تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين
وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشْرِى نَفْسَهُ ٱبْتِغَآءَ مَرْضَاتِ ٱللَّهِ ۗ وَٱللَّهُ رَءُوفٌۢ بِٱلْعِبَادِ ﴿٢٠٧﴾
يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱدْخُلُوا۟ فِى ٱلسِّلْمِ كَآفَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا۟ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيْطَـٰنِ ۚ إِنَّهُۥ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ ﴿٢٠٨﴾
(...) لما ذكر حال المنافقين الذين يعجبك قولهم في الحياة الدنيا وهم ألدّ الخصام، والذين إذا تولوا سعوا في الأرض فسادًا، فأهلكوا الحرث والنسل، والله لا يحب الفساد، ذكر حال قوم على ضدهم، وهكذا القرآن كما تقدم لنا مرارًا، القرآن مثاني تُثَنَّى فيه الأمور، فيؤتى بذكر الجنة ثم النار، وبذكر المتقين ثم الفجار، وهكذا لأجل أن يبقى الإنسان في روضة متنوعة ما يكلّ ولا يمَلّ، ثم ليبقَ الإنسان بين الخوف والرجاء، الخوف إذا رأى النار ووعيدَها وعقوبتها، والرجاء إذا رأى الجنة ونعيمها وثوابها، ثم يبقى ينظر إلى حال الناس جميعًا، أهل الخير وأهل الشر كأنهم أمامه في المرآة، بخلاف ما لو كانت السياقات واحدة، ثم انتهى الكلام عن أحوال هؤلاء كلهم، ثم ابتدأ بالكلام في أحوال الآخرين، فترتيب القرآن لا شكَّ أنه من لدن حكيم خبير سبحانه وتعالى، وأنه هو الموافق لإصلاح القلوب، ولهذا نرى أنه ليس من المستحسن، بل إنه من الذي نرى أنه مُحرَّم، هؤلاء الذين جمعوا آيات القرآن المتناسبة، جمعوا بعضها إلى بعض كما يوجد في تفصيل آيات القرآن الحكيم للذي كتب المعجم المفهرِس لآيات القرآن، المعجم المفهرس سليم لا بأس به، لكنه كتب كتابًا آخر تفصيل آيات القرآن الحكيم، وجمع آيات التوحيد جميعًا، وآيات الصلاة جميعًا، وآيات الزكاة جميعًا، وآيات المتقين جميعًا، إلى آخره، وقرآن مصحف لكنه مرتّب بحسب المعاني، هذا في الحقيقة لا يَرِد، ونرى أنه إلى التحريم أقرب؛ لأنه إخراج لكتاب الله سبحانه وتعالى عن ترتيبه الذي رُتّب عليه، والترتيب بين الآيات اجتهادي ولّا توقيفي؟
* الطلبة: توقيفي.
* الشيخ: توقيفي، هنا قال: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ﴾ [البقرة ٢٠٤]، ثم قال: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ﴾ [البقرة ٢٠٧]
* طالب: (...).
* الشيخ: هذا كتاب مصنف.
* طالب: جمَّع الآيات..
* الشيخ: إي.
* الطالب: جمَّع، بوَّب إلى آخر المصحف.
* الشيخ: إي إلى آخر المصحف.
* الطالب: أصل فيه كثير من التصانيف تخرج..
* الشيخ: فيه كثير من التصانيف مثلًا كما نرى في آيات الصلاة (...)الأحكام هذه ما فيها شيء.
* طالب: (...) القرآن (...).
* الشيخ: إيه هذا (...).
* طالب: (...).
* الشيخ: على كل حال لا يجوز إخراج القرآن يعني يُؤلَّف كله على هذا التفصيل إلا على ما جاء به كتاب الله.
* طالب: فيه الآن تفسير موضوعي، يعني كل موضوع يجمع جميع الآيات التي وردت في هذا الموضوع..
* الشيخ: ما فيه مانع هذا؛ لأنه مجزأ، يعني يأخذ الموضوع المتَّحِد ويحطه في كتاب مستقل، ما فيه شيء هذا، وما زال العلماء يفعلونه مثل كتاب تفسير آيات الأحكام للجصّاص وغيره موجودة والقرطبي، هذا جمع القرآن كله في مصحف، وخلّى ها الآيات هذه لحالة وهذه لحال وهذه لحال.
