×
البقرةالآية ٥١

تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين

وَإِذْ وَٰعَدْنَا مُوسَىٰٓ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ ٱتَّخَذْتُمُ ٱلْعِجْلَ مِنۢ بَعْدِهِۦ وَأَنتُمْ ظَـٰلِمُونَ ﴿٥١﴾

طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ (٥١) ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٥٢) وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (٥٣) وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة ٥١ - ٥٤]. * الشيخ: قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَة﴾ وكان الله تعالى وعده قبل ذلك ثلاثين ليلة وأتمها بعشر، فتم ميقات ربه أربعين ليلة، وعده الله تعالى لمناجاته هذه المدة، وأناب أخاه هارون على قومه، وقال: ﴿اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [الأعراف ١٤٢]، فكان هارون خليفة موسى في قومه حين ذهب لميعاد الله عز وجل، ثم إن بني إسرائيل -لعتوهم وعنادهم- اتخذوا عجلا من الذهب، اتخذوه إلهًا، وكان صاحب هذه الفكرة رجلا يقال له: السامري، صنعوا من الحلي الذي قيل: إنهم أخذوه من حلي آل فرعون، صنعوا منه ثورًا عجلا، وجعلوا له جوفًا تدخل منه الريح من الدبر وتخرج من الفم، فإذا دخلت الريح سمعوا له صوتًا كخوار الثور، فقال السامري: هذا إلهكم وإله موسى، موسى ذهب يطلب إلهه فضل؛ ولهذا مضت ثلاثون ليلة وزادت يطلب هذا الإله ولكنه نسي وضل وتاه، وهذا إلهكم وإله موسى، فجعل هارون يذكرهم بذلك ويقول: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي﴾ [طه ٩٠]، وهو نبي، ولكنهم أصروا استكبارًا وقالوا: ﴿لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى﴾ [طه ٩١]، وأصروا على عبادة العجل، رجع موسى عليه الصلاة والسلام ووجدهم على حالٍ ليست مرضية، على خلاف ما تركهم عليه وغضب، ألقى الألواح، وهي التوراة التي كتبها الله عز وجل بيده، ألقاها من شدة الغضب، وأخذ برأس أخيه ولحيته يجره إليه بشدة ويقول: ﴿مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا (٩٢) أَلَّا تَتَّبِعَنِ﴾ [طه ٩٢، ٩٣]، وكان هذا من شدة الغضب، وإلا في حال الرضا لا بد أن يسأل أولا: كيف ضلوا؟ قبل أن يقول: ﴿مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا (٩٢) أَلَّا تَتَّبِعَنِ﴾، لكن الإنسان بشر يعتريه ما يعتريه من الحال البشرية، ﴿قَالَ يَبْنَؤُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾ [طه ٩٤]، شوف هو خشي من موسى عليه الصلاة والسلام أن يقول: فرقت بين بني إسرائيل؛ لأنه لو قال أو زاد في وعظهم لانقسموا قسمين: قسمًا يكون مع هارون، وقسمًا آخر مع السامري، فكأنه عليه الصلاة والسلام ترك ذلك خوفًا من هذا، ومع ذلك هم أيضًا مصرون على ما هم عليه، اتخذوه إلهًا حتى عبدوه، والقصة مبسوطة في سورة طه. اتخذوه إلهًا؛ ولهذا قال: ﴿ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ ﴿الْعِجْلَ﴾ مفعول ﴿اتَّخَذْتُمُ﴾ الأول، والمفعول الثاني محذوف، والتقدير: ثم اتخذتم العجل إلهًا، وقوله: ﴿مِنْ بَعْدِهِ﴾ تفيد أنهم لم يتخذوه من أول وهلة، بل هناك مسافة وهي -كما قلت لكم- أنه لما مضت المدة التي حددها موسى عليه الصلاة والسلام، ثم زاد الله تعالى فيها، قالوا: هذا الإله ولكنه نسي. وقوله: ﴿وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ﴾ الواو هنا للحال، حال من فاعل ﴿اتَّخَذْتُمُ﴾ يعني: والحال أنكم ظالمون، ليس لكم عذر، وكيف يكون لهم عذر ونبيهم هارون يقول: ﴿يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي﴾ [طه ٩٠]. وبعد هذا -الفعلة القبيحة الشنيعة- قال الله عز وجل: ﴿