×
البقرةالآيات ٥٤–٥٥

تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين

وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِۦ يَـٰقَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُم بِٱتِّخَاذِكُمُ ٱلْعِجْلَ فَتُوبُوٓا۟ إِلَىٰ بَارِئِكُمْ فَٱقْتُلُوٓا۟ أَنفُسَكُمْ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ عِندَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ ۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ ﴿٥٤﴾

وَإِذْ قُلْتُمْ يَـٰمُوسَىٰ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى ٱللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ ٱلصَّـٰعِقَةُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ ﴿٥٥﴾

ثم ذكر نعمة أخرى أيضًا فقال: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ ﴿وَإِذْ قَالَ﴾ يعني: واذكروا إذ قال موسى لقومه، والقوم بمعنى القبيلة، والفقهاء يقولون: إن القوم من الجد الرابع فما دونه، هؤلاء القوم في اللغة العربية. قال: ﴿لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ﴾ ناداهم بوصف القومية تحببًا وتوددًا وإظهارًا لأنه ناصح لهم؛ لأن الإنسان ينصح لقومه، ﴿يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ أكد الجملة لبيان حقيقة ما هم عليه و﴿ظَلَمْتُمْ﴾ بمعنى: نقصتم أنفسكم حقها؛ لأن الظلم في الأصل بمعنى النقص، قال الله تعالى: ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ [الكهف ٣٣] يعني: تنقص، هذا هو الأصل، ولكن قد يراد به أكثر من النقص، إنما هنا ﴿ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ نقصتموها حقها، وذلك بمخالفة التوحيد. فقال: ﴿بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ﴾ الباء هنا للسببية، أي: بسبب اتخاذكم العجل، واتخاذ مصدر، وفعلها اتخذ، وهو مضاف إلى فاعله، الكاف فاعل، و﴿الْعِجْلَ﴾ مفعول أول، والمفعول الثاني؟ * طالب: إلهًا. * الشيخ: محذوف، تقديره؟ * طالب: إلهًا. * الشيخ: إلهًا، ظلمتم أنفسكم بسبب اتخاذكم العجل إلهًا تعبدونه من دون الله. والعجل هذا سبق أنه عجل من ذهب صورة، وأن الذي فتن الناس بها رجل يقال له: السامري، اتخذوه إلهًا والعياذ بالله، فأرشدهم موسى ﷺ إلى الخلاص من هذا الظلم العظيم قال: ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ﴾ ﴿تُوبُوا﴾ أمر بمعنى ارجعوا؛ لأن التوبة والأوبة معناها الرجوع إلى الله سبحانه وتعالى، والتوبة تكون بالإقبال على الله، بفعل أوامره واجتناب نواهيه، إذا كان الظلم بترك واجب، فالتوبة بفعله، وإذا كان الظلم بفعل معصية، فالتوبة بتركها والإقلاع منها. ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ﴾ ما قال: إلى الله، ولا قال: إلى ربكم؛ لإظهار لومهم وتوبيخهم؛ لأن البارئ بمعنى الخالق المعتني، خالق معتني، فكأنه يقول: كيف تتخذون العجل إلهًا وتَدَعون خالقكم الذي يعتني بكم، وهذا كقول إلياس لقومه: ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ﴾ [الصافات ١٢٥]، ﴿إِلَى بَارِئِكُمْ﴾ أي خالقكم، أيش بعد؟ * طالب: المعتني بكم. * الشيخ: المعتني بكم. ﴿فَاقْتُلُوا﴾ الفاء هنا تفسيرية؛ لأن قوله: ﴿اقْتُلُوا﴾ تفسير للمجمل في قوله: ﴿تُوبُوا﴾، وعلى هذا فالفاء للتفسير، أي: فتوبوا بهذا الوصف. ﴿اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ أي: ليقتل بعضكم بعضًا، وليس المعنى أن كل واحد يقتل نفسه بالإجماع، ما أحد من المفسرين قال: إن معنى قوله تعالى: ﴿اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ أي: كل واحد يقتل نفسه، وإنما المعنى: يقتل بعضكم بعضًا، يقتل الإنسان ولده والده أخاه، المهم أنكم تستعدون وتتخذون سلاحًا -خناجر وسكاكين وسيوف- وكل واحد منكم يهجم على الآخر ويقتله، فهمتم؟ اختلف المفسرون هل هذا القتل وقع في ظلمة أو وقع جهارًا بدون ظلمة؟ فقيل: إنه لما أمروا بذلك، قالوا: لا نستطيع أن يقتل بعضنا بعضًا، فينظر الإنسان إلى ابنه فيقتله، وإلى أبيه فيقتله، وإلى أخيه، وإلى صديقه، هذا شيء ما يمكن، فألقى الله عليهم ظلمة وصار يقتل بعضهم بعض ولا يدري من قتل. وقيل: بل إنهم قتلوا جهرًا بدون ظلمة، وإن هذا أبلغ في الدلالة على صحة توبتهم، إن الإنسان يقتل أي واحد أمامه، وأنه لما رأى موسى ﷺ أنهم سينتهون؛ لأنه إذا صار بعضهم يقتل بعضًا من يبقى؟ * طالب: يبقى واحد. * الشيخ: يبقى واحد، فلما رأى أنهم سينتهون ابتهل إلى الله سبحانه وتعالى أن يرفع عنهم الإصر، فأمروا بالكف، وقيل: بل سقطت منهم أسلحتهم، سقطت من أيديهم، والله أعلم، المهم أن ظاهر القرآن إنه ما حصل شيء، يعني: ما حصل ظلمة ولا شيء، وأنهم أمروا أن يقتل بعضهم بعضًا، وهذا أبلغ في الدلالة على صدق توبتهم ورجوعهم إلى الله سبحانه وتعالى. وذهب بعضهم إلى أن المراد: يقتل البريء منكم المجرم، يعني: الذين دعوا إلى عبادة العجل وعكفوا عليه يُقتلون، والذين تبرؤا منه يَقتلون، والله أعلم، لكن الظاهر الأول؛ لأن قتل البريء للمجرم ما فيه دلالة على صدق التوبة من المجرمين؛ لأن الإنسان قد يُقتل وهو مصر على الذنب، ولا يدل ذلك على توبته، قال عليه الصلاة والسلام: ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ﴾. * طالب: قال عليه الصلاة والسلام في الحديث؟ * الشيخ: إي، قال موسى. * طالب: إي. * الشيخ: نعم، ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ﴾ ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ﴾، ﴿ذَلِكُمْ﴾ المشار إليه القتل، وهنا قال: ﴿ذَلِكُمْ﴾، ولم يقل: ذلك؟ لماذا؟ * طالب: جماعة. * طالب: لأنهم قوم. * طالب: شبه جماعة. * الشيخ: لأنه شبه جماعة لا. * طالب: خبر جماعة. * الشيخ: خطأ، انتبه، قال: ﴿ذَلِكُمْ﴾، ولم يقل: ذلك، ولا يشير إلى جماعة. * طالب: يخاطب جماعة ويشير إلى واحد. * الشيخ: صحيح يخاطب جماعة ويشير إلى واحد وهو القتل، المشار إليه واحد، مفرد مذكر وهو القتل، والمخاطب؟ * طالب: جماعة. * الشيخ: جماعة، وهم قومه. ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ﴾ قوله: ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾ يعني: من عدم التوبة، أو من عدم القتل، وهذا من التفضيل بما ليس في الطرف الآخر منه شيء، فهمتم؟ والتفضيل بما ليس في الطرف الآخر منه شيء هذا وارد في اللغة العربية، لكن بعضهم يقول: إنه يسلب منه التفضيل هنا، ويكون دليلًا على وجود الخير في هذا الأمر بدون تقدير المفضل عليه، فمثلا هنا يقول قائل: لو لم يقتلوا أنفسهم هل في ذلك خير؟ * طالب: لا. * الشيخ: ما فيه خير؛ فلماذا قال: ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ﴾؟ نقول فيها جوابان: أحدهما: أن هذا من باب التفضيل بما ليس في الطرف المفضل عليه منه شيء، كقوله تعالى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [الفرقان ٢٤]، خير مستقرًّا من أهل النار، مع أن أهل النار ليس في مستقرهم خير. وبعضهم يقول: إنه هنا ليس اسم تفضيل لمثل هذا، بل فيه وصف هذا الشيء في الخيرية فقط، وليس من باب المفضل والمفضل عليه في شيء، ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ﴾. ثم قال الله تعالى -ما نقول: قال ﷺ، نقول: قال الله تعالى-: ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ هذا محط ذكر النعمة ولَّا لا؟ * طالب: بلى. * الشيخ: لأن الأول: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ﴾ ذكر الذنب والتوبة منه، لكن النعمة بأي شيء؟ * طالب: بالتوبة. * الشيخ: بتوبة الله عليهم؛ ولهذا قال: ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾. وتوبة الله على عبده معناه: أنه يرضى عنه بعد الغضب، ويقبل إليه بعد التولي عنه والإعراض عنه، إيه ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ هذا من كلام الله. * طالب: (...) وعد منه ﷺ. * الشيخ: لا، اذكر نعمة الله إذ قال: ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ فهي من كلام الله. وقوله: ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ أيش معني تاب؟ أقبل إليكم بعد أن كان معرضًا عنكم، أو أن المعنى: تاب، أي: قبل التوبة، قبل التوبة منكم، ومن لازم قبول التوبة منهم أن يقبل الله إليهم. ثم قال الله تعالى: ﴿إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ هو ضمير فصل، ويسميه بعض النحويين ضمير عماد؛ لاعتماد الخبر عليه، وضمير فصل؛ لأنه فصل بين الصفة والخبر. وقد ذكرنا أن فيه ثلاث فوائد، من يذكرها؟ ضمير الفصل فيه ثلاث فوائد ذكرناها سابقًا، وأيش؟ * طالب: الفصل. * الشيخ: إي نعم. * طالب: تعيين الخبر لما بعده. * الشيخ: إيه يعني: فصل، تعيينها لما بعدها خبر (...)، لا بأس، والثالث؟ * طالب: التوكيد. * الشيخ: التوكيد، نعم. وقوله: ﴿التَّوَّابُ﴾ صيغة مبالغة، ولم يقل: التائب، نعم؛ لأن التائب تدل على مطلق الفعل، لكن التواب تدل على كثرته، تدل على كثرته، والله سبحانه وتعالى كثير التوبة لكثرة توبته على عبده، وكثير التوبة لكثرة من يتوب عليهم من الناس، فهو يتوب بالمرات المتعددة على عبده، ويتوب للأشخاص الكثيرين الذين يكثر توبتهم؛ لهذا جاءت الصيغة التواب. وقوله: ﴿الرَّحِيمُ﴾ أي: ذو الرحمة الواصلة للمرحوم؛ لأنها هنا صفة مشبهة لكن تدل على الفعل، يعني: أنه سبحانه وتعالى رحيم، يعني: راحم بالفعل. توبة الله سبحانه وتعالى، وصف الله بالتوبة، ينبغي أن يعلم بأن توبة الله على العبد نوعان: توبة سابقة على توبة العبد، وتوبة لاحقة، أما توبته على السابقة على توبة العبد، فهي توفيقه للتوبة، وأما توبته اللاحقة بعد توبة العبد، فهي قبول التوبة؛ قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ﴾ [التوبة ١١٧] إلى أن قال: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ [التوبة ١١٨]، قبله: ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [التوبة ١١٨] ﴿تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾. * طالب: شيخ. * الشيخ: نعم. * طالب: سؤال بخصوص العجل، هل كان هذا العجل يعني فيه نوع حياة؟ * الشيخ: لا، الله بين: ﴿لَهُ خُوَارٌ﴾ [الأعراف ١٤٨]، والحياة ما فيه حياة؛ لأن الله قال: ﴿عِجْلًا جَسَدًا﴾ [الأعراف ١٤٨] ما فيه روح. * طالب: قول السامري: ﴿فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ﴾ [طه ٩٦] تفسيرها (...) صح؟ * الشيخ: الله أعلم، من الإسرائيليات اللي ما تصدق ولا تكذب، لكن ظاهر القرآن إنه ما فيه إلا مجرد صوت فقط، صوت كصوت العجل، أما أن يكون فيه روح فلا؛ لأن وصفه بالجسد دليل على أنه لا روح فيه؛ لأنه لو أطلق وقيل: عجلا، لظن الظان أن فيه روح، فخرج دفع هذا الوهم بقوله: ﴿جَسَدًا﴾. * طالب: والقبضة. * الشيخ: نعم. * طالب: هذه القبضة؟ * الشيخ: القبضة ما تعرف شو أثرت فيه، هل أثرت حسنًا بأن جملته وطلته مثلا أو أن هذه القبضة صار فيها تأثير بالصوت صوت هذا العجل، وكثير من المفسرين يقولون: إن هذا الصوت ما هو الطبيعي في هذا الشيء، وأن الريح تدخل من دبره وتخرج من فيه، فيكون لها صوت. * طالب: شيخ، التوبة بالنسبة للعبد وأيش الفرق بينها وبين التوبة بالنسبة لله (...)؟ * الشيخ: لا فرق بينهما، كله الرجوع، إلا إذا قلنا: إن التوبة من الله معناها قبول توبة العبد، إي نعم، يكون معناها غير الرجوع، أما إذا قلنا: إن الله تاب عليهم، بمعنى رجع عن إعراضه عنهم بالإقبال عليهم، فيكون معناها واحد. قال: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى﴾ يعني: واذكروا أيضًا يا بني إسرائيل، والخطاب لمن كان في عهد الرسول ﷺ، لكن إنعامه على الأمة أولها إنعام على آخرها، ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى﴾ لن تفيد النفي، لكنها تقتضي التأبيد ولَّا ما تقتضيه؟ * طالب: ما تقتضي. * الشيخ: ما تقتضي التأبيد، إلا إذا قيدت به، ولكنها لها ثلاث حالات: تارة تقيد بما يدل على الغاية، كقوله هنا: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ﴾، ﴿لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى﴾ [طه ٩١]، هذه واضحة إذا قيدت بما يدل على الغاية إنها لا تدل على التأبيد ولا تحتمل التأبيد، ولَّا لا؟ وتارة تقيد بما يدل على التأبيد، كقوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ [البقرة ٩٥]. والثالث: أن تأتي مطلقة: لن يقوم فلان. نعم، فهذه إن دلت القرينة على أنها تقتضي التأبيد فهي للتأبيد، وإن دلت القرينة على أنها لا تقتضي فهي محتملته، فمثلا: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾ [البقرة ٢٤] هذي أيش (...)؟ * طالب: تأبيد. * الشيخ: تأبيد، ما فيها أبدًا. * طالب: القرينة. * الشيخ: لكن القرينة تقتضي ذلك، إذن هذا حكم لن؛ ولهذا قال ابن مالك في الكافية: وَمَنْ رَأَى النَّفْيَ بِلَنْ مُؤَبَّدَا ∗∗∗ فَقَوْلَهُ ارْدُدْ وَسِوَاهُ فَاعْضُدَا قوله: اردد؛ لأن المعتزلة بل الأشعرية يقولون: لن للتأبيد؛ ولأجل ذلك استدلوا بقول الله تعالى لموسى: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف ١٤٣] أن الله لن يرى، لا في الدنيا ولا في الآخرة، ولكن قولهم بلا شك مردود. إذن ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ﴾ أي: لن ننقاد، ولن نصدق، ولن نعترف لك بما جئت به، ﴿حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾، نرى بمعنى نبصر؛ ولهذا ما تنصب إلا مفعولا واحدًا؛ لأنها رؤية بصرية، فاعلها؟ * طالب: نحن. * الشيخ: وين؟ مستتر جوازًا تقديره: نحن. ﴿اللَّهَ﴾ مفعول به، نعم، ﴿نَرَى﴾ فعل مضارع فاعله مستتر وجوبًا تقديره: نحن، نحن قلنا لكم: إذا كان الضمير تقديره: أنا أو أنت أو نحن، فهو واجب، وإذا صار هو أو هي فهو مستتر جوازًا، لكن (...) هذه مسائل بدهية ما هي صعبة، يعني من المسائل النحوية الصعبة، هذه يمكن اللي في الابتدائي يعرفها، وما يرضينا منكم هذا. كل ما كان الضمير تقديره: أنا أو نحن أو أنت فهو؟ مستتر وجوبًا، وإذا كان تقديره: هو أو هي، فهو مستتر جوازًا. هذا تقديره: نحن، فيكون مستترًا وجوبًا. وقوله: ﴿جَهْرَةً﴾ هذه حال أو هي مفعول مطلق، أي: رؤية جهرة، متى قالوا ذلك؟ قيل: إنهم قالوا ذلك حينما اختار منهم موسى ﷺ سبعين رجلًا... شوف الآيات معكم الآن، أنتم فهمتم القولين الآن ولَّا لا؟ فهمتم القولين؟ أم ما فهمتم القولين؟ القول الأول يقولون: إن موسى عليه الصلاة والسلام اختار من قومه سبعين رجلًا لميقات الله لموعده، وذهب بهم ولما صار يكلم الله ويكلمه الله قالوا: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ يقولون هذا القول حينما كان موسى خارجًا لميقات الله، وقال بعض العلماء: بل إنه لما جاء بالتوراة لما رجع من ميقات الله وأنزل عليه التوراة وجاء بها قالوا: لا، ما هي من الله ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾.* الطالب: السياق يؤيد الثاني. * الشيخ: أيهم؟ * الطالب: الأخير. * الشيخ: الأخيرة؛ لأنه قال: ﴿وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ﴾، ثم ذكر قصة العجل وهذه كانت بعد مجيء موسى بالتوراة، ثم بعد ذلك ذكر: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ فظاهر السياق يدل على أن هذا القول كان حينما جاء بالتوراة وقال: هذه من عند الله، فقالوا: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ﴾ لكن (...). ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ (١٥٥)﴾ [الأعراف ١٥٥] هذا ما يدل على القول الأول؟ إن هذا كان عندما كان يناجي الله؟ أي: بعضهم أيده بها بهذه الآية القول الأول، ولكن الحقيقة ما فيه تأييد له؛ لأن هذه يقول: ﴿أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ رُجِفَ بهم (...) الصاعقة، صعقوا وماتوا، ولكن موسى خاف أن يموت، وأن يحصل ما حصل في الأول، أو خاف أن يموت، وإن كان الثاني بعده، فالظاهر لي أن هذا لا يترجح، لا يترجح القول الأول بهذه الآية لاختلاف العقوبتين، العقوبة هذه أيش؟ الصاعقة، وتلك: الرجفة، الله أعلم. * الطالب: (...). * الشيخ: ﴿فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ لما قالوا هذا أخذتهم الصاعقة، الصاعقة يعني الموت الذي صعقوا به. وقوله: ﴿وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ أي: ينظر بعضكم إلى بعض، ينظر بعضكم إلى بعض حتى تساقطوا، والجملة في قوله: ﴿وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ حال، حال من أين؟ من الكاف في قوله: ﴿فَأَخَذَتْكُمُ﴾ الصاعقة، يعني: والحال أنكم تنظرون، ينظر بعضكم إلى بعض حتى هلكتم جميعًا. ﴿