×

البقرة

الآية ٢٢٣

تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين

نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُوا۟ حَرْثَكُمْ أَنَّىٰ شِئْتُمْ ۖ وَقَدِّمُوا۟ لِأَنفُسِكُمْ ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّكُم مُّلَـٰقُوهُ ۗ وَبَشِّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴿٢٢٣﴾

نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة ٢٢٣]. * يُستفاد من هذه الآية الكريمة: أن النساء حرْث للرجال، بمعنى مَوْضع زراعة. * ويُستفاد من هذه الآية الكريمة: أن الرجل حُرٌّ في هذا الحرث، إن شاء فَعَلَ وإن شاء لم يَفْعَلْ؛ لقوله: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ إلا أنه مُوقَّت في أربعة أشهر على رأي بعض أهل العِلم أو فيما جرى به العرف على رأي آخر. * ويُستفاد من الآية الكريمة: جواز إتيان المرأة في محل الحَرْث من أي جهة؛ لقوله: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾. وهل يُستفاد من الآية الكريمة مشروعية كَوْن الإنسان ينوي بجِماعه الولد؟ * طالب: نعم. * الشيخ: من أين تؤخذ؟ غير ﴿قَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ﴾، في قوله: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ﴾ فجعل الله تعالى الإتيان للحرث، فكأنه إشارة إلى أنه ينبغي للإنسان أن يأتيَ المرأة من أجْل طلب الولد، وقد ذكروا عن أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه أنه ما جَامَعَ إلا بقصد نية الولد أو إلا بقصد الولد. وعلى كل حال الناس يختلفون في هذا، ولا مانع من أن الإنسان يريد بذلك الولد ويريد بذلك قضاء الوطر. * ويُستفاد من الآية الكريمة: أنه يُشرَع للمرء أن يُقدِّم لنفسِه عند الجماع لقوله: ﴿وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ﴾ [البقرة ٢٢٣]. وقد ذكرنا في التفسير معنى قوله: ﴿وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ﴾، وأن من معناها أيش؟ التسمية وإرادة تحصين الفرج، وإرادة الولد، كذا؟ * ويستفاد من الآية الكريمة: أن إتيان المرأة من مصالح الإنسان الخاصة؛ لقوله تعالى: ﴿وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ﴾ فكأن هذا إشارة من الله عز وجل إلى أن المصلحة لنا لا لغيرنا فقدِّم لنفسك. * ويُستفاد من الآية الكريمة: وُجوب تقوى الله؛ لقول الله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾. * ويُستفاد منها: وجوب التمشِّي في معاملة الأهل في إتيانهم وترْكهم على أيش؟ على ما شرع الله؛ لأن ذلك من تقوى الله، فيجب عليك أن تتمشَّى في مُعاشرة أهلك فعلًا وتَرْكًا على ما شرعه الله. * ويُستفاد من الآية الكريمة: إثبات البَعْث، من أين تؤخذ؟ * طالب: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ﴾. * الشيخ: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ﴾. * ويستفاد منها: إثبات رؤية الله، من أين تؤخذ؟ * الطلبة:﴿أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ﴾. * طالب: ما يلزم. * الشيخ: ما يلزم من الملاقاة في النظر؟ * طالب: لا يلزم. * الشيخ: لاقاه، أيش معناه؟ * طالب: قابله. * الشيخ: قابله وأيش اللي بيقابل مغط عيونه، استدل بعض العلماء بهذه الآية على أنها تفيد إثبات رؤية الله؛ لأن الملاقاة الأصل عدم الحاجب، الأصل عدم الحاجب فيكون دالًّا على إثبات رؤية الله. * ويُستفاد من الآية الكريمة: تهديد الإنسان من المخالفة؛ لأنه لما أَمَرَ بالتقوى قال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ﴾. * ويُستفاد من الآية الكريمة: أن من البلاغة إذا أخبرْتَ الإنسان بأمْر هام أن تُقدِّم بين يدي الخبر ما يقتضي انتباهه، من أين؟ * الطلبة: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ﴾. * الشيخ: ﴿وَاعْلَمُوا﴾، ما قال: اتقوا الله فإنكم ملاقوه، قال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ﴾، وهذا مما يَزيد الإنسان انتباهًا وتحسُّبًا لهذه الملاقاة. * ويُستفاد من الآية الكريمة: أن المؤمنين ناجون من أَوْضار هذه الملاقاة؛ لقوله: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾. * ويُستفاد منه: أن البشارة للمؤمنين مُطلقة حيث قال: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ولم يذْكُر المُبَشَّر به. * ويُستفاد من الآية الكريمة: أن البشارة للمؤمنين في الدنيا وفي الآخرة، وجهه عدم التقييد، وقد قال الله تعالى في آية أخرى: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [يونس ٦٤]، وسئل النبي ﷺ عن الرؤيا الصالحة يراها الرجل أو تُرَى له فقال: «تِلْكَ عَاجِلُ بُشْرَى الْمُؤْمِنِ»[[أخرجه مسلم (٢٦٤٢ / ١٦٦) من حديث أبي ذر.]]