تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين
وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ ۚ وَأَن تَصَدَّقُوا۟ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴿٢٨٠﴾
وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ (كان) هنا فيها إشكال، ما هو الإشكال؟
* طالب: من حيث (...)
* الشيخ: من حيث العربية؛ يعني من حيث الإعراب فيها إشكال.
* الطالب: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾ هذه كان تُسمى كان التامة لا تحتاج لاسم.
* الشيخ: إي نعم، الإشكال أننا لم نجد خبرها.
* الطالب: فتسمى التامة.
* الشيخ: فنقول هذه تامة، ما معناها إذا كانت تامة؟
* الطالب: تكتفي بالاسم.
* الشيخ: تكتفي بالفاعل.
* الطالب: أيوه بالفاعل.
* الشيخ: لكن وأيش معناها ﴿إِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾ أي إن وُجد ذو عسرة طيب. أين جواب الشرط في ﴿إِنْ كَانَ﴾؟
* الطالب: جواب الشرط ﴿فَنَظِرَةٌ﴾
* الشيخ: جملة ولّا مفرد؟
* الطالب: لا، جملة.
* الشيخ: جملة، لماذا ارتبطت بالفاء؟
* الطالب: لأنها (...).
* الشيخ: لا.
* طالب: جملة اسمية.
* الشيخ: لأنها جملة اسمية. طيب ما هي الجمل التي يجب أن تقترن بالفاء إذا وقعت جوابًا للشرط؟
* الطالب: وَبِجَامِدِ وبقد وبالتنفيس
* الشيخ: أعد البيت
* الطالب:
اسْمِيَّــــــــــــــــةٌ طَلَبِيَّــــــــــــةٌوَبِجَامِــــــــــــــــــــــدٍ ∗∗∗ وَبِمَــــــــا وَقَـــــــدْ وَبِلَــــــنْوَبِالتَّنْفِيــــــــــسِ
* الشيخ: سبع هي سبع
اسْمِيَّــــــــــــــــةٌ طَلَبِيَّــــــــــــةٌوَبِجَامِــــــــــــــــــــــدٍ ∗∗∗ وَبِمَــــــــا وَقَـــــــدْ وَبِلَــــــنْوَبِالتَّنْفِيــــــــــسِ
كذا؟ قوله: ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ هذه أيش نوعها مفرد ولّا جملة ولّا؟ هل هي جملة ولّا مفرد هذا السؤال ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾؟
* الطالب: جملة.
* الشيخ: جملة، مُكونة من؟
* الطالب: فعل وفاعل.
* الشيخ: لا. جملة اسمية مكونة من؟
* الطالب: حرف وفعل.
* الشيخ: حرف وفعل؟
* طالب: من مبتدأ وخبر.
* الشيخ: من مبتدأ وخبر، أين المبتدأ؟
* الطالب: المصدر.
* الشيخ: المصدر المنسبك من أن والفعل، والتقدير؟
* الطالب: تصدقكم خير لكم.
* الشيخ: وأيش التقدير؟
* الطالب: تصدقكم خير لكم.
* الشيخ: تصدقكم خير لكم تمام. ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ هذه جملة شرطية وين جوابها؟
* الطالب: (...)
* الشيخ: وأيش التقدير؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: لا، بجواب شرط ذلك مفعول به.
* طالب: (...).
* الشيخ: إن كنتم تعلمون ذلك فافعلوا أو فتصدقوا، كذا؟
ومن فوائد الآية الكريمة: أن التائب من أخذ أموال الناس لا تصح توبته إلا بردها إليهم؛ لقوله: ﴿فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾ ولكن إذا كان لا يعرف صاحبها، أحيانًا يسرق الإنسان من أحد ولا يعرفه بعد ذلك، فماذا يصنع؟ نقول: يتصدق بها تخلصا منها لا تقربها بها، فينويها لمن؟ لصاحبها والله سبحانه وتعالى يعلم بذلك، ثم إن جاء صاحبها مرة من المرات فيخيره، يقول: لك مالك أو أجرك، إن قال: أريد مالي، فالأجر للمتصدق، إن قال: أريد أجره، فأجره له قد نوي له.
ثم قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾.
* طالب: (...) اختلاط المالين (...) رأس المال الحلال (...)؟
* الشيخ: لا، اختلاط المالين المحرم والحلال إن كان على وجه يمكن التمييز بينهما فنعم، يعني: يمكن التمييز بحيث يكون هذا مثلا بر وهذا رز، أو يمكن التمييز بالأجزاء مثل اختلاط دهن بدهن، فهذا يمكن يميز بعضه على بعض، أما إذا ما يمكن فلا طريق إلى اجتناب الحرام إلا باجتناب الكل.