* طالب: كما لو أعاد ترتيبه.
* الشيخ: إن كان مرتبًا من جديد.
* الطالب: (...) القرآن (...).
* الشيخ: كل واحد يا أخي، ما دام إن القرآن كله موجود على هذا الترتيب، فمعنى ذلك أن فيه شبه اعتراض على الترتيب الإلهي.
* طالب: (...) إذا أراد أن يرجع يريد أن ينظر (...) مثل يجد شيء..
* الشيخ: هذه مشكلة.
* الطالب: لا بد (...).
* الشيخ: ما يخالف، نحن نقول: لو أنه قال باستثناء جزء في قصة موسى، وكتب كلمة واحدة في قصة موسى لا بأس، جزأها منفردة، لكن كونه يكتب جميعًا ومشكَّلًا كأنه مصحف (...) هذا لا يصح، ما يجوز، ويش معنى أنه توقيفي الترتيب؟
* الطالب: لا، هو أصلًا (...) لا أنه فعله على أنه قرآن.
* الشيخ: يعني ويش الفرق؟ تسمية فقط؟
* الطالب: لا، هو (...).
* الشيخ: لا يا أخي، ما أظن أبدًا (...).
* الطالب: هذا يسمونه التفصيل..
* الشيخ: إي، ما يجوز، اجعل مثلًا موضوعًا معينًا لا بأس، نوافقك في هذا، أما أن تُرتّب القرآن كله من أوله إلى آخره ترتبه على ما تريد أنت، فهذا حرام سمِّه ما شئت.
المهم قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ﴾ هذا هو القسيم الثاني، أول قسيم لقوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ﴾ فعلى هذا تكون (مِن) للتبعيض ﴿مِنَ النَّاسِ﴾، و(مَن) مبتدأ، والجار والمجرور قبله خبره، وقال بعض أهل النحو: إن (مِن) التبعيضية اسم؛ لأنها بمعنى (بعض)، وعليه فتكون هي مبتدأ، وتكون ﴿مَنْ يَشْرِي﴾ خبره.
وقوله: ﴿مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ﴾ أي: يبيعها؛ لأن (شَرَى) بمعنى (باع)، كقوله تعالى: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾ [يوسف ٢٠]، شروه يعني باعوه بثمن بخس، أما (اشترى) فهي التي تأتي بمعنى ابتاع، فإذا جاءت التاء فهي للمشتري، للآخِذ، وإذا حُذفت التاء فهي للبائع المعطي.
﴿مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾، يعني ذاته، يعني يبيع نفسه، ﴿ابْتِغَاءَ﴾ مفعول من أجله، أي: طلب. ﴿مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ أي: رضوانه، أي يبيع نفسه في طلَب رضا الله عز وجل، فيكون قد باع نفسَه مخلصًا لله عز وجل في هذا البيع.
ثم قال: ﴿وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾، كلمة ﴿مِنَ النَّاسِ﴾ هل تعني شخصًا معينًا أو هي عامة؟
قال بعض المفسرين: إنها تعني شخصًا معينًا وهو «صهيب الرومي لما أراد أن يهاجر من مكة منعه كفار مكة، وقالوا: ما يمكن تهاجر أبدًا إلا أن تدعَ لنا جميع ما تملك، فنحن نأذن لك بالهجرة؛ فوافق على ذلك، وأنقذ نفسه بالهجرة ابتغاء مرضاة الله »[[أخرجه ابن حبان (٧٠٨٢) من حديث أبي عثمان النهدي.]].
وقال بعض العلماء: بل هي عامة، وهم أكثر المفسرين، عامة لكل المؤمنين المجاهدين في سبيل الله، قالوا: ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ﴾ [التوبة ١١١]، وهذا القول أصح؛ أنها للعموم، حتى لو صحَّ أن سبب نزولها قصة صهيب فإن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ يعنى معناه أن هؤلاء الذي باعوا أنفسهم ابتغاء مرضاة الله فإن الله تعالى يشملهم برأفته؛ لقوله: ﴿وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾، قال العلماء: والرأفة أرقّ الرحمة، يعني أعلى درجات الرحمة في الرقة، إذن فهي رحمة في غاية ما يكون من الرقَّة فتكون رأفة، فمن أسماء الله تعالى الرؤوف، ومن صفاته الرأفة؛ لأن كل اسم من أسماء الله فهو دالّ على صفة أو صفتين أو أكثر كما مرّ.
