تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين
وَلَا تَجْعَلُوا۟ ٱللَّهَ عُرْضَةً لِّأَيْمَـٰنِكُمْ أَن تَبَرُّوا۟ وَتَتَّقُوا۟ وَتُصْلِحُوا۟ بَيْنَ ٱلنَّاسِ ۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴿٢٢٤﴾
وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة ٢٢٤].
* الطالب: ألا يعتبر هذا اعتراضًا على الله؟
* الشيخ: ما هو؟
* الطالب: تحديد النسل (...)؟
* الشيخ: لا ما هو اعتراض على الله عز وجل، لكنه خِلاف الأَوْلى، والصحابة كانوا يعزلون والقرآن ينزل، والعَزْل معناه أنه يمنع الحمل.
* طالب: لعِلَّة ظاهرة؟
* الشيخ: لا ما أمرهم الرسول.
* طالب: أقول: لعلة ما عرضوه على الرسول ﷺ فراح (...).
* الشيخ: لا، حديث جابر: «كُنَّا نَعْزِلُ وَالْقُرْآنُ يَنْزِلُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٢٠٧)، ومسلم (١٤٤٠ / ١٣٦) واللفظ له من حديث جابر بن عبد الله.]] لكن هم سألوا الرسول عن العَزْل فقال: «ذَلِكَ الْوَأْدُ الْخَفِيُّ»[[أخرجه مسلم (١٤٤٢ / ١٤١) من حديث جُدامة بنت وهب.]].
فهذا يدل على أن الأولى ترْكُه، وأنه لا ينبغي إلا لحاجة مع أن أهْل العلم يقولون: يحرم على الرجل أن يعزل عن الْحُرَّة إلا بإذنها؛ لأن النَّسل من حقها.
﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾.
* يُستفاد من الآية الكريمة: النهي عن كثرة الأيمان؛ لقوله: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ﴾؛ لأن الآية فيها معنيانِ كما سبق، لكن على قول من يقول: ﴿لَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ﴾ لا تُكثروا الأيْمان به لأجل أن تكونوا من أهل البِرِّ والتقوى والإصلاح، فعلى هذا الرأي يكون في الآية دليل على أنه لا ينبغي للإنسان أن يُكثر الأيْمان بالله، ويدُل لذلك قوله تعالى: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ [المائدة ٨٩].
وعلى الرأي الثاني يُستفاد منها: أنه لا ينبغي للإنسان أو يُنهى الإنسان عن جَعْل اليمين حاجزًا يمنعه عن البر والتقوى والإصلاح، فالمعنى يختلف ولَّا لا؟
يختلف؛ لأن المعنى على الوجه الثاني أن الإنسان إذا حلف على شيء وهو عمل بر، لا يقول: والله ما أفعله؛ لأني حلفتُ على تركه، إذا حلف على فِعل شيء وهو حرام ما يفعله ويقول: لأني حلفت؛ ولهذا قال: ﴿أَنْ تَبَرُّوا﴾ هذا في فِعْل الخير، ﴿وَتَتَّقُوا﴾ في فِعل المحرم، أو في ترك المحرم، ﴿وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ﴾ واضحة.
* ويُستفاد من الآية الكريمة: وجوب احترام الله عز وجل على الوجه الأول؛ لقوله: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ﴾.
* ويُستفاد منها: أن الإنسان إذا حلف على يمين ورأى غيرها خيرًا منها فإنه يفْعل الخير ويُكفِّر عن اليمين؛ لقوله: ﴿أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ﴾.
* ويُستفاد منها: الحث على البِرِّ، ووجهه: أنه إذا كان الله نهانا أن نجعل اليمين مانعًا من فِعْل البر، فما بالك إذا لم يكن هناك يمين؟!
وكذلك الحث على التقوى وعلى الإصلاح.
* ويُستفاد من الآية الكريمة: فضيلة الإصلاح بين الناس؛ لقوله: ﴿وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ﴾ فنصَّ عليه مع أنه من البِرِّ، والتنصيص على الشيء بعد التعميم، وأيش يدل عليه؟ على الاهتمام به والعناية به، ولا ريب أن الإصلاح بين الناس من الأمور الهامة لما فيه من رَأْب الصدع، ولَمّ الشعث، وجمع الشَّمل، وهذا خلاف من -والعياذ بالله- مَنْ يفعلون ما يُوجب القطيعة بين الناس مثل النَّميمة، النميمة تُوجب القطيعة بين الناس؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ نَمَّامٌ».[[متفق عليه؛ البخاري (٦٠٥٦)، ومسلم (١٠٥ / ١٦٨) واللفظ له من حديث حذيفة بن اليمان.]]
* الشيخ: * ويُستفاد منها: إثبات اسمين من أسماء الله وهما السميع والعليم، وما تضمَّناه من صفة، وما تضمناه من حُكم وأثر.
* ويُستفاد منها: تحذير الإنسان مِن المخالفة، وجهه أنه إذا كان الله سميعًا عليمًا فإياكَ أن تخالف ما أمرك به، فإنك إن خالفته بما يُسمع سمعك، وبما يُعلم علِمك، فاحذر الله عز وجل.
* طالب: بالنسبة للرأي الأول في الحلف يقول: لا تجعلوا الله (...).