. * ويُستفاد من الآية الكريمة: تحذِير غير المؤمنين من هذه الملاقاة، من أين تُؤخذ؟ لأنه لما أمَرَنَا أن نعلم بأننا ملاقوه قال: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ يعني: وأنذر غير المؤمنين، وهذا قريب من قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل ٨١]. * الطلبة: يعني: وسرابيل تقيكم البرد. * الشيخ: تقيكم الحر والبرد، فهنا قال: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾. * ويُستفاد من الآية الكريمة: فضيلة الإيمان؛ لأن الله علَّق البشارة عليهم فقال: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾. * ويُستفاد منه: جَواز إتيان الرجل امرأته من دُبرها في قبلها؛ لقوله: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾، وكانت اليهود -عليهم لعائن الله- يقولون: إن الرجل إذا أتى امرأته من دُبُرها في قُبُلها صار الولد أحْوَل، فكذَّبهم الله عز وجل. * طالب: شيخ، ما يؤخذ من قوله تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ حث الرجال على المحافظة على نسائهم؛ لأنه قال: ﴿نِسَاؤُكُمْ﴾ وقال: ﴿حَرْثٌ لَكُمْ﴾؟ * الشيخ: نعم، يُستفاد منها، يستفاد من الإضافة ﴿نِسَاؤُكُمْ﴾، و﴿حَرْثٌ لَكُمْ﴾ يُستفاد منه أنه ينبغي للإنسان أن يُحافظ على هذه المرأة التي أُضيفت له، وعلى أنها حرثه كما يحافظ على حرث أرضه. * ويُستفاد منها أيضًا فائدة أخرى: وهو أنه لا ينبغي للإنسان أن لا يُقلِّل من النسل؛ لقوله: ﴿حَرْثٌ لَكُمْ﴾، وإذا كانت حرثًا فهل الإنسان عندما يحرث أرضًا هل يُقلِّل من الزرع ولَّا يُكثر من الزرع؟ يكثر من الزرع، هذا هو الغالب لا شكَّ، يكثر من الزرع فنقول: هذا أيضًا ينبغي للإنسان أن يكثر من الأولاد ما استطاع. وأما القول بتحديد النسل فإن هذا لا شك أنه من دسائس أعداء المسلمين، يريدون من المسلمين أن لا يكثُروا؛ لأنهم إذا كثروا أرعبوهم، إذا كثروا استغنوا بأنفسهم عنهم، إذا كثروا حرثوا الأرض وشغلوا التجارة، وحصل بذلك ارتفاع للاقتصاد وغير ذلك، فإذا بقوا مستحسرين قليلين صاروا أذِلَّة، وصاروا محتاجين لغيرهم في كل شيء. وما رأيكم في امرأة تقول: أنا أريد أن أتناول حبوب منع الحمل لأنني إذا حملت تعبت، كنت قبل الحمل أصعد إلى السطح وأنزل وأخرج وأجيء، وأجلس بهدوء وأقوم بهدوء، لكن لما حملت كبر البطن وثقُل الولد صرت أتعب، أقوم أنا على جُموعي في العاجِن وأجلس بكل كلافة، والدرج لا أصعدها، وإذا أتى الوَضْع فحدِّث ولا حرج من التعب؟ وأيش نقول؟ أعظم الله أجرك، ما (...) أعظم الله أجرك، لكن نقول: هذا أمر طبيعي، فإن الله يقول: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا﴾ [الأحقاف ١٥] ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ﴾ [لقمان ١٤]. هذا أمر لا بُدَّ منه كيف يجي ولد بدون أي تعب؟! * طالب: ولا تسمح له أن يتزوج غيرها، هي تَبْلع الحبوب ولا تسمح أن يتزوج غيرها. * الشيخ: عجيب، هذا المشكل. * طالب: شيخ، قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ﴾ [البقرة ٢٢٣] إن الملاقاة شاملة للكافر والمؤمن، والرؤية خاصة بالمؤمن؟ * الشيخ: إي نعم، لكن ملاقاة الكافِر قد يحتجب الله عنه بدليل قوله: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين ١٥]. * طالب: إذن ما فيها دلالة؟ * الشيخ: لا فيها؛ لأن الأصل في الملاقاة عدَم الاحتجاب إلا بدليل، شنو يلاقيه بدون نظر؟ * طالب: لكن، هل كل مؤمن يرى الله في الجنة؟ * الشيخ: نعم. * طالب: كل مؤمن؟ * الشيخ: كل مؤمن في الجنة يرى الله. * طالب: أليس في الجنة درجات؟! * الشيخ: إي نعم درجات، لكن يختلفون في رؤية الله، منهم من يراه كل يوم، ومنهم من يراه كل أسبوع أو كل شهر الله أعلم، لكن لا شكَّ أنهم يختلفون، إنما ما من مؤمن إلا يرى الله ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ (٢٤) تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ﴾ [القيامة ٢٢ - ٢٥] ولم يذكر الله وجوهًا أُخرى. ثم قال: ﴿