وقوله: ﴿بِالْعِبَادِ﴾ (أل) هنا للعموم، فهي نائبة منابَ (كل)، أي: بكل العباد، والمراد بالعباد هنا من كانوا عبيدًا له بالمعنى القدَري لا بالمعنى الشرعي، فرأفة الله تعالى ورحمته شاملة لكل أحد، لكن مَن كان مؤمنًا حصلت له الرأفة الخاصة والعامَّة، ومن كان غير مؤمن فله الرأفة العامة، واعلم أن العبوديّة لها معنيان: خاص، وعام؛ والخاص له أخص وهو خاصّ الخاص، فمن العام قوله تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم ٩٣]، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ [الحجر ٤٢]، على القول بأن المستثنى هنا متصل، وأما إذا قيل: إنه منقطع، فإن قوله: ﴿إِنَّ عِبَادِي﴾ من القسم الخاص.
وأما الخاص فمِثل قوله تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ [الفرقان ٦٣]، مَن المراد بهم، كل العباد؟ لا، عباد الرحمن المتصفون بهذه الصفات فيخرج من لم يتصف بها.
والذي أخص مثل قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾ [الفرقان ١] هذه عُبودية أخصّ عبودية الرِّسالة.
يقول الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ [البقرة ٢٠٨]، قوله: ﴿رَءُوفٌ﴾ عندي فيها قراءة ثانية وهي: ﴿رَءُفٌ﴾، بدون واو ﴿وَاللَّهُ رَءُفٌ بِالْعِبَادِ﴾.
يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [البقرة ٢٠٨]، ﴿السِّلْمِ﴾ فيه قراءتانِ: ﴿السَّلْمِ﴾، و﴿السِّلْمِ﴾، و﴿خُطُوَاتِ﴾ فيها قراءتان: ﴿خُطُوَات﴾ بضم الطاء، و﴿خُطْوَات﴾ بسكون الطاء.
قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الخطاب للمؤمنين، وقد تقدّم أن الله تعالى إذا ابتدأ الحكم بالنداء فهو دليل على العناية به؛ لأن المقصود بالنداء تنبيه المخاطب، ولا يقتضي التنبيه إلا ما كان مُهِمًّا، الآن لو أقول: انتبه، يكون أقل مما لو قلت: يا فلان انتبه؛ لأن الخطاب له للتنبُّه، فالنداء الحكم الْمُصدَّر بالنداء يدل تصديره بذلك على أنه هامّ، ولهذا صُدِّر النداء الموجب للتنبه، ثم إذا كان الخطاب للذين آمنوا فإن في ذلك ثلاث فوائد كما سبق، الفائدة الأولى؟
* طالب: أن هذا المشار إليه من شأنه أو من (...) يتصف به.
* الشيخ: أن امتثال هذا الأمر من مقتضيات الإيمان، الفائدة الثانية؟
* طالب: ما ينهاهم عنه هو شر ولا..
* الشيخ: لا.
* طالب: الحث والإغراء.
* الشيخ: نعم، صح، الحث والإغراء؛ لأنك لو قلت: يا مؤمن، تحثه؛ لأن بمقتضى إيمانه يفعل، مثل ما لو قلت: يا أيها الكريم جُد على الفقير، هذا مقصوده الإغراء بكرمه حتى يتذكر صفته وهي الكرم، هذا حتى يتذكر صفته وهي الإيمان.
الفائدة الثالثة: أن فعل هذا إن كان أمرًا من كمال الإيمان، وتركه من نقص الإيمان، وفِعله (...) ينقِّص الإيمان، واجتنابه لله يزيد في الإيمان، هنا نشوف الآية اللي معنا أمر ولا نهي؟ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ويش بعده؟ أمر ﴿ادْخُلُوا﴾، فيكون الدخول في السلم من مقتضيات الإيمان، ويكون الدخول في السلم مُكمِّلًا للإيمان، ويكون عدم الدخول في السلم مُنقِّصًا للإيمان، كل هذا استفدناه من الخطاب بـ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾.
