴾، وتعلمون أن القصاص إضافة قتل نفس أخرى إلى المقتول أولا؟ ولكن عاقبته حميدة؛ ولهذا صار جائزًا وسائغًا، وقال الله تعالى فيه: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة ١٧٩]. * وفيه أيضًا دليل على أن الله سبحانه وتعالى يتوب على التائبين مهما عظم ذنبهم؛ لقوله: ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾. * وفيها إثبات اسمين من أسماء الله وهما: التواب والرحيم، وإثبات ما تضمناه من صفة، وهي: التوبة والرحمة، وإثبات ما تضمناه من صفة باقترانهما لا كل على انفراد، باقترانهما؛ لأنه لما اقترنا تولدت أو نتج من اجتماعهما صفة ثالثة، وهي: دفع المضار وجلب المنافع، من أين؟ * طالب: التواب. * الشيخ: لأن التواب به دفع المضار، والرحيم به جلب المنافع. * وفيه دليل على أنه ينبغي للإنسان أن يتعرض لما يقتضيه هذان الاسمان من أسماء الله، فيتعرض لتوبة الله ورحمته، فيتوب إلى ربه سبحانه وتعالى ويرجوه الرحمة، وهذا هو أحد المعاني التي قال عنها رسول الله صلي الله عليه وسلم: «مَنْ أَحْصَاهَا دَخَل الْجَنَّةَ»[[متفق عليه: البخاري (٢٧٣٦)، ومسلم (٢٦٧٧ / ٥، ٦) من حديث أبي هريرة.]] فإن من إحصائها أن يتعبد الإنسان لله بمقتضاها. * طالب: (...)؟ * الشيخ: جسد، يعني جسد بمعنى ما فيه روح، الجسد معناه كل شيء له جثة هو جسد. * فيه أيضًا دليل على أن الأمة كنفس واحدة، من أين تؤخذ؟ ﴿فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾؛ لأنه قد سبق أن قلنا: ما أمروا بأن يقتل كل واحد منهم نفسه، بل يقتل بعضهم بعضًا. * وفيه أيضًا دليل على تفاضل الأعمال؛ لقوله: ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ﴾، وأن الأعمال تتفاضل عند الله سبحانه وتعالى فبعضها خير من بعض. * طالب: فيها قراءات ﴿اتَّخَذْتُمُ﴾ ﴿بَارِئِكُمْ﴾؟ * الشيخ: عندي فيها قراءات: ﴿بَارِيكُمْ﴾ هذه قراءة، و﴿اتَّخَتُّمُ﴾ وين ﴿اتَّخَتُّمُ﴾ ؟ * الطالب: الإظهار والإدغام. * الشيخ: ما هي بعندي. * الطالب: ﴿بَارِئِكُمْ﴾. * الشيخ: إي باريكم فيها قراءة: ﴿بَارِيكُمْ﴾ وفيها قراءة: ﴿بَارِئِكُمْ﴾ إسكان الياء أو الهمزة نعم، أما ﴿اتَّخَتُّمُ﴾ ما فيها، ما عندي. * الطالب: عندي قراءة. * الشيخ: وين هي؟ * الطالب: ﴿ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ باتخاتكم﴾ . * الشيخ: ما عندي، وأيش الكتاب اللي عندك؟ * الطالب: الحجة لابن خالويه. * الشيخ: وأيش هو؟ قوله تعالى ﴿ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ﴾ تقرأ بالإظهار والإدغام. الإدغام ﴿اتَّخَذْتُمُ﴾ الذال بالتاء، تقول: ﴿اتَّخَذْتُمُ﴾ ﴿اتَّخَتُّمُ﴾ ، يعني تظهر الذال ﴿اتَّخَذْتُمُ﴾، أو تدغم الذال تقول: ﴿اتَّخَتُّمُ﴾ الحجة لمن أظهر: أنه أتى بالكلمة على أصلها، واغتنم الثواب على كل حرف منها. والحجة لمن أدغم: أن الظاء والثاء، والذال مخرجهن من طرف اللسان، وأطراف الثنايا العلى، فوجب الإدغام لمقاربة المخرج والمجانسة. الإدغام بالذال ما هي بالهمزة. * الطالب: (...)؟ * الشيخ: لا ما يظهر؛ لأنه مشدد الحرفين. * الطالب: وهمزة الوصل (...)؟ * الشيخ: الظاهر أن همزة الوصل تروح (...) إلا عند الابتداء. ثم قال تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٥) ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ﴾ [البقرة ٥٥، ٥٦] هنا يذكرهم الله تبارك وتعالى بنعمته عليهم، لكن لا بكونهم قالوا هذا القول ثم صعقوا، ولكن بأنهم بعثوا من بعد الموت. * ففيه: أنه عند تذكير النعم ينبغي استيعاب الأمر استيعاب الموضوع لتتبين النعم ومواقعها. * وفيه أيضًا دليل على سفاهة هؤلاء، أي سفاهة بني إسرائيل، وما أكثر ما يدل على سفاهتهم، فهم المؤمنون بموسى، ومع ذلك قالوا: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ فسبق لنا أن العلماء اختلفوا متى قالوا هذا. * وفيه أيضًا دليل على أن من سأل ما لا يمكن فهو حري بالعقوبة؛ لقوله: ﴿فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ﴾ لأن الفاء تدل على السببية. * وفيه: أقول: إنه من سأل ما لا يمكن حري بالعقوبة لا سيما مثل حال هؤلاء الذين قالوا ذلك عن تشكك، ففرق بين قول موسى: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف ١٤٣] وبين قول هؤلاء: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ فموسى قال ذلك شوقًا إلى الله عز وجل، وليتلذذ بالرؤية إليه، أما هؤلاء فقالوه تشككًا، يعني: ما نحن مؤمنين إلا إذا رأيناه جهرة، ففرق بين الطلبين. * وفيه أيضًا دليل على قدرة الله سبحانه وتعالى في أخذ الصاعقة لهؤلاء في آن واحد. * وفيه دليل على أن ألم العقوبة وقعها عند النظر أشد؛ لقوله: ﴿وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ فإن الإنسان إذا رأى أن الناس يتساقطون في العقوبة -والعياذ بالله- يكون ذلك أشد وقعًا عليه. * وفيه دليل على قدرة الله سبحانه وتعالى حيث أحياهم بعد الموت؛ لقوله: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ﴾. * وفيه دليل على وجوب الشكر على من أنعم الله عليه بنعمة؛ لقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ وقد مر علينا كثيرًا بأن الشكر هو القيام بأي شيء؟ بطاعة المنعم، إقرارًا بالقلب واعترافًا باللسان وعملًا بالأركان، فيعترف بقلبه أنها من الله، لا يقول: إنما أوتيته على علم عندي، كذلك أيضًا يتحدث بها بلسانه افتخارًا ولّا اعتبارًا؟ اعتبارًا لا افتخارًا، وكذلك أيضًا يكون في طاعة الله سبحانه وتعالى في جوارحه، وبهذه الأركان الثلاثة يكون الشكر، وعليه قول الشاعر: أَفَادَتْكُمُ النَّعْمَاءُ مِنِّي ثَلَاثَةً يَدِي وَلِسَانِي وَالضَّمِيرَ الْمُحَجَّبَا