×
البقرةالآيات ٤٠–٤١

تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين

يَـٰبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ ٱذْكُرُوا۟ نِعْمَتِىَ ٱلَّتِىٓ أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا۟ بِعَهْدِىٓ أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّـٰىَ فَٱرْهَبُونِ ﴿٤٠﴾

وَءَامِنُوا۟ بِمَآ أَنزَلْتُ مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوٓا۟ أَوَّلَ كَافِرٍۭ بِهِۦ ۖ وَلَا تَشْتَرُوا۟ بِـَٔايَـٰتِى ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّـٰىَ فَٱتَّقُونِ ﴿٤١﴾

ثم قال: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [البقرة ٤٠]، إسرائيل هو من؟ * الطلبة: يعقوب. * الشيخ: يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، فجده إبراهيم، وإسماعيل أبوه إبراهيم، وأولاده أولاد عم لبني إسرائيل، ولهذا كان العرب وبنو إسرائيل كانوا بني عم يحصل بينهم الفتن والعداوة والبغضاء، ومن ثم حسدوا -أعني بني إسرائيل- العرب لما كان محمدًا ﷺ منهم. ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة ٤٠]، اذكروها بقلوبكم، واذكروها بألسنتكم، واذكروها بأعمالكم، وذلك لأن الشكر يكون بالأمور الثلاثة: بالقلب واللسان والجوارح. وقوله: ﴿نِعْمَتِيَ﴾ مفرد مضاف فيعم جميع النعم، وقد أنعم الله تعالى على بني إسرائيل بنعم كثيرة، فضّلهم على العالمين، قال لهم موسى عليه الصلاة والسلام: ﴿يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [المائدة ٢٠]. وقوله: ﴿الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾، قد يقول قائل: يُغني عنها قوله: ﴿نِعْمَتِيَ﴾، فنقول: نعم، هو من حيث الإغناء يغني، لكن ذِكرها فيه بيان كمال امتنان الله عز وجل، حيث قال: ﴿أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ وبلفظ الفعل الدال على إحداث هذه النعم، وأنه لولا أن الله عز وجل هو الذي منّ بها ما حصلت لهم. ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ [البقرة ٤٠]، ﴿أَوْفُوا﴾ أي: ائتوا به وافيًا، وعهده سبحانه وتعالى أنه عهد إليهم أن يقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة ويؤمنوا برسله، كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [المائدة ١٢] هذا عهد الله ﴿لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾. ﴿أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾، ما هو عهد الله لهم؟ الذي عاهدهم إذا وفوا بعهده أن يوفي به، ﴿لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [المائدة ١٢]، فلو وفوا بعهد الله لوفى الله لهم بعهده. ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ فيها إشكال من حيث الإعراب، أولًا (ارهبون) أصلها (ارهبوني) بالياء، وهي محذوفة من أجل مراعاة الفواصل، فإذا كانت (ارهبون) قد أخذت معمولها فأين العامل في ﴿إِيَّايَ﴾؟ من أجاز أن يتسلط العامل على معمولين فلا إشكال عنده، لكن من لم يُجز فهذا إشكال، يقال: إنه يقدَّر العامل في ﴿إِيَّايَ﴾ بحسب السياق، ويمكن أن نقول: خافوا إياي، ارهبوا إياي، ﴿فَارْهَبُونِ﴾، وأما الفاء في قوله: ﴿فَارْهَبُونِ﴾ فقيل: إنها لتحسين اللفظ، والرهبة هي الخوف المشعِر بازدياد التأثر مما خافه؛ لأنك تشعر بأنها تدل على رقة، وعلى أن هذا الخوف خوف مؤثر. ﴿وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ﴾ [البقرة ٤١]، قوله: ﴿وَآمِنُوا﴾ معطوف على قوله: ﴿اذْكُرُوا﴾. ﴿بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ﴾، وهو القرآن، أنزله الله على محمد ﷺ، وقوله: ﴿مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ﴾، ما الذي معهم؟ التوراة بالنسبة لليهود، والإنجيل بالنسبة للنصارى، فإن الله تعالى قد بيّن في التوراة والإنجيل وصف محمد ﷺ بيانًا كاملًا حتى صاروا يعرفونه كما يعرفون أبناءهم. وقوله: ﴿مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ﴾، أي: لما ذُكر من أوصافه ﷺ وأوصاف القرآن الذي يأتي به، وكذلك أيضًا و﴿مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ﴾ [البقرة ٩١] شاهد لها بالصدق، فصار تصديق القرآن لها من وجهين: الوجه الأول أنه وقع مطابقًا لما أخبرت به، والوجه الثاني أنه قد شهد لها بالصدق، فالقرآن يدل دلالة واضحة على أن الله أنزل التوراة وأنزل الإنجيل، وهذا شهادة لها بأنها صدق، وكذلك التوراة والإنجيل قد ذكرت القرآن، وذكرت محمدًا ﷺ، فإذا وقع الأمر كما أخبرت صار ذلك تصديقًا لها، طيب، ولهذا لو حدّثتك بحديث فقلت أنت: صدقت، ثم وقع ما حدثتك به مشهودًا تشاهده بعينك، صار الوقوع هذا تصديقًا أيضًا. ﴿وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ﴾ [البقرة ٤١]، يعني: لا يليق بكم وأنتم تعلمون أنه حق أن تكونوا أول كافر به، ولا يعني ذلك كونوا ثاني كافر، لا، المعنى أنه لا يليق بكم أن تكونوا أول كافر وأنتم تعلمون أنه حق. وفي قوله: ﴿تَكُونُوا﴾ الضمير ضمير جمع، و﴿أَوَّلَ كَافِرٍ﴾ (كافر) مفرد، فكيف يصح أن نخبر بالمفرد عن الجماعة؟ قال المفسرون: إن تقدير الكلام: أول فريق كافر به؛ لأن الخطاب لبني إسرائيل عمومًا وهم جماعة، يعني لا تكونوا أول فريق كافر به؛ لأنه لا يليق بكم وأنتم تعلمون أنه حق أن تكونوا أول المكذِّبين، فكان عليكم أن تكونوا أول مؤمن به. ﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [البقرة ٤١]، ﴿تَشْتَرُوا﴾ غير (تشروا)؛ لأن (تشروا) بمعنى تبيعوا، (تشتروا) بمعنى تأخذوا بالشراء. وقوله: ﴿بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ يعني: بذلك الجاه والرئاسة، وما أشبه ذلك؛ لأن بني إسرائيل إنما كفروا يريدون الدنيا، ولو أنهم اتبعوا محمدًا ﷺ لكانوا في القمة ولأوتوا أجرهم مرتين، لكن حسدًا وابتغاء لبقاء الجاه والشرف وأنهم هم أهل الكتاب حسدوا النبي ﷺ فلم يؤمنوا به. وقوله: ﴿ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ يدل على أن ما كان من أمر الدنيا فهو قليل، مهما تعاظمه الإنسان فإنه ليس بشيء بالنسبة للآخرة. ﴿وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ﴾ [البقرة ٤١] نقول في إعراب (فاتقون) كما قلنا في: ﴿إِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾، أما التقوى فهي اتخاذ وقاية من عذاب الله عز وجل بفعل أوامره واجتناب نواهيه، ففي الآية الأولى ﴿إِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ أمر بالتزام الشريعة وأن لا يخالفوها عصيانًا، وفي قوله: ﴿اتَّقُونِ﴾ أمر بالتزام الشريعة وأن لا يخالفوها لا في الأمر ولا في النهي. قال: ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة ٤٢]، ﴿تَلْبِسُوا﴾ أي: تخلطوا، فهم كانوا يأتون بشبهات تشبه على