×
البقرةالآية ٢٣٥

تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين

وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُم بِهِۦ مِنْ خِطْبَةِ ٱلنِّسَآءِ أَوْ أَكْنَنتُمْ فِىٓ أَنفُسِكُمْ ۚ عَلِمَ ٱللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَـٰكِن لَّا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّآ أَن تَقُولُوا۟ قَوْلًا مَّعْرُوفًا ۚ وَلَا تَعْزِمُوا۟ عُقْدَةَ ٱلنِّكَاحِ حَتَّىٰ يَبْلُغَ ٱلْكِتَـٰبُ أَجَلَهُۥ ۚ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِىٓ أَنفُسِكُمْ فَٱحْذَرُوهُ ۚ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ ﴿٢٣٥﴾

وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾ [البقرة ٢٣٥]. ﴿لَا جُنَاحَ﴾ يعني: لا إثم ولا حرج. ﴿فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ﴾ الخطاب في قوله: ﴿عَلَيْكُمْ﴾ لجميع الناس، كل خطاب في القرآن بلفظ الجمع فهو للناس عمومًا، إلا ما عينه السياق في قرينة فلا بأس؛ لأنا ذكرنا قبل قليل: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا﴾ [النساء ١٧٤] والقرآن نازل لجميع الناس. ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾ ﴿فِيمَا﴾ أي: في الذي، وإن شئت فقل: ما نكرة موصوفة؛ أي: في قولٍ عرضتم به من خطبة النساء، ولكن الموصول أولى، والدليل على أنه أولى أنه بُيِّن في قوله: ﴿مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾. و﴿عَرَّضْتُمْ﴾ التعريض والتلويح هو أن يأتي بالكلام غير مصرح بمراده. فيه تصريح وتلويح وتعريض، التعريض والتلويح معناهما واحد؛ يعني: يأتي الإنسان بكلام لا يتبين فيه مراده؛ مثل،بالنسبة للمثال اللي معنا، أن يقول للمرأة: إني في مثلك لراغب، أنا أرغب الزوجة التي هي مثلك، إنك امرأة يرغب فيك الرجال، وما أشبه ذلك، إذا انقضت العدة فأخبريني، وعلى هذا فقِس، هذا التعريض، هذا ما فيه تصريح أنه يخطبها لا لنفسه ولا لغيره، لكنه يسمى تعريضًا. * * * (...) ويذرون أزواجًا أزواجهن يتربصن، فيكون هنا تقدير مبتدأ خبره جملة ﴿يَتَرَبَّصْنَ﴾، والجملة من المبتدأ والخبر خبر المبتدأ الأول. طيب جملة ﴿يَتَرَبَّصْنَ﴾ (...)؟ * * * الخطبة معناها: هو أن يعرض الإنسان نفسه على المرأة ليتزوجها ويطلبها إليه، وسميت خطبة إما من الخَطْب بمعنى الشأن؛ لأن هذا شأن عظيم، وإما من الخطابة؛ لأنها مقرونة بالقول، طلب الإنسان الزوجة إلى نفسه يكون مقرونًا بالقول، حتى إنه كان فيما سلف يأتي الخاطب إلى المرأة وأهلها ويخطب فيهم؛ يعني: يتكلم بخطبة ثم يبدي أنه يرغب، وربما الآن في وقتنا الحاضر يُصدِّر طلب المرأة بخطبة كتابية؛ يكتب: من فلان لفلان، ويذكر ما يحتاج إلى بيانه في رغبته في يد المرأة، ولكن مع هذا يفرقون بين الخِطبة بالكسر وبين الخُطبة بالضم، فيقولون: الخُطْبة هي القول المشتمل على الوعظ والتذكير وما أشبه ذلك، والخِطْبة هي طلب المرأة لتكون زوجة للخاطب. وقوله: ﴿مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾ النساء هذه عامة، النساء هنا عامة، ولكنه يراد بها الخاص، أو نقول: إن (أل) هنا للعهد، العهد الذكري وهو قوله: ﴿أَزْوَاجًا﴾، يعني: ﴿فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾ يعني: المذكورات، وهن الأزواج المتوفى عنهن أزواجهن، واضح؟ وعلى هذا فتكون (أل) هنا للعهد الذِّكري، لكن اللفظ جاء بغير اللفظ، بل جاء بالمعنى، بخلاف قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (١٥) فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ [المزمل ١٥، ١٦] هذه أل للعهد الذكري، لكنها جاءت باللفظ الأول تمامًا، وكما في قوله: ﴿مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ﴾ [النور ٣٥] وين المصباح؟ المذكور، ﴿الزُّجَاجَةُ﴾ يعني: المذكورة، إلى آخره. هنا النساء عادت إلى الأزواج بالمعنى، فيكون المراد بالنساء هنا من؟ اللاتي تُوفي عنهن أزواجهن. ﴿فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾ أي: بالقول، ﴿أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ﴾ بدون قول، ﴿أَكْنَنْتُمْ﴾ أي: أخفيتم وأضمرتم في أنفسكم بأنكم ستتزوجون هذه المرأة التي تُوفي عنها زوجها، ولكن بدون أن تخبروها أو تخبروا أحدًا، لكن تضمروا. وإذا كانت امرأة لم يُتوفّ عنها زوجها وليست معها أحد، هل للإنسان أن يُكِنّ في نفسه أنه سيتزوجها؟ * طالب: نعم. * الشيخ: نعم، ما فيه شك، يجوز، إذا كان يجوز أن يخاطبها بصريح الخِطبة فإن إضماره في قلبه أن يتزوجها من باب أولى، وهذه تأتي في الفوائد. قال: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ﴾ ﴿عَلِمَ﴾ كلمة (عَلِم) مشتقة من العِلْم، وقد سبق لنا أن العِلْم إدراك الشيء إدراكًا جازمًا. * طالب: مطابقًا. * الشيخ: مطابقًا، إدراك الشيء إدراكًا جازمًا مطابقًا، مثل أن أدرك أن هذا مصحف، مطابق ولَّا لا؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: وجازم؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: خرج بإدراك: عدم الإدراك، ويسمى: جهلًا، إنسان ما يدري عن الشيء تقول له: أيش هذا؟ يقول: ما أعرفه، هذا ليس عنده علم، بل جهل. جازمًا: خرج به الشك والظن والوهم، فالظن هو ما يترجّح في نفس المرء مع احتمال غيره، والوهم هو الطرف المرجوح، والشك متساوي الطرفين ما فيه الترجيح ولا هذا، وهذا يقوله العلماء في باب أصول الدين في بحث أصول الفقه، وهو غير الشك والظن الموجود في الفقه؛ لأن الشك والظن في باب الفقه هو ما ينافي اليقين، يعني: فالمترجح ليس بشيء عندهم، فلو أن الإنسان كان على وضوء، ثم شك هل انتقض وضوؤه، لكن ترجح عنده أنه انتقض، فإنه يعمل بهذا الظن ولَّا لا؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: لا، ما يعمل بهذا الظن، كان متوضئًا وشك هل أحدث أم لا، وغلب على ظنه أنه أحدث، فهل يعمل بهذا الظن ويتوضأ؟ * طالب: لا. * الشيخ: لا؛ لأن الرسول ﷺ قال: «لَا يَنْصَرِفْ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا»[[متفق عليه؛ البخاري (١٣٧) ومسلم (٣٦١ / ٩٨) من حديث عبد الله بن زيد رضي الله عنه.]]، يعني: حتى يتيقن، فالظن في الأحكام العملية ملحق بماذا؟ ملحق بالشك، الظن الطارئ على المتيقَّن. إذن هنا ﴿عَلِمَ اللَّهُ﴾ قلنا: العِلم هو إدراك الشيء إدراكًا جازمًا مطابقًا. مطابقًا: خرج به الجهل المركب؛ لأن الجهل المركب يُدرك الإنسان الشيء على خلاف حقيقته غير مطابق، فلو سألنا شخصًا وقلنا له: متى كانت غزوة بدر؟ قال: لا أدري؟ * الطلبة: هذا جهل بسيط. * الشيخ: هذا جهل بسيط، لا يدري، وجزاه الله خيرًا. ولو سألنا شخصًا آخر متى كانت غزوة بدر؟ قال: الحمد لله الذي نصر نبيه في يوم بدر وسماه يوم الفرقان، وأنزل فيه آيات عديدة من القرآن، كانت غزوة بدر في السنة الخامسة من الهجرة في ربيع الأول، أيش جهل هذا؟ * الطلبة: جهل مركب. * الشيخ: مركب؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: لو كان من غير الخطبة؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: إي، هذا جهله جهل مركب، وما أكثر الجهال المركَّبين وإن كانوا فصحاء! إذن نقول: هذا جهله جهل مركب. أهو أسوأ حالًا أو الجاهل البسيط؟ * طالب: الجاهل البسيط. * الشيخ: الجاهل البسيط أسوأ حالًا يا أخي! * الطلبة: المركب. * الشيخ: الجاهل المركب، ليش؟ لأن جهله مركب من جهلين: جهل بالواقع، وجهل بنفسه، هو عند نفسه أنه عالم وليس بعالم، فقد جهل نفسه، وجهل بالواقع أيضًا؛ ولهذا سماه العلماء جهلًا مُركَّبًا. سألنا ثالثًا وقلنا: متى كانت غزوة بدر؟ فقال: أظنها إما في الثانية أو في الثالثة، هذا جاهل، لكن عنده نوع من العلم إلا أنه شاك، صح ولَّا لا؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: إلا أنه شاك، ما أدركها إدراكًا جازمًا؛ لما قال: الثانية، صحيح هي في الثانية، لكن عنده شك هل هي في الثانية أو في الثالثة. الله عز وجل علمه محيط بكل شيء أزلًا وأبدًا، أيش معنى أزلًا وأبدًا؟ يعني: أزلًا فيما مضى، وأبدًا فيما يستقبل، ويدخل فيهما الحاضر؛ لأن الحاضر اللحظة التي قبل لحظة الآن ماضي، واللي بعده؟ مستقبل، وهي نفسها لا تتقسم، هي: إما حاضر وإما مستقبل وإما ماضٍ، لكنها بلحظة تنقسم، على كل حال الله عز وجل عالم، وعلمه محيط بكل شيء أزلًا وأبدًا. واعلم أن علم الله عز وجل لم يُسبق بجهل، ولا يلحقه نسيان، ولا نقص في الشمول والإحاطة، فقد أحاط بكل شيء علمًا. ومنها ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ﴾ بالقول أو بالقلب؟ * الطلبة: بهما. * الشيخ: بهما جميعًا، يذكرها الإنسان بقلبه، ويذكرها الإنسان بلسانه، يذكرها مثلًا لإخوانه؛ لأبيه، لابنه، لصديقه، وما أشبه ذلك بأنه يرغب أن يتزوج فلانة، أو يذكر ذلك بقلبه وفي نفسه. ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ﴾ هذا معطوف على قوله: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ﴾. ﴿وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ قوله: ﴿لَا تُوَاعِدُوهُنَّ﴾ هذا نهي ولَّا خبر؟ * الطلبة: نهي. * الشيخ: نهي؟ ﴿وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ﴾. * الطلبة: نهي. * الشيخ: ويش الدليل؟ * طالب: حذف النون. * الشيخ: حذف النون؛ لأن تواعدون من الأفعال الخمسة، إذا حذفت النون فلا بد من ناصب أو جازم، وإن كانت قد تحذف كثيرًا مع نون الوقاية، وقد تحذف أيضًا -لكن ليس بكثير- مع عدم نون الوقاية؛ قال النبي عليه الصلاة والسلام: «وَاللَّهِ لَا تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا، وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا»[[أخرجه أحمد في المسند (١٠٦٥٠) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]، قال: «لَا تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ»، ولم يقل: لا تدخلون، مع أنها نافية هذه، «وَلَا تُؤْمِنُوا»، ولم يقل: ولا تؤمنون، مع أنها نافية ولست بناهية. * طالب: الإعراب كيف يا شيخ؟ * الشيخ: نقول: الإعراب، لا: نافية، وتدخل: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون المحذوفة للتخفيف. قال: ﴿وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾ كلمة ﴿سِرًّا﴾ ذكر المفسرون -كثير منهم- أن السر من أسماء النكاح؛ أي: لا تواعدوهن نكاحًا، وقالوا: إن السر من أسماء النكاح؛ لأنه يقع بين الرجل وامرأته سرًّا، وقال بعض العلماء: ﴿لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾ أي: فيما بينكم وبينهن، وإذا نُهي عن السر فالعلانية من باب أولى، ويختلف الإعراب بناء على القولين؛ فإذا قلنا: إن ﴿سِرًّا﴾ هو النكاح صار مفعولًا ثانيًا؛ يعني: لا تواعدوهن نكاحًا، وإذا قلنا: إن السر ضد العلانية والمعنى: لا تواعدوهن وعدًا سريًّا صارت؟ * طالب: حال. * الشيخ: أو مفعولًا مطلقًا؛ يعني: وعدًا سرًّا، وأيًّا كان فإن الله عز وجل ينهى عن أن يُصرَّح للمرأة في عدة النكاح. ﴿إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ ﴿إِلَّا﴾ هذه أداة استثناء، ولكن هل الاستثناء هنا منقطع أو متصل؟ إن كانت بمعنى لكن فهو منقطع، وإن كانت بمعنى إلا فهو متصل، هذا من حيث التقدير؛ إن قدّرت إلا بمعنى لكن فهو منقطع. وعلامة أخرى معنوية، وهي أنه إذا كان ما بعدها من جنس ما قبلها فهو متصل، وإذا لم يكن من جنسه فهو منقطع. هنا ﴿إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ هل هو من جنس ما قبله؟ من المواعدة سرًّا؟ * الطلبة: (...). * الشيخ: ليش؟ لأن المواعدة سرًّا ليست من القول المعروف، ولَّا لا؟ إذ إن القول المعروف هو التعريض دون التصريح. وإذا كان متصلًا، لكن لا يصح أن يكون متصلًا؛ لأن ما بعدها ليس من جنس ما قبلها، وعلى هذا فيكون الاستثناء هنا منقطعًا، النحويون يمثلون للاستثناء المنقطع بقولهم: قام القوم إلا حمارًا، صحيح هذا التمثيل؟ * طالب: نعم. * الشيخ: ويش السبب؟ * طالب: ليس من جنس الرجال. * الشيخ: ليس من جنسهم ولََّا لا؟ وإنما يأتون بهذا لأن.. (...) متصل ولَّا منقطع؟ * الطلبة: منقطع، إن كان للعبودية، حسب التفسير. * الشيخ: إي، حسب تفسير العبودية؛ إن كان المراد: إن عبادي المخلصين ليس لك عليهم سلطان، فالاستثناء منقطع لا شك، وإن كان عبادي من جِنس قوله تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم ٩٣]. * طالب: متصل. * الشيخ: فالاستثناء متصل، وأيهما أبلغ؟ * طالب: الأول. * الشيخ: الأول أبلغ، وإن كان الثاني هو الأصل، الأصل أن الاستثناء متصل، لكن الأول أبلغ: إن عبادي المخلصين لا يمكن أن تصل إليهم إطلاقًا ﴿لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الحجر ٤٢]، لكن من اتبعك هم الذين يكون لك عليهم سلطان. يقول: ﴿إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ معروف من قبل مَنْ؟ * الطلبة: من قبل الشرع. * الشيخ: من قبل الشرع، وهو؟ ما هو القول المعروف؟ التعريض الذي أباحه الله. ﴿وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾، لما ذكر الله عز وجل التعريض والتصريح، وأن التعريض جائز دون التصريح والمواعدة -ولو سرًّا- قال عز وجل: ﴿وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ﴾ ﴿تَعْزِمُوا﴾ العزم على الشيء معناه: التنفيذ، و﴿عُقْدَةَ النِّكَاحِ﴾ يعني: عقده؛ لأن النكاح عقد بين الزوج والزوجة، فهو كالعقود الأخرى كعَقد البيع وما أشبه ذلك، وقوله: ﴿عُقْدَةَ النِّكَاحِ﴾ يعني: الزواج. ﴿حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ حتى هذه للغاية، وما بعدها منصوب بها، وقوله: ﴿الْكِتَابُ﴾ فِعال بمعنى مَفعول، وما المراد بالكتاب؟ الذي ذكر المفسرون أن المراد بالكتاب هنا العدة؛ لأن الله تعالى فرضها، فهي مفروضة على أن فِعالًا بمعنى مفعول، يعني: حتى يبلغ المفروض أجله، والمفروض هي العدة، ويحتمل أن يكون المراد بالكتاب هنا ما يكتبونه عند ابتداء سبب العدة من موت أو طلاق أو نحوه؛ بأن يقال مثلًا: توفي في اليوم الفلاني، ويكون هذا داخلًا في قوله تعالى في سورة الطلاق: ﴿وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ﴾ [الطلاق ١] يعني: اضبطوها وحرروها، وعلى هذا فيكون المعنى: الكتاب المكتوب الذي فيه بيان متى كان سبب أيش؟ سبب العدة من وفاة أو طلاق. وقوله: ﴿أَجَلَهُ﴾ أجل الشيء: منتهاه وغايته؛ يعني: حتى يبلغ غايته حسب ما فرض الله سبحانه وتعالى. ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ﴾ ﴿اعْلَمُوا﴾ فعل أمر، وأتى به سبحانه وتعالى للأهمية والتحذير من المخالفة، ﴿اعْلَمُوا﴾ وهذه الجملة يؤتى بها من أجل التنبيه، اعلم كذا وكذا، لأجل أن تنتبه ويبلغ علمك هذا الشيء. ﴿أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ﴾ أي: ما استقر في أنفسكم مما تضمرونه من كل شيء، ولكن هل يؤاخذنا الله عز وجل بما أنفسنا؟ هذا يرجع فيه إلى ما تقتضيه الأدلة من غير هذه الآية، وسنبين إن شاء الله تعالى عند الفوائد. وقوله: ﴿فَاحْذَرُوهُ﴾ الفاء هذه للتفريع؛ يعني: إذا علمتم هذا فاحذروا الله عز وجل من أن تضمروا في هذه الأنفس ما لا يرضاه سبحانه وتعالى، والحذَر من الشيء معناه: أخذ الحِذْر، وهو الاحتياط وعدم المخالفة. ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ لما حذرنا عز وجل قال: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ فإذا أضمرتم في أنفسكم ما لا يرضاه فإن لديكم بابًا واسعًا، ما هو؟ المغفرة، تعرّضوا لمغفرة الله سبحانه وتعالى بأن تستغفروا وتتوبوا إليه، وسبق لنا مرارًا أن الغفور مأخوذ من الغَفْر وهو السَّتر، والمراد به ستر الذنب والتجاوز عنه. وقوله: ﴿حَلِيمٌ﴾ فالحليم هو الذي يؤخر العقوبة عن مستحقها، كما قال ابن القيم في النونية: وَهُــوَ الْحَلِيمُ فَلَا يُعَاجِــــلُعَبْــــــــدَهُ ∗∗∗ بِعُقُوبَــــةٍ لِيَتُــــوبَ مِــــنْعِصْيَــــــــــــــــانِ الحليم هو الذي يؤخر العقوبة عمن يستحقها، وضده من ليس بحليم: من يُعاجل بالعقوبة، والله عز وجل قرن هنا بين المغفرة والرحمة وهو الحلم؛ ليتبين أن تأخيره للعقوبة من أجل أن يتعرض الإنسان لأسباب مغفرته؛ ولهذا جمع بينهما: غفور حليم، فهو يغفر الذنب لمن تاب منه، وهو يحلم فلا يعاجل عبده بالعقوبة سبحانه وتعالى. وكل هذه الأشياء: اعلموا واعلموا واحذروا وما أشبه ذلك تدل على عظم عقد النكاح، وأنه أمر لا يجوز التلاعب به أبدًا، ولهذا كان النكاح في عقده وحَلِّه جِده جِد، وهزله جِد أيضًا، النكاح ولو كان هُزءًا ينعقد، والطلاق ولو كان هُزءًا يحصل به الفراق، كل ذلك من أجل البعد عن التلاعب في هذا العقد العظيم الذي له خطره. ثم قال تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [البقرة ٢٣٦] نقول في ﴿لَا جُنَاحَ﴾ هنا كما قلنا في الأول: إنها نافية للجنس، و﴿جُنَاحَ﴾ اسمها مبني معها على الفتح؛ لأنه مفرد، وقوله: ﴿جُنَاحَ﴾ أي: إثم. ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ لما كان الإنسان قد يتوهم أنه إذا طلق الزوجة بعد أن عقد عليها أن عليه إثمًا في ذلك، لأيش؟ لأنه كسرها، وربما تتأثر تأثرًا كبيرًا، ليش إن هذا الرجل بعد أن عقد عليها ذهب يطلقها؟ لماذا؟ فينفر الناس منها ولا يتزوجونها، فبين الله عز وجل أن ذلك ليس فيه جناح علينا، إذا طلقنا المرأة من دون أن نمسها، واضح؟ ولهذا قال: ﴿مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ قوله: ﴿مَا لَمْ﴾ اختلف أهل الإعراب في إعرابها؛ فقال بعضهم: إن (ما) مصدرية ظرفية؛ أي: مدة دوام عدم مسِّكم لهن، وقال بعضهم: إن (ما) شرطية، فهو من باب دخول الشرط على الشرط؛ يعني: لا جناح عليكم إن طلقتم النساء إن لم تمسُّوهن، وهذا يأتي في اللغة العربية كثيرًا؛ أي: كون الشرط الثاني شرطًا في الأول؛ ومنه قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ (٨٦) تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الواقعة ٨٦، ٨٧] فهنا شرط في شرط، ومنه قول الشاعر: إِنْ تَسْتَغِيثُوا بِنَا إِنْ تُذْعَرُوا تَجِدُوا ∗∗∗ مِنَّــــا مَعَاقِــــلَ عِــــزٍّ زَانَهَــــاكَــــــــــــــــرَمُ فيكون الثاني شرطًا في الأول، أيهما السابق؟ * طالب: الثاني. * الشيخ: نعم، إذا دخل شرط على شرط فالسابق الثاني، كلما دخل شرط على شرط فالسابق الثاني، فهنا يقول: إن (ما) شرطية، وإن تقدير الآية: لا جناح عليكم إن طلقتم النساء إن لم تمسوهن. إن طلقتموهن إن لم تمسوهن؛ يعني أنه إذا طلقها بدون مس فلا جناح عليه، والمعنى واحد ولكن الاختلاف في الإعراب. وقوله: ﴿تَمَسُّوهُنَّ﴾ فيها قراءة ثانية: ﴿تُمَاسُّوهُنَّ﴾ ، وكلاهما بمعنًى واحد، والمراد به الجماع، لكن جرت عادة العرب -والقرآن بلسان عربي مبين- أن يكنوا عما يُستحيا من ذكره صريحًا بما يدل عليه، فهنا ﴿تَمَسُّوهُنَّ﴾ فيها قراءتان: ﴿تُمَاسُّوهُنَّ﴾ و﴿تَمَسُّوهُنَّ﴾، ولكل منهما وجه؛ فعلى قراءة ﴿تُمَاسُّوهُنَّ﴾ لأن الجماع مس من الطرفين، فكل من الزوج والزوجة يمس الآخر، أليس كذلك؟ وعليه قوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة ٣]. وأما على قراءة المس الذي لا يفيد إلا وقوع الفعل من جانب واحد فهو أيضًا واضح؛ لأن حقيقة الفاعل مَنْ؟ الزوج، الرجل، فهو ماس، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾ [آل عمران ٤٧] نعم، مريم: ﴿أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾، فجعل المس من جانب واحد وهو الرجل. وعلى هذا فينبغي لنا أن نقرأ بهذا مرة وبهذا مرة، وعلى قاعدة بعض أهل العلم يقولون: إذا اجتمع قراءتان في إحداهما زيادة حرف فينبغي أن نأخذ بما فيها زيادة حرف لأنها أكثر ثوابًا؛ إذ إن الحرف الواحد من القرآن فيه عشر حسنات. فإذا كان كذلك، فإننا نتتبع القراءات التي فيها زيادة حروف ونأخذ بها، نقرأ بها، ولكن هذا القول فيه نظر، بل الصواب أننا نقرأ بهذا مرة وبهذا مرة؛ لأن اختلاف القراءات كاختلاف صفات العبادات، وقد مر علينا أن العبادات الواردة على وجوه متنوعة الأفضل أن تفعل هذه مرة وهذه مرة حتى تأتي بالسنة كلها، هذه أيضًا تفعل هذه مرة وهذه مرة، تقرأ بهذه مرة وبهذه مرة، حتى تأتي بكل الوجوه التي قرأها النبي ﷺ، ولكن يجب عليك أن تتيقن أنه قد قرئ بهذه القراءة، فلا تتخرص، فإذا نسيت فاقرأ ما علمت؛ لأنك لو تقرأ بشيء على سبيل الظن قلت على الله ما لم تعلم، والمسألة خطيرة، إنما من منّ الله عليه بمعرفة القراءات فإن الأفضل أن يقرأ بهذا مرة وبهذا مرة، إلا في حضور العامة، حضور العامة لا، اقرأ بالقراءة التي بين أيديهم، لماذا؟ لأنك لو تقرأ بقراءة خارجة عما في أيديهم ألبست عليهم وحصل في هذا إشكال؛ لأنهم إن اعتقدوا فيك العلم والحفظ قالوا: كيف القرآن كذا يختلف؟ وإلا نسبوك إلى الجهل وعدم المبالاة بكتاب الله عز وجل وقالوا: هذا فلان إمامنا اللي ما يهم فيه غلط ولا ما هي غلط، (...) من باب أولى للعوام. وعلى هذا فنقول: إن الأفضل لا كما قاله بعض أهل العلم أن تتبع القراءات التي فيها حرف زائد على القراءات الأخرى، بل الأفضل أن تقرأ بهذا مرة وبهذا مرة، ومنه قوله في الفاتحة: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة ٤] و﴿مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ نقول الأفضل: نقرأ بهذا مرة وبهذا أخرى لأجل أن نأخذ بكلتا القراءتين. قوله: ﴿أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ يعني: تجمعوا بين الأمرين، بين أن لا تفرضوا لهن فريضة وبين أن لا تمسوهن، فلا جناح عليكم إذا طلقتم المرأة بعد العقد بدون مسيس وبدون تسمية المهر، وتسمية المهر من عدمها لها ثلاثة أوجه: إما أن يسمي المهر ويعيِّنه -وهذا هو الأفضل- بأن يعيِّن الرجل الزوج المهر فيقول: أنا أريد أن أتزوجها بخمس مئة ريال، فيقول الولي: زوجتك ابنتي بخمس مئة ريال؛ هذا مهر مسمًّى، أو يسكت يقول: زوجتك ابنتي، ويقول: قبلتُ، أو يقول: زوَّجتك ابنتي، ويقول الزوج: بشرط أن لا مهر لها، فيشترط عدم المهر، هذه ثلاث صور، إذا عيَّن المهر فالأمر فيه ظاهر ويثبت ما عيَّن، وإذا سكت فهذا هو الذي في هذه الآية: ﴿مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾، وأو هنا على القول الراجح حرف عطف، معطوفة على ﴿تَمَسُّوهُنَّ﴾، وليست كما قال بعضهم: إنها (أو) بمعنى إلا؛ يعني: ما لم تمسوهن إلا أن تفرضوا لهن فريضة؛ فإن هذا ما يستقيم مع الكلام. المهم إذا تزوجها بدون أن يسمي لها مهرًا فهو ما في هذه الآية. إذا تزوجها وشرط عدم المهر فالشرط فاسد، لكن هل يفسد العقد أم لا؟ في هذا قولان لأهل العلم: فقال جماعة من أهل العلم ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية: إن النكاح باطل ولا يصح إذا شرط عدم المهر؛ لأنه إذا شرط عدم المهر فقد خالف قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ ، ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾؛ فيها قراءتان، ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ شرط ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾، فشرط الله الحِل بأن يكون هناك مال، وأيضًا إذا شرط عدم المهر صار ذلك هبة، والهبة خاصة بمن؟ بالنبي ﷺ. وقال بعض أهل العلم -الطائفة الثانية من أهل العلم-: إن النكاح صحيح والشرط فاسد، ويجب لها مهر المثل. ﴿مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ ﴿تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ يعني: كذلك أيضًا لا جناح عليكم في أن يقع منكم هذان الأمران: لم تمسوهن ولم تفرضوا لهن فريضة، وكما قلت في أول الكلام على الآية: إن المرأة قد يكون في قلبها شيء حيث طلقت بعد العقد وقبل الدخول، ولا سيما إذا انضاف إلى ذلك أنه لم يُسمَّ لها مهر؛ فإن الناس قد يقولون: هذه المرأة لا تساوي شيئًا، أليس كذلك؟ قال الله تعالى: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ﴾ قوله: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ﴾ قال بعض المفسرين أو المعرِبين: إن هذه الجملة معطوفة على جملة مقدرة، والتقدير: فطلقوهن ومتعوهن، وأن قوله: (فطلقوهن) مستفاد من قوله: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾؛ لأن معنى ﴿