×
البقرةالآية ٢٣٦

تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين

لَّا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا۟ لَهُنَّ فَرِيضَةً ۚ وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى ٱلْمُوسِعِ قَدَرُهُۥ وَعَلَى ٱلْمُقْتِرِ قَدَرُهُۥ مَتَـٰعًۢا بِٱلْمَعْرُوفِ ۖ حَقًّا عَلَى ٱلْمُحْسِنِينَ ﴿٢٣٦﴾

لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ معناها: قد أبحنا لكم طلاق النساء فطلقوهن، فيكون المراد بالأمر المقدر -كما قالوا- المراد به الإباحة، والمراد بالأمر المذكور المراد به الوجوب. وقال بعض المعرِبين: لا حاجة إلى التقدير؛ لأن قوله (فطلقوهن) المراد به الإباحة مفهوم من قوله: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾، وما دام المعنى يفهم بدون تقدير فإنه لا يجوز التقدير؛ لأن التقدير نوع من التأويل، ولأن الأصل تمام الكلام وعدم احتياجه إلى تقدير. وهذا القول أرجح، وعلى هذا فقوله: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ﴾ يعني: إذا طلقتموهن، وهذا مستفاد من قوله: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾. ﴿مَتِّعُوهُنَّ﴾ ما معنى التمتيع؟ أن يعطيها ما فيه المتعة والبلاغ من زاد أو لباس أو غير ذلك مما تقتضيه الحال والعُرف. وقوله: ﴿عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ في ﴿قَدَرُهُ﴾ قراءتان: ﴿قَدْرُهُ﴾ و﴿قَدَرُهُ﴾، وقوله: ﴿الْمُوسِعِ﴾ هو الغني، وقوله: ﴿الْمُقْتِرِ﴾ هو الفقير الذي ليس عنده شيء؛ قال الله تبارك وتعالى: ﴿قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا﴾ [الإسراء ١٠٠] أي: مَنُوعًا، فالمقتر معناه: الذي ليس عنده شيء أو الفقير، والموسع: الغني الكثير المال، فـ ﴿عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ﴾ أو ﴿قَدْرُهُ﴾ أي: ما يناسب حاله، وعلى الفقير ما يناسب حاله، والجملة هذه قيل: إنها استئنافية لا محل لها من الإعراب تبين مقدار الواجب الذي أوجبه الله في قوله: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ﴾، وقيل: إنها في موضع نصب على الحال من الواو في قوله: ﴿مَتِّعُوهُنَّ﴾ يعني: متعوهن حال كونكم موسرين أو معسرين، على الموسر قدره، وعلى المقتر قدره. أما إعرابها فإن ﴿عَلَى الْمُوسِعِ﴾ خبر مقدم، و﴿قَدَرُهُ﴾ مبتدأ مؤخر، و﴿عَلَى الْمُقْتِر﴾ أيضًا خبر مقدم، و﴿قَدَرُهُ﴾ مبتدأ مؤخر. ﴿مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ﴾ ﴿مَتَاعًا﴾ هذه يحتمل أن يكون اسم مصدر -يعني: مفعولًا مطلقًا- عامله قوله: ﴿مَتِّعُوهُنَّ﴾ يعني: تمتيعًا بالمعروف، فمتاع هنا بمعنى تمتيع، مثل كلام بمعنى تكليم، وسلام بمعنى تسليم وما أشبهها، وعلى هذا فيكون إعرابها مفعولًا مطلقًا، ويحتمل أن يكون حالًا؛ يعني: حال كون القَدَر أو القَدْر متاعًا بالمعروف. وقوله: ﴿مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ﴾ الباء هنا للمصاحبة، يعني معناه: يقتضيه العُرف، وكم في الآيات التي مرت التحويل على العرف مما يدل على أن العرف له اعتبار شرعي. ﴿حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ ﴿حَقًّا﴾ منصوبة على أنها مصدر لفعل محذوف، يعني: أُحقُّ ذلك حقًّا