قال: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة ٢٨٠]
قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾ كان المعروف أنها من الأفعال الناقصة التي ترفع الاسم وتنصب الخبر، وهنا نلتمس الخبر لا نجد خبرا ﴿إِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾ فكيف نعربها؟ نقول: كان هذه تامة، وإذا كانت تامة، فإنها تكتفي بمرفوعها، قال ابن مالك في الألفية:
....................... ∗∗∗ وَذُو تَمَامٍ مَا بِرَفْعٍ يَكْتَفِي ؎وَمَا سِوَاهُ نَاقِصٌ........ ∗∗∗ ..................... وذو تمام ما برفع يكتفي هذه تامة، وعلى هذا نقول: كان فعل ماض وذو فاعل، رفعت بالواو لأنه من الأسماء الستة أو الخمسة، والجملة هنا شرطية، والجواب قوله: ﴿فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ ﴿نَظِرَةٌ﴾ مبتدأ خبره محذوف، فكيف نقدر هذا الخبر؟ نقدر فعليكم ولَّا فله؟ أو فالواجب؟ نعم، فالواجب عليكم نظرة، أو فعليكم نظرة، أو فله نظرة، يصلح؛ لأنه إذا كان الحق له وجب علي أن أوفية حقه.
وقوله: ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا﴾ أنا أحب لو نبتديء بالإعراب قبل الشرح، طيب ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ ﴿تَصَدَّقُوا﴾ هذه فعل مضارع دخل عليه أن المصدرية فيحول إلى مصدر، ويكون التقدير: تصدقكم، فيكون مبتدأ خبره ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾، وقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ جملة شرطية، نقول في إعرابها كما سبق في قوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة ٢٧٨]
أما القراءات في هذه الآية ففيها قراءات: في ﴿مَيْسَرَةٍ﴾ فيها قراءة: ﴿مَيْسُرَةٍ﴾ بضم السين ﴿فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسُرَةٍ﴾ ، وقوله: ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا﴾ فيها قراءة: ﴿وَأَنْ تَصَّدَّقُوا﴾ أي: تتصدقوا، لكن أدغمت التاء في الصاد.
يقول الله عز وجل: ﴿إِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾ يعني: إن وجد ذو عسرة، أي صاحب عسرة لا يستطيع الوفاء، فهناك ثلاثة طرق: إما التجاوز عنه، وإما الإنظار إلى ميسرة، وإما الربا، الربا محرم، فما الذي بقي؟ الإنظار، والإبراء يعني الإعفاء، وكلاهما ذكره الله فقال: ﴿فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ فأوجب الله الإنظار، وندب إلى الإعفاء، أوجب الإنظار في قوله: ﴿فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ نظرة في معنى إنظار، يعني: عليكم أن تنظروه، إلى متى؟ إلى ميسرة، الميسرة ليست معلومة، ليست معلومة قد يوسر بسنة، قد يوسر بسنتين بثلاث، قد لا يوسر أبدًا، فيقال: يفرق بين الابتداء والاستدامة، فلو بعت شيئا على شخص فقير، وقلت: إلى ميسرة، فالمعروف عند أهل أكثر العلم (...) فالواجب أيش؟ إنظاره إلى ميسرة، إن لم تختر الفسخ إن اخترت الفسخ فلا بأس، لكن إذا لم تختر الفسخ فالواجب الإنظار، على أن القول الراجح أنك إذا بعته إلى ميسرة، فإن البيع صحيح والتأجيل صحيح؛ لأن هذا مقتضى العقد، فإن من باع على شخص يعلم أنه معسر فمقتضى العقد أيش؟ أن ينظره؛ لأنه عارف أنه ما يمكن يطالبه الآن، فلو قال: أنا أشتريه منك، والله ما عندي شيء، لكن أشتريه منك حتى يغنيني الله، فالصواب في هذا الصحة، وقد ورد في هذا حديث عن عائشة رضي الله عنها:« أن رجلا قدم له بَزٌّ من الشام، فقالت له عائشة رضي الله عنها للنبي عليه الصلاة والسلام: إنّ فلانًا قَدِمَ له بزٌّ منَ الشّامِ فلو أرسلْتَ إليه لتشتريَ ثوبيْنِ إلى مَيْسَرة »[[أخرجه الترمذي (١٢١٣) من حديث عائشة.]]، فهذا يدل على أن مثل هذا جائز، على كل حال هذا إن شاء الله يأتي في الفوائد.
﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾، وفي قراءة: ﴿مَيْسُرَةٍ﴾ بالضم، ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا﴾ وفي قراءة: ﴿وَأَنْ تَصَّدَّقُوا﴾ أوجب الله عز وجل الإنظار، إنظار من كان معسرًا، عكس ما كانوا يفعلون في الجاهلية أن المعسر يزاد عليه في الدين، أو يلزم بالتسديد، فقال: ﴿فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ وقوله: ﴿إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ وإن كانت مجهولة، لكن هذا هو الواقع؛ لأنه مادام معسرا فسبب الإنظار موجود أو فسبب وجوب الإنظار موجود، فلا يجوز مطالبته ولا طلب الدين منه.
ثم قال الله تعالى: ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ ﴿تَصَدَّقُوا﴾ بماذا؟ قيل: بالإنظار، ولكن فيه نظر، وقيل: بالإبراء، يعني: أن تعفوا عن الدين خير لكم، وهذا هو الصحيح، يكون معنى ﴿أَنْ تَصَدَّقُوا﴾ بماذا؟ بإبراء المدين من دينه خير لكم من إنظاره؛ لأنكم إذا أبرأتموه برئت ذمته، وإذا أنظرتموه فذمته مشغولة، لكنه أمهل حتى يوسر، ومعلوم أن الأول أولى وأرفق بالمدين وهو الإبراء، وإنما كان خيرا للسبب الذي ذكرناه وهو إبراء ذمة المدين، فإبراء ذمته حتى يبقى سليما من الدين خير من إنظاره مع بقاء الدين.
ثم قال: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ هذه الجملة الشرطية مستقلة يراد بها الحث، وقلت: مستقلة يعني أنها لا توصل بما قبلها؛ لأنها لو وصلت بما قبلها لأوهم معنى فاسدا، أوهم أن التصدق خير لنا إن كنا نعلم، فإن لم نكن نعلم فليس خيرا لنا، ولاشك أن هذا معنى فاسد لا يراد بالآية، لكن المعنى ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ يعني إن كنتم من ذوي العلم فافعلوا أي: تصدقوا، والمراد بالجملة هنا أيش؟ الحث والإغراء؛ لأن كل ذي علم عاقل فلابد أن يختار ما هو خير، فلابد أن يكون يختار ما هو خير.
في هذه الآية فوائد منها: ثبوت رحمة الله عز وجل، وجه ذلك: أنه أوجب على عباده إنظار المعسر، وهذا رحمة بمن؟ بالمعسر، ففيه إثبات رحمة الله عز وجل التي منها أنه ألزم من له الدين أن ينظر المعسر.
ومنها: حكمة الله عز وجل في انقسام الناس إلى موسر ومعسر، من الموسر في هذه الآية؟ الدائن، والمعسر المدين، وحكمة الله عز وجل هذه لا يمكن أن تستقيم أمور العباد إلا بها أبدا؛ ولذلك بدأ الشيوعيون الذي يريدون أن يساووا الناس بدؤوا يتراجعون الآن، بدؤوا يتراجعون؛ لأنهم عرفوا أنه لا يمكن أن يصلح العباد إلا هذا الاختلاف، قال الله عز وجل: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾ [الزخرف ٣٢] لولا هذا الرفع، هل يمكن أن يسخر لنا أحد يعمل لنا ما نريد؟ أبدا، تجيء للعامل تقول: تعال اعمل عندي، وبأعطيك فلوس، وأيش يقول؟ يقول (...) ما أنا بعامل، أنت تعمل عندي. تجد التاجر تقول له مثلا: أورد لي التجارة وأعطيك كذا وكذا، وأيش يقول؟ يقول اللي عندك عندي.. (...) وأنت ورد لي. وهكذا، فلا يمكن إصلاح الخلق إلا بما تقتضيه حكمة الله عز وجل وشرعه من التفاوت بينهم، هذا معسر وهذا موسر حتى يتبين بذلك حكمة الله عز وجل وتقوم أحوال العباد.
* ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب إنظار المعسر يعني إمهاله، وجوب إنظار المعسر؛ لقوله: ﴿فَنَظِرَةٌ﴾.
ومنها أي من فوائد الآية: وجوب إمتداد إنظاره إلى الميسرة، لا إلى شهر ولا إلى سنة، وإلا إلى أسبوع إلى الميسرة، طيب وإن طالت مدة الميسرة؟ وإن طالت نعم.