الناس، فيقولون مثلًا: محمد حق لكنه يُبعث في الأميين لا لجميع الناس، فيلبسون الحق بالباطل؛ لأن الذي يسمع مثل هذا الكلام لا يقول: إن بني إسرائيل كفروا بمحمد، بل آمنوا به، وكفروا، لكن إذا لبّسوا على الناس وقالوا: إن محمدًا عربي مرسل إلى العرب وأتوا بمثل قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا﴾ [الجمعة ٢] شبّهوا ولبّسوا على الناس. قال: ﴿وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة ٤٢] هنا الواو هل هي عاطفة أو واو المعية؟ تحتمل معنيين، يعني يحتمل المعنى: لا تلبسوا الحق بالباطل ولا تكتموا الحق وأنتم تعلمون، ويحتمل لا تلبسوا الحق بالباطل مع كتمان الحق، لكن على هذا التقدير يبقى إشكال، وهو أن قوله: ﴿لَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾ يقتضي أنهم يذكرون الحق والباطل، فيقال: نعم، هم وإن ذكروا الحق والباطل فقد كتموا الحق في الحقيقة؛ لأنهم لبّسوه بالباطل فبقي خفيًّا، فيبقى الآن يبقى جواز أن تكون الواو عاطفة وأن تكون واو المعية. ﴿وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي: تعلمون أن الحق فيما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام، وأنكم مبطلون في كتمانكم إياه. ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة ٤٣]. ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ هذا عام لكل الصلوات؛ الفريضة والنافلة، وإيتاء الزكاة يعني إعطاءها مستحقها، وهي المال الذي أوجبه الله تعالى، بل الجزء أو القسط الذي أوجبه الله تعالى في الأموال الزكوية. ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ مَن الراكعون؟ الراكعون هم هذه الأمة، يعني صلوا معهم مع صلاتهم والتزموا بأحكامهم وشرائعهم. * ففي هذه الآيات فوائد، منها: أن الله تعالى يوجه الخطاب للمخاطب، إما لكونه أوعى من غيره، وإما لكونه أولى أن يمتثل، وهنا وجّهه لهم؛ لأنهم أولى أن يمتثلوا؛ لأن عندهم من العلم برسالة النبي ﷺ وأنها حق ما ليس عند العرب، العرب جهّال ليس عندهم علم. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن التذكير أو تذكير العبد بنعم الله عليه؛ لقوله: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾. فهل هذا من وسائل الدعوة إلى الله؛ بمعنى أننا إذا أردنا أن ندعو شخصًا نذكّره بالنعم؟ الجواب: نعم، نذكره بالنعم؛ لأن هذا أدعى لقبول الحق، وأدعى لكونه يحب الله عز وجل، ومحبة الله تحمل العبد على أن يقوم بطاعته. * من فوائد الآية الكريمة: أن لله المنة في إنعامه على هؤلاء؛ لقوله: ﴿الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾، وقد ذكرت لكم قبل قليل أنه ذكرها بالفعل؛ لأنها متجددة حادثة ليست من كسب هؤلاء. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن من وفى لله بعهده وفى الله له؛ لقوله: ﴿أَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾، و﴿أُوفِ﴾ كما تعلمون جواب الطلب في قوله: ﴿أَوْفُوا بِعَهْدِي﴾، ولهذا جاءت مجزومة بحذف حرف العلة. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن من نكث بعهد الله فإنه يعاقَب بحرمانه ما رتّب الله تعالى على الوفاء بالعهد، وذلك لأن المنطوق في الآية: أن من وفى لله وفى الله له، فيكون مفهوم: من لم يَفِ فإنه يعاقب ولا يعطى ما وُعد به. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: وجوب الوفاء بالنذر؛ لأن الناذر معاهد لله، كما قال الله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [التوبة ٧٥]، فالناذر معاهد لله تعالى. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: وجوب إخلاص الرهبة لله؛ لقوله: ﴿إِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾. * ومن فوائدها أن الرهبة عبادة؛ لأن الله تعالى أمر بها وأمر بإخلاصها. فإن قال قائل: هل يجوز أو هل ينافي التوحيد أن يخاف الإنسان من سبُع أو من عدو؟ لا، هذا لا ينافي التوحيد، ولهذا وقع من الرسل؛ إبراهيم لما جاءه الضيوف ولم يأكلوا، أيش؟ أوجس منهم خيفة، وموسى عليه الصلاة والسلام لما ألقى السحرة حبالهم وعصيهم، أيش؟ أوجس منهم خيفة، وكذلك أيضًا الخوف الطبيعي مما تقتضيه الطبيعة، ولو قلنا للإنسان: إنك إذا خفت من أحد سوى الله خوفًا طبيعيًّا لكنت مشركًا، لو قلنا بذلك لكان هذا من تكليف ما لا يطاق؛ لأن خوف الإنسان خوف طبيعي غريزي، كل إنسان يخاف مما يخشى منه الضرر. فإن قال قائل: لو منعه هذا الخوف من واجب عليه، هل يُنهى عنه أو لا؟ قلنا: نعم يُنهى عنه؛ لأن الواجب عليه يستطيع أن يقوم به، إلا إذا جاء الشرع بالعفو عنه في هذه الحال، فإذا جاء الشرع بالعفو عنه في هذه الحال فلا حرج عليه في هذا الخوف، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران ١٧٥]. ولكن إذا كان في الشرع رخصة لك أن تخالف ما أمر الله به في هذه الحال فلا بأس، ولهذا لو كان الإنسان يريد أن يصلي صلاة الفريضة وحوله جدار قصير، ويخشى إن قام أن يتبين للعدو، فهل يصلي قاعدًا؟ نعم يصلي قاعدًا، وهذا لأن الله تعالى عفا عنه، قال الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن ١٦]، ولو كان العدو أكثر من مثلَي المسلمين هل يلزمهم أن يصابروهم، أو يجوز أن يفروا؟ يجوز أن يفروا، فالمهم أن الخوف الطبيعي لا يلام الإنسان عليه إلا إذا تضمن ترك ما أوجب الله، فإذا لم يتضمن ذلك فهو لا يُلام عليه. * ومن فوائد الآية التي بعدها: أنه يجب على بني إسرائيل أن يؤمنوا بالقرآن الذي جاء به محمد عليه الصلاة والسلام؛ لقوله: ﴿وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ﴾. * ومن فوائدها: أن الكافر مخاطَب بالإسلام، وهذا مجمَع عليه، لكن هل يخاطب بفروع الإسلام؟ فيه تفصيل: إن أردت بالمخاطبة أنه مأمور أن يفعلها فلا؛ لأنه لا بد أن يُسلم أولًا ثم يفعلها ثانيًا، ولهذا قال النبي ﷺ لمعاذ بن جبل: «فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ محمدًا رَسُولُ اللَّهِ، فَإِنْ أَجَابُوا لِذَلِكَ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٣٩٥)، ومسلم (١٩/٣١) من حديث ابن عباس.]]. طيب، إذن هم لا يخاطَبون بالفعل، يعني لا يقال: افعلوا، فلا نقول لكافر: تعال صلّ، بل نأمره أولًا بأيش؟ بالإسلام. وإن أردت بالمخاطبة أنهم مخاطبون بالفروع أنهم يعاقَبون عليها إذا ماتوا على الكفر، فهذا صحيح، ولهذا يقال للمجرمين: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (٤٥) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (٤٦) حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ﴾ [المدثر ٤٢ - ٤٧]. يعني هذا دأبهم حتى ماتوا، ووجه الدلالة من الآية أنه لولا أنهم كانوا مخاطبين بالفروع لكان قولهم ﴿لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ﴾ عبثًا لا فائدة منه. * طالب: شيخ بارك الله فيكم، ما مدى صحة قول بعض أهل العلم أن موسى عليه السلام في الآية التي ذكرت خوفه خاف أن يفتتن الناس ولم يخف هو لأنه على الحق؟ * الشيخ: لا، غلط. * الطالب: باطل أو لا؟ * الشيخ: باطل، هذا القول باطل، والآية تبطله، ﴿قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى﴾ [طه ٦٨]، وهذا يدل على أنه خاف منه. * طالب: شيخ ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ إذا قدرنا محذوفًا صار في الآية إشكال. * الشيخ: وهو؟ * الطالب: التقدير: وخافوا إياي. * الشيخ: وإياي خافوا. * الطالب: إياي خافوا فارهبون. * الشيخ: فارهبون. * الطالب: الفاء هنا موقعها؟ * الشيخ: الفاء قالوا: إنها لتحسين اللفظ. * الطالب: و﴿ارْهَبُونِ﴾ تكون معطوفة على خافوا؟ * الشيخ: إذا قدرنا (خافوا) فهنا قد نقول: إنها لا يصح أن تكون لتحسين اللفظ. * الطالب: تكون عاطفة؟ * الشيخ: تكون عاطفة، لكن إذا قلنا: إنه يجوز أن يتوجه العامل على معمولين صارت لتحسين اللفظ. * الطالب: حتى وإن قلنا أنها عاطفة. * الشيخ: نعم. * الطالب: إياي خافوا فارهبوا. * الشيخ: نعم. * الطالب: فتكون الفاء هنا.. * الشيخ: عاطفة، يعني فإذا خفتم مني فارهبون، نعم. * طالب: إذا دخل الكافر المسجد.. * الشيخ: أيش؟ المسجد، نعم. * الطالب: (...) الصلاة؟ * الشيخ: إي نعم، نقول: صل، لكن لا نقول: صل، على أنا نلزمه، فإذا قلنا: صل، وقال: إنه غير مسلم، نتركه، لكننا نقول: لا تبق عند المسجد؛ لأن في هذا إحراج للمسلمين وتحديًا لهم، أما أن نلزمه نقول: ادخل صلّ، وهو يقول: أنا كافر، ما نلزمه. * الطالب: (...). * الشيخ: نعم، أيش؟ * الطالب: (...). * الشيخ: هذا شيء يرجع للمسؤول عن هذا. * طالب: شيخ، قوله تعالى: ﴿وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾، ما يحسن أن تكون الواو حالية؟ * الشيخ: قوله: ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ حال، الواو حالية، الجملة كلها حالية. * الطالب: واو المعية؟ * الشيخ: لا، في قوله: ﴿تَكْتُمُوا﴾، واو المعية في قوله: ﴿وَتَكْتُمُوا﴾، نعم. * طالب: (...) من يخاف من العين أو الجن (...)؟ * الشيخ: من يخاف من العين أو من الجن يقال له: استعمل الأوراد النافعة مثل آية الكرسي والآيتين الأخيرتين في سورة البقرة، ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾، ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾. وأنا أقول لك: إن خفت من الجن فإنهم سوف يعتدون عليك، ولهذا أكثر ما يصاب الإنسان من الجن إذا كان يخاف منهم، فإياك إياك، لا إذا كنت في مكان مظلم تخاف أبدًا، استعن بالله ولا يهمنك. * طالب: الوضوء مشروع لمن يريد الصلاة، إذا جاء واحد مثلًا إلى المسجد لغرض آخر غير الصلاة مثل المراجعة وهكذا، هل نقول يعني بالوضوء؟ * الشيخ: أردت أن تصلي فتوضأ، أما إذا أردت أن تأتي للمراجعة فليس عليك واجب. * الطالب: كيف الجلوس في المسجد؟ * الشيخ: نعم، يجلس لأنه على غير وضوء، فقول الرسول: «إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ فَلَا يَجْلِسْ حَتَّى يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ»[[متفق عليه؛ البخاري (١١٦٣)، ومسلم (٧١٤/٦٩) من حديث أبي قتادة.]] معلوم أنه مخاطب من هو على وضوء. * * * * طالب: ﴿وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ (٤١)