×
البقرةالآيات ٤٢–٤٣

تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين

وَلَا تَلْبِسُوا۟ ٱلْحَقَّ بِٱلْبَـٰطِلِ وَتَكْتُمُوا۟ ٱلْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴿٤٢﴾

وَأَقِيمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُوا۟ ٱلزَّكَوٰةَ وَٱرْكَعُوا۟ مَعَ ٱلرَّٰكِعِينَ ﴿٤٣﴾

وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤٢) وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة ٤١ - ٤٣]. * الشيخ: قول الله تبارك تعالى: ﴿أَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ ما هو عهد الله وما هو عهدهم؟ * طالب: عهد الله إليهم أن يقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة ويعزروا الرسل. * الشيخ: طيب، وعهدهم؟ * الطالب: وعهد الله إذا فعلوا ذلك أن يدخلهم الجنة ويكفر سيئاتهم. * الشيخ: أحسنت، أين وجدت ذلك؟ * الطالب: في سورة المائدة. * الشيخ: ما هي الآية؟ * الطالب: في قوله تعالى: ﴿وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ﴾ [المائدة ١٢]. * الشيخ: ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾ [المائدة ١٢]. * الطالب: ﴿وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ [المائدة ١٢]. * الشيخ: أحسنت، طيب، قوله: ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ ذكرنا لها إعرابًا فيما سبق، فمن يعرف الإعراب؟ * طالب: مفعول لفعل (...). * الشيخ: نعم على رأي من يرى جواز معمولين لعامل واحد، طيب رأي آخر؟ * طالب: أن يكون ﴿إِيَّايَ﴾ معمولًا لفعل محذوف. * الشيخ: نعم. * الطالب: يقدم على حسب السياق فنقول: خافوا إياي، أو: ارهبوا إياي. * الشيخ: هذا إعراب آخر يقول إن ﴿إِيَّايَ﴾ مفعول لفعل محذوف يقدر، أي إياي ارهبوا، أو إياي احذروا، أو ما أشبه ذلك، طيب هل هناك فرق بين الرهبة والخوف؟ * طالب: إي نعم، الرهبة تكون من شيء عظيم (...). * الشيخ: والخوف؟ * الطالب: الخوف (...). * الشيخ: الخوف معلوم، نعم. * الطالب: الرهبة هي الخوف لكنه يزيد عن الخوف العادي الطبيعي بأن التأثير ممن خافه. * الشيخ: ممن خافه. * الطالب: أما الخوف فهو الخوف العادي المعروف. * الشيخ: طيب، أولًا يجب أن نعرف أن الانفعالات النفسية لا يمكن تعريفها أبدًا، أي إنسان يحاول أن يعرف الانفعالات النفسية ما يستطيع، لو قيل لك مثلًا: ما هي المحبة؟ تقدر تعرفها؟ لو قيل: ما هي الكراهة؟ أيش؟ ما هو الخوف؟ هذه يقول ابن القيم رحمه الله في كتاب روضة المحبين، يقول: لا يمكن للانفعالات النفسية أن تعرَّف أبدًا بأكثر من لفظها. وهذا صحيح. طيب قوله: ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾، إذا قال قائل: الركوع من إقامة الصلاة، فهل في الآية تكرار؟ * طالب: ليس فيها تكرار وإنما ما دام أمرهم بأداء الصلاة أمرهم أن يؤدوها جماعة مع المؤمنين من أمة محمد ﷺ. * الشيخ: تمام بارك الله فيك، إذن الأمر الثاني ليس هو الأمر الأول، وإن كان في الحقيقة أن إقامة الجماعة من إقامة الصلاة لكنها نص عليها لأهميتها، طيب، قوله تعالى: ﴿لَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ﴾، إعراب ﴿وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ﴾ ما إعرابها؟ * طالب: معطوف. * الشيخ: معطوف على أيش؟ * الطالب: اللي قبلها. * الشيخ: ويش اللي قبلها، معطوف على اللي قبلها، ما الذي قبلها؟ * الطالب: ﴿لَا تَلْبِسُوا﴾. * الشيخ:﴿لَا تَلْبِسُوا﴾، طيب إذن كتمان الحق يكون منهيا عنه كما نُهي عن تلبيس الحق، فكم يكون المنهي عنه الآن؟ اثنان هما؟ * طالب: لبس الحق بالباطل وكتم الحق. * الشيخ: لبس الحق بالباطل وكتم الحق، طيب فيه وجه آخر؟ * طالب: فيه جملة حالية. * الشيخ: لا. * طالب: أن الواو هنا للمعية. * الشيخ: أن الواو للمعية، على هذا يكون المنهي عنه كل واحد منهي على انفراد أو ماذا؟ * طالب: تلبسوا الحق وتكتموا الحق.. * الشيخ: يعني المنهي عنه الجمع بينهما؟ لا يُنهى عن إفراد كل واحد، طيب، أيهما أولى من حيث المعنى؟ * طالب: أن يكون النهي عن كل واحد بانفراده. * الشيخ: أن يكون النهي عن كل واحد بانفراده؛ لأنه إذا نُهي عن كل واحد بانفراده؟ * الطالب: لأنه إذا نهى عنهما يكون جمع بينهما. * الشيخ: فيكون الجمع بينهما يكون أبلغ، نعم طيب بارك الله فيك. نأخذ الفوائد الآن، آخر ما كتبنا؟ على قوله: ﴿وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ﴾؟ نعم. * من فوائد هذه الآية الكريمة: أن من اشترى بآيات الله ثمنًا قليلًا ففيه شبه من اليهود، فالذين يقرؤون العلم الشرعي من أجل الدنيا يكون فيهم شبه من اليهود؛ لأن اليهود هم الذين يشترون بآيات الله ثمنًا قليلًا، وفي الحديث عن النبي ﷺ: «مَنْ طَلَبَ عِلْمًا مِمَّا يُبْتَغَى بِهِ وَجْهُ اللَّهِ لَا يُرِيدُ إِلَّا أَنْ يَنَالَ عَرَضًا مِنَ الدُّنْيَا لَمْ يَرَحْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ»[[أبو داود (٣٦٦٤)، وابن ماجه (٢٥٢)، وأحمد (٨٤٥٧) من حديث أبي هريرة.]]. وحينئذ يُشكِل على كثير من الطلبة أولئك القوم الذين يُقبِلون يزفون إلى الجامعات وإلى المدارس يريدون بهذا الشهادة، فهل يكونون ممن اشتروا بآيات الله ثمنًا قليلًا؟ الجواب: حسب النية، إذا كان الإنسان لا يريد من ذلك إلا أن يتوظف ويعيش، فهذا اشترى بآيات الله ثمنًا قليلًا، وعلامة ذلك أنه لا يهمه إلا أن يصل إلى هذه المرتبة ولو على حساب العلم والشرع، وأما إذا كان لا يريد ذلك، إنما يريد أن يصل إلى المرتبة التي ينالها بالشهادة من أجل أن يتبوأ مكانًا ينفع به المسلمين، فهذا لم يشترِ بآيات الله ثمنًا قليلًا؛ لأن المفاهيم الآن تغيرت، وصار الإنسان يوزَن بما معه من بطاقة الشهادة، واضح؟ إذن نقول لهؤلاء الذين يزفون إلى الجامعات: لا عليكم إذا كنتم لا تريدون بذلك الدنيا المحضة، وإنما تريدون أن تتبوؤوا مكانًا تنفعون به عباد الله. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن جميع ما في الدنيا قليل، ويشهد لهذا قوله تعالى: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ [النساء ٧٧]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن شرائع الله من آياته؛ لقوله: ﴿بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾، وهم -أعني اليهود- يبيعون الدين بالدنيا، ووجه كون الشرائع من آياته أنها تدل على حكمته عز وجل، وتأتي على أكمل الوجوه، بخلاف ما يسنه البشر؛ فإنه ناقص، أولًا: لنقص علم البشر وعدم إحاطتهم.ثانيًا: لخفاء المصالح عليهم، فقد يظن ما هو مصلحة وليس مصلحة، فقد يظن ما ليس بمصلحة مصلحة.