* ومن فوائد الآية: أن الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا، كيف ذلك؟ لأنه لما كان وجوب الإنظار معللًا بالإعسار صار مستمرًا إلى أن تزول العلة وهي العسرة حتى يجوز مطالبته، وفي عكس ذلك ما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٢٨٧) ومسلم (١٥٦٤ / ٣٣) من حديث أبي هريرة.]] الغني يحرم عليه المماطلة، والدائن تحرم عليه المطالبة إذا كان المدين معسرا، لو أن الناس مشوا على تقوى الله عز وجل في هذا الباب لسلمت أحوال الناس من المشاكل، لكن نجد الغني يماطل، الدراهم عنده في الدرج أو في الصندوق، يأتيه صاحب الحق يقول: اقضني حقي. يقول: بكرة. يجيئهم بكرة، يقول: بعد بكرة، وهكذا، مع أن الرسول عليه الصلاة والسلام يقول: «مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ»[[سبق تخريجه.]]، ونجد أولئك القوم الأشحاء ذوي الطمع لا ينظرون المعسر ولا يرحمونه، يقول: أعطني وإلا فالحبس، ويحبس فعلا، وإن كان لا يجوز حبسه إذا تيقنا أنه معسر، لا يجوز أن يحبس، بل يعزر الدائن إذا ألح عليه في الطلب وهو معسر، يعزر الدائن، لماذا؟ لأن طلبه مع الإعسار معصية، والتعزير عند أهل العلم واجب في كل معصية لا حد فيها ولا كفارة.
* ومن فوائد الآية الكريمة: فضيلة الإبراء، فضيلة الإبراء من الدين؛ لقوله: ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ الإبراء سنة و الإنظار واجب، وهنا السنة أفضل من الواجب بنص القرآن ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ أليس كذلك؟ السنة الآن أفضل من الواجب بنص القرآن، وحينئذ يرد علينا إشكال وهو كيف نجمع بين مدلول القرآن الكريم هنا وبين قوله الله سبحانه وتعالى في الحديث القدسي: «مَا تَقَرَّبَ إِلَىَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُهُ عَلَيْهِ»[[أخرجه البخاري (٦٥٠٢) من حديث أبي هريرة.]] فإن هذا يقتضي أن الفرائض أفضل من النوافل، أليس كذلك؟ وهذا لاشك فيه أن الفرائض أفضل من النوافل، وإن كان الجهلة منا والسفهاء يعتنون بالنوافل أكثر مما يعتنون بالفرائض، تجده في صلاة نافلة خاشعا يتدبر ما يقول وما يفعل، وفي صلاة الفريضة على العكس ينظر إلى الساعة تارة، وإلى القلم تارة، ويذكر شيئا نسيه فيخرج القلم يكتب براحته حتى لا ينسى، وفي النفل تجده خاشعا متدبرا ما يقوله ويفعل، وهذا لاشك أنه من جهلنا، وإلا فالعناية بالفرائض أولى من العناية بالنوافل، المهم كيف نجمع بين مدلول هذه الآية الكريمة وبين ما دل عليه الحديث القدسي؟ الجواب أن الجمع بينهما هو أنه إذا كان النفل شاملًا للواجب، شاملًا للواجب يعني يتضمن الواجب فهو أفضل؛ لأنه صار واجبا وزيادة، صار واجبا وزيادة عرفتم؟ طيب، الإبراء يتضمن الإنظار ولَّا لا؟ إي نعم، فيه إنظار وزيادة، أليس كذلك؟ فيه إنظار وزيادة، إذن فنقول إنما كان أفضل؛ لأنه مشتمل على الواجب وزيادة، ونظير ذلك ما قاله بعض العلماء: الوضوء ثلاثا سنة والوضوء مرة واجب، والثلاث أفضل من الواجب، كيف الثلاث أفضل من الواجب، وهي سنة والواجب فريضة؟ الجواب: لأن هذه السنة متضمنة للواجب، فهي واجب وزيادة، قالوا أيضا: ابتداء السلام سنة ورده فرض، والابتداء أفضل من الرد؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «خَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلَامِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٠٧٧) ومسلم (٦٢٣٧) من حديث أبي أيوب الأنصاري.]]، كيف هذا؟ والحديث: «مَا تَقَرَّبَ إِلَىَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُهُ عَلَيْهِ»[[سبق تخريجه.]]. قالوا: نعم؛ لأن هذا الرد مبني على الابتداء، فصار الابتداء مشروعا لذاته ولغيره، لولا الابتداء ما حصل الرد، فلما كان الرد مبنيا على الابتداء صار الابتداء هنا أفضل؛ لأنه صار سببًا وذاتًا، فهو سلام ابتدائي وسبب لواجب فأعطي فضيلة الواجب؛ لأنه سببه، وفضيلة الابتداء؛ لأنه الابتداء، عرفتم؟
من فوائد الآية الكريمة: تفاضل الأعمال، كيف؟ لقوله: ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾ وتفاضل الأعمال يقتضي تفاضل العامل، وأن العاملين بعضهم أفضل من بعض، وهذا أمر معلوم بالضرورة الشرعية والعقلية، أن العمال يختلفون ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ﴾ [النساء ٩٥] ولَّا يستوون؟ لا يستوون، ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [الحديد ١٠]، يتفرع على ذلك عندنا الآن من الآية الكريمة نأخذ تفاضل الأعمال يتفرع عليه: تفاضل العامل، يتفرع على ذلك: تفاضل الإيمان، تفاضل الإيمان، كيف ذلك؟ لأن الأعمال من الإيمان عند أهل السنة والجماعة، فإذا تفاضلت لزم من ذلك تفاضل الإيمان؛ ولهذا كان مذهب أهل السنة والجماعة أن الإيمان يزيد وينقص.
