تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين
ثُمَّ عَفَوْنَا عَنكُم مِّنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴿٥٢﴾
ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ وانظر إلى قوله: ﴿وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ﴾ هل هم ظالمون لأنفسهم؟ أو ظالمون لغيرهم؟ ظالمون لأنفسهم؛ فإن كل عاصٍ ظالم لنفسه، فإن تعدت مضرة معصيته إلى غيره صار ظالمًا لنفسه ولغيره.
﴿ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ﴾ أي: تجاوزنا عن هذا الفعل، ورفعنا عنكم العقوبة، ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ أي: لأجل أن تشكروا، ولعل هنا للتعليل، وكما أسلفنا من قبل ترد لعل لعدة معان منها: التعليل، وذلك كثير في القرآن الكريم، ومنها: الرجاء، ومنها: التمني، ومنها: الإشفاق والخوف، ومنها: التوقع، وكل هذا يعرف بالسياق.
وقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ الشكر هو العمل الصالح، هكذا جاء في القرآن، دليله: قول النبي ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ فَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾، وَقَالَ فِي الْمُؤْمِنِينَ: ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ﴾ »[[أخرجه مسلم (١٠١٥ / ٦٥).]]. وهذا يدل على أن الشكر هو العمل الصالح، وهو كذلك لا شك فيه.
واعلم أن الشكر لا يكون إلا في مقابلة إحسان، بخلاف الحمد، الحمد يكون لكمال المحمود ولإفضال المحمود، فسببه أعم من الشكر، ولكن الشكر أعم من الحمد من حيث تعلقه بالقلب واللسان والجوارح، كما قال القائل:
أَفَادَتْكُمُ النَّعْمَاءُ مِنِّــــــيثَلَاثَـــــــــةً ∗∗∗ يَدِي وَلِسَانِي وَالضَّمِيرَ الْمُحَجَّبَا* في هاتين الآيتين فوائد منها: بيان عيوب بني إسرائيل، وذلك أنهم اتخذوا العجل إلهًا حين غاب نبيهم.
* ومن فوائدها: إثبات كلام الله عز وجل؛ لقوله: ﴿وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَة﴾، والوعد يكون بين متواعدين في الغالب بالقول، ثم إن هذا الميعاد اللي حصل كلمه الله عز وجل، حتى إن موسى عليه الصلاة والسلام من شدة شفقته على رؤية الله قال: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف ١٤٣].
* ومنها: بيان سفه الأمة الغضبية -اليهود- حين اتخذوا العجل إلهًا، والعجيب أنهم هم الذين صنعوا العجل بأيديهم ثم اتخذوه إلهًا، ولكن لا تستغرب؛ فإن من يضلل الله فلا هادي له، والجاهليون من العرب يفعلون مثل هذا أو أشد، يقال: إنهم يصنعون من التمر إلهًا وإذا جاعوا؟ إذا جاعوا أكلوه، ما يدعونه إنه يأتيهم برزق، يعرفون أنه لن يملك ذلك، لكن يأكلونه، ويقولون: إنهم إذا نزلوا أرضًا أخذوا أربعة أحجار، واختاروا أحسنها أن يكون إلهًا، والثلاثة الباقية يجعلونها أثافي للقدر ينصبون القدر عليها.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه ليس لبني إسرائيل عذر في اتخاذهم العجل إلهًا؛ لأن الحجة قد قامت عليهم؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ﴾.
هل يستفاد من هذه الآية أنهم لو اتخذوا العجل إلهًا بدون ظلم لم يلاموا؟ أو يقال: إن هذا بيان لحالهم فقط؟ يحتمل هذا وهذا، يحتمل أن هذا بيان لحالهم وأنهم اتخذوه إلهًا من غير عذر، ويحتمل أن يكون دليلًا على أنه إذا كان الإنسان معذورًا فإنه لا يؤاخذ، ويدل لهذا قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ﴾ [القصص ٥٩].
وعلى هذا فيكون في الآية دليل على أن من عمل عملا سيئًا -الشرك فما دونه- وهو معذور فإنه لا عقوبة له، ثم إن كان منتسبًا إلى الإسلام حكم له بظاهره بأنه مسلم، وإن كان منتسبًا إلى دين آخر ولم يبلغه دين الإسلام، فيعامل في الدنيا حسب دينه الذي هو عليه، وأمره في الآخرة إلى من؟ إلى الله عز وجل، فصار هذا هو التفصيل في مسألة العذر بالجهل.
إذا كان يتسمى بالإسلام، ويشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، ويقيم الصلاة، ويؤتي الزكاة، ويحج ويعتمر، ويقول: إنه مسلم، لكن فيه شيء من الشرك بغير علم، عاش في هذه البلد التي فيها هذا الشرك ولا علم أن هذا شرك، فهذا يعامل معاملة أيش؟ المسلمين على ظاهر حاله، وكذلك أيضًا في الآخرة لا يؤاخذه الله؛ لأنه معذور.
وأما من كان معذورًا لكنه لا ينتسب للإسلام، على دين معين، فهذا يعامل في الدنيا معاملة الكافرين، يعني: أهل ذلك الدين، وفي الآخرة يقال: أمره إلى الله عز وجل.
* ومن فوائد الآية الثانية: بيان تفضل الله تعالى على بني إسرائيل، أنه بعد أن فعلوا ما فعلوا من هذا الشرك المبني على الضلال في الدين والسفه في العقل عفا الله عنهم؛ ﴿ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ﴾.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله تعالى يعفو عن الذنوب جميعًا بدون استثناء، لكن بعد التوبة، كما قال الله تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر ٥٣].
لكن لو قال قائل: ليس في الآية الكريمة ما يدل على أنهم تابوا، فيقال: دلت الآية الأخرى على أنهم تابوا إلى الله عز وجل، وأنابوا إلى الله، وأنه أخذتهم ظلة، وأمروا أن يقتل بعضهم بعضًا، فلما علم الله منهم صدق الرجوع إليه، وأنهم امتثلوا حتى القتل، عفا الله عنهم.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن من أنعم الله عليه نعمة دينية وجب عليه شكرها، كالنعمة الدنيوية؛ لقوله: ﴿ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾، وأيهما أعظم منة؟ الدينية لا شك أنها أعظم منة، فإذا من الله عليك بنعمة دينية، فاعتبرها من أكبر النعم وقم بشكرها، وشكر النعم الدينية من جنسها، فمثلا مَن منّ الله عليه بعلم، فإن من شكر نعمة الله عليه أن؟ أن يعلم، وينشر علمه، وكذلك مَن منّ الله عليه بمال، فإنه من شكر نعمة الله عليه بهذا المال أن يتصدق منه وينفع الفقراء ويصل الرحم ويبر بوالديه.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات العلل لأفعال الله، من أين تؤخذ؟ من قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾، ولا شك عندنا في هذا: أن جميع أفعال الله وأحكام الله كلها مبنية على علل ومصالح، لكن منها ما يعلم، ومنها ما لا يعلم، وأما من قال: إن أفعال الله تعالى وأحكامه ليست مبنية على حكمة ولا تعلل بعلة، فلا شك أنه ضال في دينه، سفيه في عقله.