على المحسنين، أو على أنها مصدر معنوي لقوله: ﴿مَتِّعُوهُنَّ﴾ حقًّا، أو على أنها صفة لقوله: ﴿مَتَاعًا﴾ يعني: متاعًا حقًّا، كل الأوجه هذه لا ينافي بعضها بعضًا من حيث المعنى. والحق هو الشيء الثابت اللازم يقال: حقّ، والحق إما أن يكون في الأخبار وإما أن يكون في الأحكام، فإن كان في الأخبار فهو الصدق، وإن كان في الأحكام فهو العدل، وقد يُجمع بينه وبين الصدق فيُحمل الصدقُ على الخبرِ والحقُّ على العدلِ مثل قوله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام ١١٥] قال العلماء: ﴿صِدْقًا﴾ في الأخبار، ﴿وَعَدْلًا﴾ في الأحكام. وقوله: ﴿عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ يعني: على الفاعلين الإحسان. المحسن اسم فاعل من أحسن؛ أي: قام بالإحسان وعمل به، والإحسان هنا ما كان موافقًا للشرع، فإذا قرن بالعدل صار المراد بالإحسان: الفضل الزائد، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ [النحل ٩٠]، فالإحسان تارةً يُراد به موافقة الشرع ولو كان شيئًا واجبًا، وتارةً يُراد به ما زاد على الواجب، وهذا إذا قُرِن بماذا؟ إذا قُرِن بالعدل كما في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾. وقوله: ﴿عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ يعني: والمحسنات؟ * طالب: يخاطب الأزواج. * الشيخ: لأنه يخاطب الأزواج، الزوجات ما بيمتعن أزواجهن؛ لأنهن مخطوبات لا خاطبات (...) ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ إلى آخره. يستفاد من الآية الكريمة فوائد: أولًا: وجوب العدة على المتوفى عنها زوجها، من أين؟ * طالب: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ﴾. * الشيخ: لا، من قوله: ﴿يَتَرَبَّصْنَ﴾؛ لأنها خبر بمعنى الأمر. ويستفاد من عمومها: وجوب العدة على المتوفى عنها زوجها، سواء كانت صغيرة أو كبيرة، من أين تؤخذ؟ * طالب: ﴿أَزْوَاجًا﴾. * الشيخ: ﴿أَزْوَاجًا﴾ وأطْلق. ويستفاد منها أيضًا: وجوب العدة على المتوفى عنها زوجها، سواء دخل بها أم لم يدخل، من قوله: ﴿وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾؛ لأن الزوجة تكون زوجة بمجرد العقد بخلاف الطلاق، فإن الطلاق قبل الدخول لا عدة فيه؛ لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب ٤٩] واضح؟ فهذان رجلان كلاهما تزوجا، أحدهما مات قبل أن يدخل، والثاني طلق قبل أن يدخل، على زوجة الأول العدة، والثاني ليس عليها عدة، كذا؟ ولزوجة الأول المهر كاملًا، ولزوجة الثاني نصف المهر، كذا؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: ولزوجة الأول الميراث، والثانية؟ * الطلبة: لا شيء. * الشيخ: صح، لأنه ما مات. المهم إذا مات ما هو زوج (...) ولا عدة عليها، إذن عموم الآية يشمل أيش؟ من دخل بها ومن لم يدخل بها. عموم الآية يتناول الحامل وغير الحامل، من أين يؤخذ؟ من قوله: ﴿أَزْوَاجًا﴾ تشمل الحامل وغيرها، لكن الحامل خصت بآية الطلاق: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق ٤]. لمعترض أن يعترض ويقول: بين الآيتين عموم وخصوص وجهي، فلا يمكن أن تخص إحداهما بالأخرى إلا بدليل؛ ولهذا ذهب علي بن أبي طالب وابن عباس رضي الله عنهم إلى أنها تعتدّ بأطول الأجلين[[متفق عليه؛ البخاري (٤٩٠٩) ومسلم (١٤٨٥ / ٥٧) من حديث أم سلمة، وفيه قصة ابن عباس رضي الله عنهما، وأما حديث عليٍّ فأخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (١٧٠٩٨).]] جمعًا بين الآيتين، أعرفتم؟ ما هو الجواب؟ الجواب: أن السُّنة دلت على تقديم عموم آية الطلاق؛ حيث إن «سُبَيْعَةَ الأسلميَّة نُفِسَتْ بعد موت زوجها بليالٍ، فأذن لها النبي ﷺ أن تتزوج[[متفق عليه؛ البخاري (٤٩٠٩) ومسلم (١٤٨٥ / ٥٧) من حديث أم سلمة رضي الله عنها.]] »، وعلى هذا فيكون عموم آية الطلاق مُقدمًا على عموم آية البقرة، واضح يا جماعة؟ ويُستفاد من الآية الكريمة: وجوب انتظار المرأة بنفسها مدة العدة بحيث لا تتزوج ولا تتعرض للزواج؛ لقوله: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ﴾، كما تقول: انتظر بكذا وكذا، تربّص بكذا وكذا، يعني: لا تتعجل. ويُستفاد من الآية الكريمة: حكمة الله عز وجل بوضع أربعة أشهر وعشرًا، أو بفرض أربعة أشهر وعشرًا، ويش الحكمة؟ * الطلبة: ليتبين (...). * الشيخ: قيل: ليتبين الحمل، وهذا فيه نظر؛ لأن الحمل يتبين في مدة أقل، ولكنه سبق لنا تعليل في هذا وهو؟ * الطلبة: (...) قلنا: تعبدية. * الشيخ: قيل: إنها تعبدية، هذا ما لنا فيه تصرف، إذا قلنا: تعبدية، ما لنا فيه تصرف، لكننا نقول: حكمة معقولة؟ * طالب: نعم، أربعة أشهر وعشرًا ثلث السنة. * الشيخ: أربعة أشهر وعشرًا ثلث السنة وثلث الشهر؛ لأنه في الجاهلية كانت المرأة إذا توفي عنها زوجها تبقى حولًا كاملًا، ففرض الله من هذا الحول ثلثه، ومن جنس الشهور ثلث الشهر. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن العدة إذا انتهت جاز للمرأة أن تفعل كل ما كان معروفًا من تجمُّل وخروج من البيت وغير ذلك؛ ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الأولياء مسؤولون عن مولياتهم، من أين يؤخذ؟ * الطلبة: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾. * الشيخ: من قوله: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾، ولم يقل: فلا جناح عليهن، مع أن الحديث عن المرأة، عن النساء، لكنه قال: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾، كأنه أشار إلى أن الرجال لهم ولاية على النساء فيكونون مسؤولين عنهن. * ومن فوائد الآية الكريمة: اعتبار العرف؛ لقوله: ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾، وقد مر علينا مرارًا وتكرارًا: أن العُرف معتبر إذا لم يُخالف الشرع، فإن خالف الشرع فليس بمعتَبر. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات عِلم الله عز وجل بالظاهر والخفي، من أين يؤخذ؟ * الطلبة: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾. * الشيخ: من قوله: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾، والخبير هو العالم ببواطن الأمور، ومن علم ببواطن الأمور كان عليمًا بظواهرها من باب أولى. ثم قال تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾ إلى آخره. يُستفاد من هذه الآية الكريمة: جواز التعريض في خطبة المتوفى عنها زوجها، من قوله: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾، وقد سبق لنا التعريض معناه، كذا؟ ويُستفاد من الآية: تحريم التصريح بعدة المتوفى عنها زوجها في خطبة المعتدة من وفاة، تحريم التصريح بخطبة المعتدة من وفاة؛ لقوله: ﴿فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ﴾، فنفى الجناح عن التعريض، وهو دون التصريح، والتصريح محرم. استطرادا للفوائد نقول: إن خطبة المعتدة تنقسم إلى ثلاثة أقسام: تحرم تصريحًا وتعريضًا، وتباح تصريحًا وتعريضًا، وتباح تعريضًا لا تصريحًا، تحرم تعريضًا وتصريحًا، وتباح تعريضًا وتصريحًا، وتحرم تصريحًا لا تعريضًا. متى تحرم تصريحًا وتعريضًا؟ في الرجعية لغير زوجها، فيحرم على الإنسان أن يخطب المرأة الرجعية، لا تصريحًا ولا تعريضًا، والرجعية مَن هي؟ يعني: المعتدَّة التي يجوز لزوجها أن يراجعها بغير عقد، هذه الرجعية. والتي تحل تصريحًا وتعريضًا هي البائن من زوجها إذا كانت تحل له، مثل المطلقة على عوض، والمختلعة، والفاسخة لنكاحها لسبب، وما أشبه ذلك، المهم أن القاعدة ما هي؟ هي المبانة لزوجها إذا كانت تحل له، فيجوز لزوجها أن يخطبها تعريضًا وتصريحًا وأن يتزوجها، فلو طلّق الإنسان امرأته على عِوض ثم بعد ذلك ندم وهي أيضًا ندمت، إن طلب يتزوجها يجوز يخطبها من أهلها؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: نعم، يجوز أن يخطبها ويجوز أن يتزوجها. والذي يباح تعريضًا لا تصريحا؟ * الطلبة: (...). * الشيخ: كل مُبانة لغير زوجها، يعني: كل مُبانة يجوز لغير زوجها أن يعرِّض بخطبتها بدون تصريح؛ مثل المتوفى عنها زوجها، والمبانة بطلاق الثلاث، أو بفسخ، أو نحو ذلك، عرفتم؟ هذه أقسام الخطبة. * طالب: البكر يا شيخ؟ * الشيخ: البكر، ما هي معتدة، كلامنا على المعتدة. * الطالب: ما هي الأقسام؟ * الشيخ: كيف؟ * الطالب: يجوز تعريضًا أو تصريحًا؟ * الشيخ: البكر ما هي معتدة. * الطالب: المتوفى عنها زوجها قبل أن يدخل، فيعرض لها أحد بالزواج. * الشيخ: تدخل في المبانة. الدليل على جواز التعريض دون التصريح للمتوفى عنها زوجها هذه الآية، هذه الآية دليل، ويقاس عليها كل مبانة من زوجها؛ لأن لها علاقة بزوجها من جهة، وهي منفصلة عنه من جهة أخرى. أما الرجعية فلأنها زوجة، كما قال الله تعالى فيما سبق: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ إلى أن قال: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ [البقرة ٢٢٨]. وأما المبانة من الشخص إذا كانت تحل له فواضح أنها زوجته، فيحل له أن يخطبها وأن يتزوجها، وقولنا: إذا كانت تحل له، احترازًا من المبانة بالثلاث، المبانة بالثلاث لا يحل لزوجها أن يخطبها مطلقًا؛ لأنها ما تحل له. ويستفاد من الآية الكريمة: جواز إضمار الإنسان في نفسه ما لا يحل له أن يفعله بجوارحه؛ لقوله: ﴿أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: جواز ذكر الإنسان المرأة المعتدة في نفسه ولغيره؛ لقوله: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ﴾، فلو قال شخص: إنني أريد أن أتزوج امرأة فلان التي توفى عنها زوجها، يقول يحدث غيره، يجوز ولَّا ما يجوز؟ * الطلبة: يجوز. * الشيخ: يجوز ولا حرج فيه، وكذلك لو ذكرها في نفسه، لكن الذكر في النفس هل يغني عنه قوله: ﴿أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ﴾؟ يمكن أن يغني عنه، وإلا فإن ما في القلب يسمى ذِكرًا كما قال الله تعالى في الحديث القدسي: «مَنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي»[[متفق عليه؛ البخاري (٧٤٠٥) ومسلم (٢٦٧٥ / ٢، ٢١) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه بلفظ «فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ..» الحديث.]]، فما أضمره الإنسان في نفسه فهو ذكر وحديث. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا يجوز للإنسان أن يواعد المعتدة من وفاة؛ أن يواعدها النكاح فيقول: إذا انتهت عدتك فإني سأتزوجك؛ لقوله: ﴿وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾. * ومن فوائدها: أن التعريض بخطبة المتوفى عنها زوجها من القول المعروف غير المنكر؛ لقوله: ﴿إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: تحريم عقد النكاح في أثناء العدة؛ لقوله: ﴿وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾. هل يتفرع على هذه الفائدة فائدة أخرى وهي: أن النكاح باطل؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: نعم، منين الدليل؟ من قوله: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٦٩٧) ومسلم (١٧١٨ / ١٧) واللفظ له من حديث عائشة رضي الله عنها. ]]، وقوله ﷺ: «كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللهِ فَهُوَ بَاطِلٌ، وَإِنْ كَانَ مِئَةَ شَرْطٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٥٦٣)، ومسلم (١٥٠٤ / ٨)، وابن ماجه (٢٥٢١) واللفظ له، من حديث عائشة رضي الله عنها.]]، إذن لو تزوج الإنسان امرأة معتدة فإن النكاح لا يصح. وهل تحل له بعد انقضاء العدة ولَّا ما تحل؟ * الطلبة: فيه أقوال. * الشيخ: فيه خلاف؛ فمن أهل العلم من قال: لا تحل له، ومنهم من قال: تحل له. الذي قال: لا تحل له، بنى قوله على قاعدة معروفة في الفقه وهي: من تعجل شيئًا قبل أوانه على وجه محرم عوقب بحرمانه. وهذه القاعدة لها أصل من السنة، وهو منع القاتل من الميراث[[أخرجه الترمذي (٢١٠٩)، وابن ماجه (٢٦٤٥) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]؛ لأنه يُخشى أن يتعجل القتل لأجل أن يرث، ولكن الراجح في هذه المسألة أنه إن رأى الحاكم أن يمنعه منها فعل، وإلا فلا، وربما يُحمل ما روي عن عمر في ذلك على هذا الوجه؛ أن فعله رضي الله عنه ليس سنة، ولكنه عقوبة وتعزير[[أخرجه أحمد في المسند (٣٤٦) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما.]]، فإذا رأى الحاكم أن يمنع هذا الخاطب الذي تعجل في الخطبة قبل أوان جوازها.. الشيخ: منع الحق لمن يستحقه لولا التعذير، والتعذير بمنع الحق لمن يستحقه هو جائز، وعلى هذا فنقول: الصحيح في هذه المسألة أن من عقد على مُعتدَّة فالأصل أنها تحل له بعد انتهاء العدة لعموم قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء ٢٤] لكن إن رأى الحاكم أن يمنعه منها تعذيرًا فله ذلك. * ومن فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى العناية بالعدة وأنه ينبغي أن تكتب؛ لقوله: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ [البقرة ٢٣٥]، كذا؟ * ومن فوائد الآية الكريمة: المخاطبة بالمجمل، وأنها أسلوب من أساليب البلاغة، من أين تؤخذ؟ * الطلبة: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾. * الشيخ: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ لأن أجله ما بُيِّن هنا، وإن كان بُيِّن في آية ثانية، وقد سبق لنا أن من فوائد الإجمال أن النفس تتطلع إلى بيانه وتحرص عليه حتى تدركه، فإذا أدركت البيان بعد الإجمال كان ذلك أحرى بأن يبقى العلم في نفس الإنسان ولا ينساه، واضح؟ ولهذا نحن لا نؤيد فكرة أن يكون كل شيء موجودًا عند الطالب؛ يعني ما نؤيد أننا نجيب له كتاب ونشرح له كل ما فيه، خلِّ الكتاب به بعض الشيء لأجل الإنسان يستعمل فكره، ولا نؤيد استعمال الطالب للآلات الحاسبة إلا عند الضرورة، ويش الآلات الحاسبة؟ معروفة؛ لأنك إذا تعودتها. * طالب: لم تُعمِل الفكر وتبلّد. * الشيخ: تبلّد فكرك، وصار ما تعرف إلا بهذه الآلة، ولا نؤيد أيضًا استعمال الطالب لآلات الفرائض؛ آلات علم الفرائض، فيه آلات الآن كمبيوتر ما تبين لك علم الفرائض، اعرف بس قاعدتها واضرب الأرقام هذه وتحل لك المسألة، تقسم لك أي مال يكون، بدلًا من أن تتعب في قسم التركات وتُراجع كتب الفرضيين استعمل هذه، ولكن ما نعلمكم اللي عنده؛ لأني أخشى بعد تتخذونها، استعملها لو كنت عامي ما تعرف شيئًا من الفرائض أبدًا، بس يوريك كيف تعمل، ثم تجيء بالمال وتكتب على الشاشة، ثم تنغز الأزرَّة وتكتب الورثة، ومع ذلك لو نغزت واحدًا (...) من هادولا ما تطلع اسمه ما تعطيه. * طالب: ما مذهبها؟ * الشيخ: مذهبها على المشهور عند الحنابلة. * طالب: حسبما تُعد؟ * الشيخ: حسب، لكن (...) أقول: إني لا أؤيد ذلك؛ لأن الطالب ينبغي أن يدرك العلم بفهمه. يستفاد من الآية الكريمة أيضًا: إحاطة علم الله تعالى بكل شيء؛ لقوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ﴾. ويستفاد منها: وجوب الحذر من أن يُسِرَّ الإنسان في نفسه ما لا يُرضي ربه من قوله: ﴿فَاحْذَرُوهُ﴾. ويستفاد منه: أن هذا القرآن العظيم مثاني بمعنى: تُثنَّى فيه الأمور والمواضيع، فإذا ذُكر أهل الجنة ذُكر أهل النار، وإذا ذُكر الرجاء ذُكر معه الخوف، وهكذا، وقد نص الله على ذلك في قوله: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ﴾ [الزمر ٢٣] وهو هذا القرآن، من أين يؤخذ من هذه الآية؟ لأنه لما حذر قال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات اسمين من أسماء الله، وهما: الغفور والحليم، وقد ذكرنا فيما سبق أن كل اسم من أسماء الله فهو متضمن؟ * طالب: للصفات. * الشيخ: للصفة، وهل يتضمن الحكم؟ * طالب: إذا تعدَّى. * الشيخ: إي، فيه تفصيل، إن كان متعديًا يتضمن الحكم، وإن كان غير متعدٍ لم يتضمن. وهل يدل على أكثر من صفة؟ * طالب: نعم. * الشيخ: نعم، ربما يدل بدلالة الالتزام؛ لأن أنواع الدلالة عندهم ثلاثة: مطابَقة، وتضَمُّن، والتزام، وياسر يضرب لنا مثالًا للمطابقة؟ * الطالب: (...). * الشيخ: أيش؟ * الطالب: كنت أريد المسألة تعيدها تشرحها. * الشيخ: مثال ذلك أقرب شيء نمثّل بالمحسوس، أنا عندي الآن بيت، فإذا قلت: هذا بيت فلان، كلمة (بيت فلان) تدل على كل البيت بما فيه من الغُرَف والْحُجر والفُسَح والصالات وما أشبه ذلك، ولَّا لا؟ تدل على مجموعه دلالة مطابقة؛ يعني إذا دل اللفظ على كل معناه فهو مطابقة، وتدل على الحجرة الواحدة والصالة الواحدة والفسحة الواحدة بالتضمن؛ يعني إذا دل اللفظ على جزء معناه فهي دلالة تضمن، وتدل على أن لهذا البيت بانيًا بالالتزام؛ لأن البيت ما يقوم بنفسه لا بد من بانٍ يبنيه تُسَمَّى هذه: التزام؛ يعني دلالة اللفظ على أمر خارج عن مدلوله وهو من لوازمه يسمى (دلالة التزام). بالنسبة لأسماء الله تدل على ذات الله وعلى الصفة التي يتضمنها هذا الاسم، تدل على الأمرين دلالة أيش؟ * الطلبة: دلالة مطابقة. * الشيخ: دلالة مطابقة، وتدل على الأمر الخارج اللازم لهذا المعنى؛ تدل دلالة التزام، مثل (الخالق) من أسماء الله؛ دلالته على الذات والخلق مطابقة، ودلالته على العلم والقدرة التزام، ودلالته على الخلق وحده أو الذات وحدها تضمن. واضح؟ * الطالب: لا. * الشيخ: سبحان الله! واضح؟ * الطالب: نعم. * الشيخ: الخالق الآن يدل على ذات الله والصفة اللي هي الخلق دلالة مطابقة؛ لأنه دل على كل معناه، ويدل على الذات وحدها وعلى الخلق وحده تضمن؛ يعني معناه إفراد كل واحد عن الآخر، ويدل على العلم والقدرة دلالة التزام، كيف؟ ما يمكن يكون خالقًا إلا وهو عالم قادر، ولَّا لا؟ هل يخلق من لا يقدر؟ * الطلبة: لا. * الشيخ: لا، هل يخلق من لا يعلم؟ * الطلبة: لا. * الشيخ: لا، لا بد أن يكون عالمًا قادرًا، ولهذا قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق ١٢] فذكر العلم وذكر القدرة بعد أن ذكر أنه خَلَق، ولا يمكن أن يكون هناك خَلْق إلا بعلم كيف يخلق وبقدرة على الخلق وإلا (...). ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ إلى آخره [البقرة: ٢٣٦]. يستفاد من هذه الآية الكريمة: جواز طلاق الرجل امرأته قبل أن يمسها؛ لقوله: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾. وربما يُشعر قوله: ﴿لَا جُنَاحَ﴾ أن الأَوْلى عدم ذلك وأن لا يطلق؛ لأن طلاقه إياها قبل أن يمسها وقد خطبها وقدم لها الصداق فيه شيء على المرأة وغضاضة، وإن كان الإنسان قد يتأمل في أمره وتضطره الأمور إلى الطلاق فإنه لا ينبغي أن يكون متسرعًا متعجلًا. ويستفاد من هذه الآية الكريمة: إطلاق المسِّ على الجماع؛ لقوله: ﴿مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾. ويستفاد منها: أنه يجوز للإنسان أن يتزوج المرأة بلا تسمية مهر، من أين يؤخذ؟ من قوله: ﴿أَوْ تَفْرِضُوا﴾ لأنه معطوف على قوله: ﴿مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ يعني: وما لم تفرضوا لهن فريضة. وقد اختلف العلماء فيما إذا تزوج المرأة وشرط أن لا مهر لها؛ فمنهم من يرى أن النكاح صحيح والشرط فاسد ولها مهر المثل، ومنهم من يرى أن النكاح غير صحيح، وهذا هو الصحيح أنه إذا شُرط عدم المهر فالنكاح غير صحيح؛ لأن الله اشترط للحِلّ المال؛ قال: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء ٢٤]. والحال لا تخلو من ثلاثة أمور: إما أن يُشرَط المهر ويعيَّن، أو يُسكَت عنه، أو يُشرَط عدمه؛ ففي الحالة الأولى النكاح صحيح ولا إشكال فيه ولا نزاع، وفي الثانية النكاح صحيح ولها مهر الْمِثل إذا سُكت عنه، وفي الثالثة أن يُشرط عدمه موضع خلاف بين أهل العلم. ويستفاد من الآية الكريمة: وجوب المتعة على من طلَّق زوجته قبل الدخول ولم يسمِّ لها مهرًا؛ لقوله: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ﴾، وهذا بالإجماع أنه إذا طلقها قبل المسيس والخلوة ولم يفرض لها مهرًا فلها المتعة واجبة بالإجماع. ويستفاد من الآية أيضا: أن العبرة بالمتعة حال الزوج: إن كان موسرًا فعليه قدره، وإن كان معسرًا فعليه قدره؛ لقوله: ﴿عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾. ويتفرع على هذه الفائدة يعني فائدة أخرى وهي: امتناع التكليف بما لا يطاق، كيف ذلك؟ * طالب: ﴿عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ﴾. * الشيخ: لقوله: ﴿عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾، وهذه القاعدة امتناع التكليف بما لا يطاق دل عليها القرآن في عدة مواضع، منها قوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة ٢٨٦]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه يجب إذا أمتع زوجته هذا الإمتاع أن يكون بالمعروف؛ أي: بما يقتضيه العرف، بحيث يبذله عن سخاء نفس وبدون مِنَّة؛ لقوله: ﴿مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ﴾. * ومن فوائدها: أن القيام بهذه المتعة من الإحسان وإن كانت واجبة؛ لقوله: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: عناية الله عز وجل بشأن النكاح حيث أنزل فيه هذه الآيات الكثيرة المتعددة ولم تتم بعدُ أيضًا؛ لأنه عقد من أخطر العقود، إن لم يكن هو أخطر العقود فإنه من أخطرها. واستنبط بعض العلماء من هذه الآية أن المعتبَر في الإنفاق حال الزوج لقوله: ﴿عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ فقاس الإنفاق على الإمتاع، وهذا القياس قد يُقبل وقد لا يُقبل، لكن يغني عنه النص في هذا وهو قوله تعالى في سورة الطلاق: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ [الطلاق ٧]. وظاهر الآية الكريمة: أنه إذا دخل بها ولم يمسها وجب المهر، من أين يؤخذ؟ من قوله: ﴿مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾؛ فعلَّق الحكم بالمسيس، وهو الجماع، ولكن الصحابة رضي الله عنهم حكموا بأن الخلوة كالمسيس؛ لأنه استباح منها ما لا يُباح لغير الزوج وهو الخلوة، فإذا خلا بها أو قبّلها أو باشرها لشهوة فهو كالجماع يتقرر به المهر. * طالب: استنتاج الفائدة من الآية. * الشيخ: إي، لأنه قال: ﴿مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ ثم قال: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ﴾، فظاهره أنه إذا طلقها قبل أن يجامع فإنه ليس عليه متعة مع أن عليه متعة في هذه الحال. * طالب: إذا خلا بها. * الشيخ: إذا خلا بها، إذا خلا بها ظاهره أنه أن عليه المتعة، إذا خلا بها وليس عليه المهر كاملًا؛ لأنه علق الحكم ﴿مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾، فعلق وجوب المتعة بحال وهي إذا لم يمسها، فظاهره أنه وإن خلا بها لا يجب لها المهر، واضح؟ * طالب: إي نعم. * الشيخ: ولكن الصحابة حكموا بأن الخلوة كالجماع، وعلى هذا فإذا خلا بها وجب لها المهر دون المتعة، واضح؟ * طالب: مهر المثل، مهر كامل؟ * الشيخ: كامل نعم، المهر كامل. * الطالب: حتى بدون مسيس ولا جماع. * الشيخ: إي نعم، بدون مسيس ولا جماع، يجب لها المهر وتجب عليها العدة، ويثبت كل ما يثبت بالجماع. ثم قال الله تعالى: ﴿