* ومن فوائد الآية الكريمة: فضيلة العلم، وأن العلم يهدي صاحبه إلى الخير؛ لقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾، هل يستفاد من الآية الكريمة: أن إبراء الغريم يجزئه من الزكاة؟ انتبهوا يعني إنسان عليه مائة ريال زكاة، يطلب شخصا فقيرا مائة ريال: وقال: أبرأت هذا الفقير، أبرأته عن زكاتي، هل تجزئه أو لا؟ نشوف من الآية، هل تقولون إن الآية تدل على إجزاء إبراء الفقير عن الزكاة؟ لو قال قائل نعم الآية تدل على أنه يجزئ لأن الله سمى الإبراء صدقة وقال: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ [التوبة ٦٠] فإذا كان الإبراء صدقة، وأبرأت الفقير فقد أديت الزكاة، ولكن الصحيح أنه لا يجزئ، الصحيح من أقوال أهل العلم أنه لا يجزئ، كيف؟ لأن الله عز وجل قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ [البقرة ٢٦٧] وجعل الدين زكاة للعين هذا من تيمم الخبيث لإخراجه عن الطيب، والمراد بالخبيث هنا الرديء ما هو الحرام، أليس كذلك؟ لأن العين ملك قائم بيد المالك يتصرف فيه كيف يشاء، والدين الذي على معسر مال تالف في الواقع، مال تالف؛ لأن الأصل بقاء الإعسار ولَّا زواله؟ الأصل بقاء الإعسار، وحينئذ يكون هذا الدين بمنزلة المال التالف، فلا يصح أن يجعل هذا المال التالف زكاة عن العين؛ ولهذا قال شيخ الإسلام رحمه الله: إن هذا لا يجزئ بلا نزاع، بلا نزاع لا يجزئ، ولو قلنا يجزئ لكان كل إنسان له غرماء لا يستطيعون الوفاء يقول: أبرأته ونويتها من الزكاة فتبقى الأموال عنده، والديون التالفة الهالكة التي لا يرجى حصولها تكون هي الزكاة، هذا لا يمكن؛ ولهذا لو خيرت شخصا فقلت: أنا أعطيك عشرة ريالات أو أحولك على إنسان فقير بالعشرة، وأيش يختار؟
* طلبة: العشرة.
* الشيخ: تعطيني عشرة؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: الله يهديكم تأملوا؟ قلت لإنسان: أنا باعطيك عشرة ريالات نقدا ولَّا باحولك على إنسان فقير، وأيش يأخذ؟
* الطلبة:العشرة.
* الشيخ: العشرة؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: ولا يتردد؟
* الطلبة: ولا يتردد.
* الشيخ: ولا يتردد، إذن صارت العشرة بالنسبة للدين من باب الطيب، وذاك من باب الرديء، لو أردت أن تعطي شخصا شاة سمينة صحيحة، وتعطيه شاة هزيلة مريضة، أيٍّ اللي يختار؟ الأول، هذا نفس الشيء، إذن نقول لا يجوز إبراء الفقير واحتساب ذلك من الزكاة، نعم، لو فرض أنه سيجعلها زكاة عن دين، زكاة عن دين، إذا قلنا بوجوب الزكاة في الدين فهذا ربما نقول إن هذا صحيح؛ لأن هذا الدين الذي أبرأت صار من جنس المال الذي زكيت به عنه.