قال: ﴿ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ﴾ السِّلْم والسَّلْم بمعنى الإسلام، وهو الاستسلام لله تعالى ظاهرًا وباطنًا، فإن قال قائل: كيف يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ﴾ ونحن قد عرفنا من قبل أن الإيمان أكمل من الإسلام؛ لقوله تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات ١٤]، فكيف يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ﴾؟ قلنا: إن هذا الأمْر مقيد بما بعد قوله: ﴿فِي السِّلْمِ﴾ وهو قوله: ﴿كَافَّةً﴾، فهنا يتوجَّه الأمر، أو إلى هنا عند ﴿كَافَّةً﴾ يتوجه الأمر، يعني: نفِّذُوا أحكام الإسلام جميعًا، لا تُفرطوا في شيء منها؛ لأن هذا مقتضى كمال الإيمان، فيكون هنا الأمر مُنصبّ على مجرد الدخول في السِّلم ولّا منصب على قوله ﴿كَافَّةً﴾؟ على قوله ﴿كَافَّةً﴾.
وقوله: ﴿كَافَّةً﴾، ﴿كَافَّةً﴾ اسم فاعِل يُطلق على من يَكُفّ غيرَه، فتكون التاء فيه للمبالغة مثل راوِية، وساقِية، وعلَّامة، وما أشبهها، فالتاء هنا في هذه الأمثلة الثلاثة ساقِية، وراوِية، علَّامة للمبالغة، فيقول ﴿كَافَّةً﴾ بمعنى كافّ، وتكون ﴿كَافَّةً﴾ بمعنى كافّ، والتاء للمبالغة، قالوا: ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾ [سبأ ٢٨] ﴿كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾، معناها أي: كافًّا لهم، كافًّا لهم عما يضرهم، ﴿لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [إبراهيم ١]، فمعنى كافة أي: كافًّا لهم عما يضرهم، والتاء هنا للمبالغة، ومثَّلوا لذلك أيضًا بقوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾ [التوبة ٣٦]، وقالوا: إن قاتلوهم كافة أي: كافين لهم عن الشرك كما يقاتلونكم كافّين لكم عن الإسلام؛ لقوله: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النساء ١٦٧] ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [الفتح ٢٥]، فهم يقاتلوننا ليكفُّونا عن ديننا فنحن نقاتلهم لنكفهم عن الشِّرْك والكفر، وتطلق (كافة) بمعنى الجماعة، مثل العامَّة، كما يُقال: كافة الناس أي: عامّتهم وجماعتهم، ووجه ارتباطها بالمعنى الأصلي اللي هو الكف أن الجماعة لها شوكة ومنعَة تكُفّ بجمعيتها من أرادها بسوء، لهذا سُمِّيت الجماعة كافة.
* طالب: كافة الناس..
* الشيخ: مثل كافة الناس وعامة الناس أي جماعتهم. قالوا: ومنه:«بُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ...»[[أخرجه البخاري (٣٣٥) من حديث جابر بن عبد الله بلفظ: «وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً»، وأخرجه أيضًا من حديثه (٤٣٨) بلفظ: «وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ كَافَّةً».]] كَافَّة ولّا عامة؟
* طالب: كافة.
* طلبة: عامة.
* الشيخ: عامة، لكن وأرسلناك كافة للناس.
* طالب: (...).
* الشيخ: وأرسلناك.
* طالب: (...).
* الشيخ: (...) على كُلّ حال يقال: أُرسل النبي ﷺ إلى الناس كافة، كافة يعني جميعًا، هنا ﴿ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾، هل المراد ادخلوا في السلم جميعًا وتكون (كافَّة) حالًا من السِّلم، أو ادخلوا أنتم جميعًا في السِّلْم وتكون ﴿كَافَّةً﴾ حالًا من الواو في قوله: ﴿ادْخُلُوا﴾، أيهما أقرب؟ الأقرب المعنى الأول؛ لأننا لو قلنا بالمعنى الثاني: ادخلوا جميعًا في السلم، صار معنى ذلك أن بعضَ المؤمنين لم يدخل في الإسلام، وحينئذٍ فلا يصح أن يتوجه إليه النداء بوصف الإيمان، والمعنى الثاني هو الصواب أن ﴿كَافَّةً﴾ حالٌ مِن السِّلم، مِن السِّلم، يعني: ادخلوا في الإسلام كله جميعًا لا تدعوا شيئًا من شعائره، وهذا هو المعنى الصحيح للآية، وهو الذي ينطبق على مقتضى الإيمان؛ لأن مقتضى الإيمان أن يقوم الإنسان بجميع الشرائع، ما يأخذ بشريعة ويدع شريعة.