ثالثًا: أننا لو قدرنا أن هذا الرجل الذي سن النظام أو القانون من أعقل الناس وأعلم الناس بأحوال الناس فإن علمه هذا محدود، محدود في زمانه، ومحدود في مكانه، أما في زمانه فظاهر؛ لأن الأمور تتغير، قد يكون المصلحة للبشر في هذا الزمن كذا وكذا، وفي زمن آخر خلافه، في المكان أيضًا، قد يكون هذا التشريع الذي سنّه البشر مناسبًا لأحوال هؤلاء الأمة في مكانه، ولكن في أمة أخرى لا يصح.ولهذا ضل كثير من المسلمين مع الأسف الشديد في أخذ القوانين الغربية وتطبيقها على مجتمع إسلامي؛ لأن هناك فرقًا بين المجتمعات الأوروبية الكافرة وبين المجتمعات الإسلامية، ولا يمكن أن نطبق ما يصلح لحال أولئك على ما لا يصلح لحال المسلمين، هذا إذا قلنا إنه صالح في مكانه، فكيف إذا لم يكن صالحًا في مكانه؟ والعجب أن بعض الناس -نسأل الله العافية- تجدهم قد مشوا على قوانين شُرعت من عشرات السنين، وأهلها الذين شرّعوها قد عدَلوا عنها، فصار هؤلاء كالذين يمشمشون العظام بعد أن تُرمى في الزبالة، وهذا شيء واضح، هناك قوانين شُرعت لقوم كفار ثم تغيرت الحال فغيروها، ثم جاء بعض المسلمين إلى هذه القوانين القشور الملفوظة وصاروا يتنشنشونها، هل يدخل في قوله: ﴿لَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾؟ نعم يدخل في هذا، نعم. * ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب تقوى الله عز وجل، وإفراده بالتقوى، نعم؛ لقوله: ﴿وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ﴾، فإن قال قائل: أليس الله يأمرنا أن نتقي الوقت الذي فيه العذاب أحيانًا، وأن نتقي العذاب أحيانًا؟ فقال عز وجل: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة ٢٨١]، وقال: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران ١٣١]، وقال: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال ٢٥] فكيف الجمع؟ نقول: كل هذه الأشياء التي أُمرنا باتقائها اتقاؤها من تقوى الله؛ لأنها مخلوقة لله عز وجل، فاتقاؤها من تقوى الله عز وجل. * ومن فوائد الآية التي بعدها ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾: وجوب بيان الحق وتمييزه عن الباطل، فيقال: هذا حق وهذا باطل، ولا يلبِّسه على الناس؛ لقوله: ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾. ومِن لبْس الحق بالباطل أولئك القوم الذين يورِدون الشبهات إما على القرآن أو على أحكام القرآن ثم لا يَحُلونها، لو أنهم يوردون الشبهة ويحلونها لكان أهون، مع أن إيراد الشُّبَه وإن حُلّت إذا لم تكن مشتهرة بين الناس ليس من المصلحة، انتبه لهذه النقطة، إيراد الشبه ولو حللتها إذا لم تكن مشتهرة بين الناس غلط، وذلك لأنك إذا فتحت الشبهة لم يكن عندك يقين أن تزيلها بما ذكرت من حلول، أحيانًا ترد الشبهة على القلب وتورَد الحلول لها لكن لا يطمئن الإنسان إلى هذه الحلول فتبقى الشبهة، ولو سلم الإنسان منها لكان خيرًا. * من فوائد الآية الكريمة: أنه ليس هناك إلا حق وباطل، حق وباطل، وإذا تأملت القرآن والسنة وجدت أن الأمر كذلك، قال الله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾ [الحج ٦٢]. وقال الله تعالى: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ ٢٤]. وقال تعالى: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾ [يونس ٣٢]، وقال تعالى: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف ٢٩]، وقال النبي ﷺ: «الْقُرْآنُ حُجَّةٌ لَكَ أَوْ عَلَيْكَ»[[أخرجه مسلم (٢٢٣/١) من حديث أبي مالك الأشعري.]]، ما في شيء لا حق ولا باطل، إما حق وإما باطل. فإن قال قائل: أليس هناك مرتبة بين الواجب والمحرّم وبين المكروه والمندوب وهو المباح؟ قلنا: بلى، لا شك في هذا، لكن المباح نفسه لا بد أن يكون وسيلة إلى شيء، فإن لم يكن وسيلة إلى شيء صار من قسم الباطل، كما جاء في الحديث: «كُلُّ لَهْوٍ يَلْهُو بِهِ ابْنُ آدَمَ فَهُوَ بَاطِلٌ إِلَّا لَعِبُهُ فِي رُمْحِهِ، وَمَعَ أَهْلِهِ، وَفِي فَرَسِهِ»[[أخرجه الترمذي (١٦٣٧)، وابن ماجه (٢٨١١) من حديث عقبة بن عامر بلفظ: «وَكُلُّ مَا يَلْهُو بِهِ الْمَرْءُ الْمُسْلِمُ بَاطِلٌ إِلَّا رَمْيَهُ بِقَوْسِهِ، وَتَأْدِيبَهُ فَرَسَهُ، وَمُلَاعَبَتَهُ امْرَأَتَهُ ...».]]. وهذه الأشياء الثلاثة إنما استُثنيت لأنها مصلحة، كلها تعود إلى مصلحة. * ومن فوائد الآية الكريمة: تحريم كتمان الحق؛ لقوله: ﴿وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ﴾، ولكن هل يقال: إن الكتمان لا يكون إلا بعد طلب؟ الجواب: نعم، الكتمان لا يكون إلا بعد طلب، لكن الطلب نوعان: طلب بلسان المقال، وطلب بلسان الحال، فإذا جاءك شخص يقول: ما تقول في كذا وكذا؟ فهذا طلب أيش؟ بلسان المقال، وإذا رأيت الناس قد انغمسوا في محرّم فطلب بيانه بلسان الحال، وعلى هذا فيجب على الإنسان أن يبين المنكر ولا ينتظر حتى يُسأل، وإذا سئل وكتم لأنه لا يعلم فلا إثم عليه؛ لقوله تعالى: ﴿وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾، أما إذا كان لا يعلم وقال: والله لا أدري، فلا بأس، هذه واحدة، إذا كان لا يعلم فالواجب أن يسكت، يقول: لا أعلم. ثانيًا: إذا رأى من المصلحة أن لا يبين فلا بأس، لا بأس أن يكتم، مثل كما جاء في حديث علي بن أبي طالب: «حَدِّثُوا النَّاسَ بِمَا يَعْرِفُونَ، أَتُرِيدُونَ أَنْ يُكَذَّبَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ»[[أخرج البخاري (١٢٧) بلفظ: أتحبون أن يكذب الله ورسوله.]]، وقال ابن مسعود رضي الله عنه: «إِنَّكَ لَنْ تُحَدِّثَ قَوْمًا حَدِيثًا لَا تَبْلُغُهُ عُقُولُهُمْ إِلَّا كَانَ لِبَعْضِهِمْ فِتْنَةً»[[أخرجه مسلم في المقدمة (٥) بمعناه.]]، فإذا رأيت من المصلحة أن لا تبين فلا تبين، ولا لوم عليك. ثالثًا: إذا كان قصد السائل الامتحان، أو قصده تتبع الرخص وأنت تعلم هذا، فلك أن تمتنع، وأن تقول: لا أخبرك، الامتحان أن يأتي إليك وتعرف أن الرجل يعرف المسألة، لكن سألك لأجل أن يمتحنك: هل أنت تعرفها أو لا؟ أو يريد أن يأخذ منك كلامًا ليَشِي به إلى أحد وينقله إلى أحد، فلك أن تمتنع، كذلك إذا علمت أن الرجل يتتبع الرخص، فيجي يسألك يقول: سألت فلان وقال: هذا حرام، وأنت تعرف أن المسؤول رجل عالم ليس جاهل، فحينئذ لك أن تمتنع وتقول: لا أجيبك، أما إذا كان المسؤول رجلًا تعرف أنه ليس عنده علم، إما من عامة الناس أو من طلبة العلم الذين لم ينضجوا، فحينئذ لو قال: إني مستفتٍ فلانًا، أفته؛ لأنه لا حرمة لفتواه، لكن إذا أفتاه رجل عالم تعرف أنه مثلك في العلم أو أكبر منك، فلك أن تقول: لا أفتيك؛ لأن هذا السائل يتتبع الرخص في الغالب، أما لو قال لك: والله أنا سألت فلانًا، لكني كنت أطلبك ولم أجدك، وللضرورة سألت فلانًا، لكن لما جاء الله بك الآن أفتني، فحينئذ تفتيه أو لا؟ أفتيه؛ لأن حال هذا الرجل كأنه يقول: أنا لا أطمئن إلا لفتواك، وحينئذ يلزمك أن تفتيه حتى لو استفتى إنسانًا أعلم منك وأنت تعرف أن الرجل لا يثق إلا بكلامك لا بد أن تفتيه، إذن كتمان الحق متى يتحقق؟ * الطلبة: بعد الطلب. * الشيخ: بعد الطلب، بلسان الحال أو بلسان المقال، وذكرنا صورًا يجوز فيها عدم البيان، لكن إما لمصلحة أو دفع مضرة. * طالب: شيخ، بارك الله فيكم، بعض الناس يسأل وليس قصده العلم ولا شيء من هذا الذي ذكرنا في الدرس، لكن يا شيخ قصده تحاج ويّا بعض أصحابه، حتى ليس من باب حصول الحق إنما من باب المجادلة، وهذا يدخل في مجالس الناس اليوم، يقول: والله اتحجينا أنا وفلان اليوم ويش رأيك؟ * الشيخ: هذا أيضًا يقول أحيانًا يكون جدال بين الناس، ويجي إنسان يستفتيك ليس قصده أن يصل إلى العلم الشرعي حتى يعمل به أو لا، لكن قصده المغالبة، أن يغلب صاحبه، فالظاهر لي أن هذا للوجوب أقرب، أن هذا للوجوب أقرب؛ لأجل أن ينتشر الحق؛ لأنه إذا بقي في معترك بين الناس ما تبين الحق. * طالب: شيخ أحسن الله إليكم، أحيانًا الإنسان يُسأل وهو في منطقة ليست فيها علماء، وإذا أراد العامة أن يسألوا عن كل سؤال يطرأ عليهم العلماء يعسر عليهم اتصالهم، فهل لهؤلاء الطلبة الذين ما بلغوا في العلم يعني المبلغ المطلوب أن يفتوهم بما يعرفونه؟ * الشيخ: نعم، لهم أن يفتوهم بما يعرفونه، يجب عليه، «بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً»[[أخرجه البخاري (٣٤٦١) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص.]]، فمثلًا هذا الطالب الذي لم يصل إلى حد ما في العلم يعرف مثلًا من كلام العالم الفلاني الذي هو عالم فيفتي به. * الطالب: أن يقيس أو أن يعني يجتهد بعض الاجتهاد، فهذا (...) جدًّا لأن المسائل تتجدد. * الشيخ: على كل حال يقول: اسأل غيري، هو في عافية، ما دام ما تأكد ما يجب عليه، يجب عليه أن يفتي بما لا يعلم؟! * طالب: إذا خشي أن يكون السائل للامتحان، فهل يجيب بخلاف الحق؟ * الشيخ: بخلاف الحق؟ لا، سبحان الله! يعني يكون شيء حلال هو يقول: هذا حرام؟ * الطالب: لا، أي مسألة يعني.. * الشيخ: خلاف الحق هذا هو، الحق أن هذا حلال يقول: هذا حرام، الحق أن هذا غير واجب ويقول: هذا واجب. * * * * طالب: ﴿﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٤٤) وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ (٤٥) الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (٤٦) يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (٤٧) وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (٤٨)﴾ ﴾ [البقرة: ٤٤ - ٤٨] * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾، الخطاب هنا لبني إسرائيل من أول قوله: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾، وبنو إسرائيل هم اليهود والنصارى؛ لأن إسرائيل هو ابن إسحاق بن إبراهيم، فبنوه هم اليهود والنصارى. يقول عز وجل: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾، أقيموها أي: ائتوا بها مستقيمة، وهذا كما أمر الله به بني إسرائيل أمر الله به هذه الأمة، والصلاة هنا يشمل الفريضة والنافلة. ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ أعطوا الزكاة، وكما يعلم النحاة منكم أن (آت) تنصب مفعولين، التي بمعنى أعطي تنصب مفعولين، المفعول الأول هنا (الزكاة) والمفعول الثاني: محذوف، والتقدير: أهلها أو من يستحقها، ﴿آتُوا الزَّكَاةَ﴾، والزكاة هي التعبد، أو هي المال المدفوع امتثالًا لأمر الله إلى أهله من أموال مخصوصة معروفة وهي: الذهب، والفضة، وبهيمة الأنعام، والخارج من الأرض، عروض التجارة فيها خلاف طويل عريض بين علماء المسلمين، ولكن الصحيح أن الزكاة فيها واجبة. ﴿آتُوا الزَّكَاةَ﴾ وسُمي بذل المال زكاة؛ لأنه يزكي النفس ويطهرها، قال الله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة ١٠٣]. ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ أي: صلوا مع المصلين، وإنما قلنا ذلك؛ لأنه لا يُتعبد لله بركوع مجرد، يعني لو أن إنسان أراد أن يتعبد لله بركوع مجرد قلنا: هذا بدعة، فالمراد إذن: صلوا مع المصلين، واعلم أن التعبير عن العبادة بجزء منها يدل على أن هذا الجزء من أركانها ومن بنيتها ولا يمكن أن تصح بدونه، والتعبير بالجزء عن الكل معروف في اللغة العربية، في القرآن الكريم ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [النساء ٩٢]، والمراد عبد، المراد العبد التام، لكن كما رأيتم الرقبة لا يمكن أن يبقى البدن بدونها، فهل يصح أن نقول: تحرير أصبع؟ لا؛ لأن الأصبع قد يُفقد ويبقى البدن، هنا نقول: ﴿ارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ أي: صلوا مع المصلين، ولا يمكن أن يعبَّر بالركوع عن الصلاة إلا والركوع جزء لا يتجزأ منها ولا بد منه. * في هذه الآية الكريمة: دليل على أن الصلاة واجبة على الأمم السابقة، وأن فيها ركوعًا، كما أن في الصلاة التي في شريعتنا ركوع، وقد دل على ذلك أيضًا قول الله تعالى لمريم: ﴿يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [آل عمران ٤٣]، فعلى الأمم السابقة صلاة فيها ركوع وسجود. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الأمم السابقة أيضًا عليهم زكاة؛ لأنه لا بد من الامتحان بالزكاة، فإن من الناس من يكون بخيلًا، بذْل الدرهم عليه أشد من شيء كثير، فيُمتحن العباد بإيتاء الزكاة وبذل شيء من أموالهم حتى يُعلم بذلك حقيقة إيمانهم، ولهذا سميت الزكاة صدقة، لماذا؟ لأنها تدل على صدق إيمان صاحبها. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: وجوب صلاة الجماعة؛ لقوله: ﴿ارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾، هكذا استدل بها بعض العلماء، لكن هذا الاستدلال قد يكون فيه مناقشة، وأنه لا يلزم من المعية المصاحبة في الفعل، ولهذا قيل لمريم: ﴿اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾، والنساء ليس عليهن جماعة، وعلى هذا فنقول: الاستدلال بهذه الآية على وجوب صلاة الجماعة فيه شيء من النظر، ثم نُردف هذا القول بأنه لا ينبغي عند المناظرة أن تأتي بدليل يمكن أن يمنع الاستدلال به خصمُك؛ لأن هذا يدل على ضعفك، وربما تضعف عن دليل قوي لا يستطيع دفعه لأنك ضعفت في هذا الدليل فتنكسر قوتك، وانظر إلى محاجة إبراهيم حين قال له الرجل: ﴿أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ [البقرة ٢٥٨]، ما جادله، لم يقل: أنت تحيي وتميت لكن ما تستطيع أن تحيي الميت أو تميت الحي، إنما تفعل الأسباب، عدل عن ذلك وقال أيش؟ ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾ [البقرة ٢٥٨]. فالمهم أنا أقول لكم: في باب المناظرة لا تأتوا بدليل هَشّ فيستنصر به خصمكم، ربما تجادلون أحدًا في باب الصفات، باب صفات الله في العقيدة فتأتون بدليل هش فيستطيل به عليكم خصمكم، لا تأتوا إلا بدليل لا يمكن الخصم أن يفك عقدته، إذن لا نسلّم أن الآية هذه تدل على وجوب صلاة الجماعة لكن الحمد لله وجوب صلاة الجماعة بأدلة أخرى ظاهر.