* طالب: يقولون من قرأ ﴿السَّلْم﴾ تكون بمعنى الصلح، وقرأتها في تفسير السَّلْم معناه الصلح؟
* الشيخ: نعم، الصواب أن معناهم كله واحد، إنه المراد بها الإسلام، لكنها تأتي بمعنى الصلح صحيح، مثل قوله تعالى: ﴿فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾ [محمد ٣٥] هذا صحيح.
يقول: ﴿ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ [البقرة ٢٠٨] أمْر بعده نهي؛ لأن اتباع خطوات الشيطان يخالف الدخول في السلم كافة، ﴿لَا تَتَّبِعُوا﴾ المعنى واضح فيها يعني: لا تتبعوها، و﴿خُطُوَاتِ﴾ جمع خطوة، ويصلح فيها: (خُطْوَاتِ) و(خُطُوَاتِ)، والخطوة هي عبارة عن مُنتهى نقْل القدم عند المشي، هذه الخطوة، مُنتهى نقْل القدم عند المشي، تمشي مثلًا نَقْلك قدمك من هذا إلى هذا يسمى الخُطوة، والمعنى ظاهر أننا لا نتبع الشيطان في سيره، لماذا؟ لأن الله بيَّن في آية أخرى أن الشيطان يأْمُر بالفحشاء والمنكَر، وما كان كذلك فإنه لا يمكن أن يُتَّبع، هل يرضى أحد أن يتبع الفحشاء والمنكر؟ لا، أيضًا الشيطان لنا عدو كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ﴾ [الأعراف ٢٢]، ثم قال: ﴿فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾، إذا كان عدوًّا لكم اتخذوه عدوًّا، إذن هل أحد من العقلاء يتبع عدوه؟
* طلبة: لا.
* الشيخ: ما أسمع إلا صوتين ضعيفين كأنكم كنتم تستخيرون الله في الجواب؟
* الطلبة: لا.
* الشيخ: ما أحد يتبع عدوه، لا أحد يتبع عدوه، واضح؟ طيب إذا كان الشيطان يأمر بالفحشاء والمنكر، وكان عدوًّا لنا، فليس من العقل فضلًا عن مقتضى الإيمان أن يُتابعه الإنسان في خطواته، طيب، ما هي خطوات الشيطان؟ إذا قال قائل: بيّنوا لنا خطوات الشيطان؟ نقول: بيّنها الله عز وجل، يأمر بالفحشاء وهي عظائم الذنوب، والمنكر، فكل معصية فهي من خطوات الشيطان، سواء كانت تلك المعصية من فِعْل المحظور أو من ترْك المأمور، فإنها من خُطوات الشيطان، لكن هنا أشياء بيّن الرسول ﷺ أنها من فِعْل الشيطان، نصَّ عليها بعينها مثل: الأكل بالشمال، والشُّرب بالشمال، والأخْذ بالشمال، والإعطاء بالشمال، هذه بيّن الرسول ﷺ أنها من فِعْل الشيطان، وكذلك الالتفات في الصلاة اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العَبْد، فهذه منصوص عليها بعينها واضحة، وغير المنصوص عليها نقول: كل معصية فهي من خطوات الشيطان.
وقوله: ﴿الشَّيْطَانَ﴾ تقدم لنا هل هو مُشتق من (شَطَنَ) أو من (شاط)، من (شطن) بمعنى بعُد لبعده عن رحمة الله، أو من (شاط) بمعنى غضِب وحمق؛ لأنه هو لا شك أنه أحمق ما يكون من عباد الله.
* طالب: (...) هل هو من خطوات الشيطان؟
* الشيخ: لا، هو لا شك أنه من وساوس الشيطان، أما أن نقول: إنه من خطوات الشيطان فإن ظاهر الآية الكريمة أنه ليس منه؛ لأنه قال: ﴿لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [النور ٢١].
وقوله: ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [البقرة ١٦٨]، هذه الآية مُؤكَّدة بمؤكِّدين: (إنَّ) واللام؛ كذا؟
* طلبة: نعم.
* الشيخ: متأكدون؟
* طلبة: بمؤكدين غير اللام.
* الشيخ: بمؤكدين وهي إن واللام.
* طلبة: لا.
* الشيخ: (إن) ويش؟
* طلبة: إن واللام.
* الشيخ: لا.
* طالب: تقديم الخبر.
* الشيخ: لا ما فيها، فيها تأكيد واحد، وهي (إن)، لكن فيها تأكيد معنوي بغير الحروف المؤكدة وهو قوله: ﴿عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾.
وقوله: ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ ﴿إِنَّهُ لَكُمْ﴾ كأن الشيطان ما جُعِل عدوًّا إلا لنا لبني آدم، ولا شك أنه عدو لنا بخبر الله عز وجل، وهو دليل نظري (...) أثري واضح، وبالدليل العقلي النظري؛ لأن الشيطان ما استحق اللعنة إلا لعدم خضوعه لأبينا بأمْر الله، فهذا الذي طُرد وأُبْعِد عن رحمة الله بسبب أبينا بسبب عدم السجود لأبينا يصير عدوًّا لنا ولّا لا؟ نعم؛ لأنه هنا بيقول: هذه هم اللي كانوا سببًا للطرد والإبعاد عن رحمة الله واستحاق اللعنة، فلهذا كان عدوًّا لنا بمقتضى الدليل السمعي ويش بعد؟ والعقلي.
وقوله: ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ كلمة (مُبِين) مُفعِل يجوز أن تكون من (أبان) بمعنى (أظهر)، ومن (أبان) بمعنى (بان)؛ لأن بانَ يَبِين فهو بَيِّن؛ وأبان يُبين فهو مُبِين، بمعنًى واحد، إلا أن (أبان) الرباعية تأتي بمعنى (أظْهَر) لا بمعنى (ظَهَرَ).
* طالب: (...).
* الشيخ: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ﴾ [الواقعة ٧٧].
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، إنه في سورة يس؟ ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ (٦٩) لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا﴾ [يس ٦٩، ٧٠] ﴿قُرْآنٌ مُبِينٌ﴾ هنا بمعنى بيِّن ولّا مُظْهر؟ ﴿قُرْآنٌ مُبِينٌ﴾ يعني: مُظهِر، الدليل قوله: ﴿لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [يس ٧٠]، وأما (مُبين) بمعنى بيِّن فمثل قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [آل عمران ١٦٤] يعني بيِّن، طيب وكلمة (مبين) هنا ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ هي بمعنى بيِّن أو بمعنى مُظْهِر؟ يعني بمعنى ظاهر ولّا بمعنى مُظْهِر؟
* طلبة: ظاهر.
* طالب: (...).
* الشيخ: ظاهِر ومُظهِر أيضًا، ظاهر ومظهر؛ لأن كونه يأمرنا بالفحشاء والمنكر معناه أنه أظْهَر العداوة، وكذلك كونه لم يسجد لأبينا ويقول: إنه خير منه، هذا أيضًا أظهر عداوته، فهو صالح للأمرين، طيب ومن هو العدو؟ ويش هو العدو؟ العدو من المعاداة، وهي البُعد والتنافر، قال الفقهاء: ومَن سرَّه مَساءة شَخْص أو غمَّه فرحه فهو عدُوّه، يعني: عدوك من يحزن لسرورك ويُسَرّ لحزنك، هذا عدو، نعم هذا هو العدو، الشيطان هو كذلك؟ نعم، الدليل: ﴿إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [المجادلة ١٠]، وفي قوله: ﴿لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ ختم الآية بهذه أو ختم هذا النهي بهذه الجملة فيه فائدتان: الفائدة الأولى: تعليل الحُكْم السابق، والفائدة الثانية: التحذير من اتباع خطوات الشيطان.
ثم قال الله عز وجل: ﴿