تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين
وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱتَّبِعُوا۟ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ قَالُوا۟ بَلْ نَتَّبِعُ مَآ أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ ءَابَآءَنَآ ۗ أَوَلَوْ كَانَ ءَابَآؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْـًٔا وَلَا يَهْتَدُونَ ﴿١٧٠﴾
وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ [البقرة ١٧٠].
﴿إِذَا قِيلَ لَهُمُ﴾ (قيل) هذه مبنية للمجهول، وأصلها؟
* طالب: (قال).
* الشيخ: لا، أصلها؟
* طالب: (قَوَلَ).
* طالب: (قَوَلَ)، أو (قُول).
* الشيخ: (قَوَلَ)، قَوَلَ أصل (قال).
* طالب: (قُوِلَ).
* الشيخ: (قُوِلَ) أو لا؟ مثل: ضُرِبَ، هذا أصلها، لكن صار فيها إعلال، وهي أن الواو مكسورة فقلبت ياء، ثم كسر ما قبلها للمناسبة فقيل: قيل. ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ﴾ أي: لمن؟
* طالب: الذين قالوا على الله.
* الشيخ: لا.
* طالب: للكفار.
* الشيخ: للكفار ﴿إِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ اتبعوا: يعني خذوا به فعلًا للمأمور وتركًا للمحظور.
وقوله: ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ (ما) اسم موصول يفيد العموم، والله تعالى أنزل على رسوله محمد ﷺ الكتاب والحكمة، وقد قال كثير من أهل العلم: إن المراد بالحكمة السنة.
﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ في ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ قلنا: إنها اسم موصول، واسم الموصول يحتاج إلى صلة وعائد، الصلة هي قوله: ﴿أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ أين العائد؟
* طالب: محذوف.
* الشيخ: العائد محذوف، تقديره: ما أنزله الله، إذا قيل لهم هذا القول لا يلينون ولا يقبلون بل يُكابرون. ﴿قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ﴾ (بل) هذه للإضراب الإبطالي؛ يعني قالوا مبطلين لهذا القول الذي قيل لهم: ﴿بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ (ما) أي الذي فهو اسم موصول، (ألفينا) وجدنا، كما قال تعالى في آية أخرى: ﴿قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ [لقمان ٢١].
والقرآن يفسر بعضه بعضًا، وقد ذكرنا فيما سبق في قواعد التفسير أننا نرجع في تفسير القرآن إلى القرآن، ثم السنة، ثم أقوال الصحابة، ثم بعد ذلك قول كبار التابعين المعتنين بالتفسير كمجاهد وقتادة ونحوهما على خلاف في هذا في المسألة الثانية في مسألة التابعين.
وقوله: ﴿مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ أي ما وجدناهم عليه من الهدى ولَّا من الضلال؟
* الطلبة: من الضلال.
* الطلبة: من العمل.
* الشيخ: من العمل حقًّا كان أو باطلًا.
وقوله: ﴿مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ ﴿آبَاءَنَا﴾ المراد بهم آباء الصلب والأجداد أيضًا حتى ما توارثوه عن أجدادهم داخل في ذلك، هذا هو الجواب، وهو جواب غير سديد، بل هو جواب باطل خطأ، ولهذا أبطله الله عز وجل في قوله: ﴿أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾. ﴿أَوَلَوْ كَانَ﴾ نشوف مصطفى يعرب لنا ﴿أَوَلَوْ كَانَ﴾؟
* الطالب: الهمزة للاستفهام، كلها أو.
* الشيخ: (أوَ) كلها للاستفهام؟
* الطالب: إي.
* الشيخ: نعم، و(لَوْ)؟
* طالب: (لو) أداة امتناع.
* الشيخ: أداة امتناع؟
* الطالب: إي.
* الشيخ: إي نعم.
* الطالب: أداة امتناع لوجود.
* الشيخ: لوجود؟
* الطالب: إي نعم.
* الشيخ: ما تقولون في الإعراب؟ الهمزة؟
* طالب: الهمزة للاستفهام.
* الشيخ: أوْ (أوَ)؟
* الطالب: لا الهمزة فقط.
* الشيخ: فقط؟
* الطالب: إي، والواو للعطف، وقدم الاستفهام على العطف، ففيه مذهبان لعلماء النحو إما أن يجعل التجوز في الفعل.
* الشيخ: ما فيه التجوز إما أن يجعل.
* الطالب: إي؟
* الشيخ: ما فيه التجوز.
* الطالب: يعني إما أن نقدر فعلًا مثلًا: إما أن نقدر فعلًا فنقول: إما أن يكون على المذهب الأول إما أن تكون الاستفهام قدم على أصلها (وأولو كان) فقدم الاستفهام على العطف هذا.
* الشيخ: هذا رأي.
* الطالب: هذا رأي، ورأي ثاني: أن نقدر فعل مناسب بعد الهمزة.
* الشيخ: وتكون الواو حرف عطف على هذا الفعل، على ذلك فعل المقدر، كيف نقدره هنا على هذا الرأي؟
* طالب: فيتْبَعون.
* الشيخ: أيتَّبِعون؟
* الطالب: أيتَّبِعون ولو كان آباؤهم.
* الشيخ: ولو كان آباؤهم، طيب ولو؟
* الطالب: ولو هنا شرطية.
* الشيخ: زين، أين فعل الشرط؟
* الطالب: فعل الشرط محذوف.
* الشيخ: وأيش التقدير؟
* الطالب: التقدير فاتبعونه أو كما هداهم.
* طالب: فعل الشرط كان.
* الشيخ: فعل الشرط كان، صح.
* طالب: وجواب الشرط محذوف.
* الشيخ: وجواب الشرط محذوف على أنه مشهور.
* الطالب: أو ما يحتاج.
* الشيخ: أو لا يحتاج على القول الثاني.
يقول عز وجل: ﴿بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ﴾ في هذه الحال التي لا يستحقون أن يتبعوا ﴿لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا﴾ لا يعقلونه المراد بالعقل هنا: عقل التصرف، لا عقل الإدراك؛ لأننا ذكرنا فيما سبق أن العقل عقلان: عقل تصرف، وعقل إدراك، فعقل الإدراك هو مناط التكليف الذي يتكلم عليه الفقهاء ويقولون: من شرط وجوب كذا وكذا أن يكون عاقلًا، أما عقل التصرف فهو محل المدح والثناء؛ بمعنى أن يكون لدى الإنسان عقل يمنعه عما يضره، فهنا أيّ العقلين يراد؟
* الطلبة: التصرف.
* الشيخ: عقل التصرف، فآباؤهم أذكياء، وآباؤهم يدركون ما ينفعهم ويضرهم، لكن ليس عندهم حسن تصرف.
وقوله: ﴿لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا﴾ أي لا يتصرفون (...) عاقل بحيث يُدركون ما ينفعهم ويضرهم فيتبعون ما ينفعهم ويدعون ما يضرهم.
وقوله: ﴿شَيْئًا﴾ نكرة في سياق النفي، والنكرة في سياق النفي للعموم، فإذا قال قائل: إذا كانت للعموم فمعنى ذلك أنهم لا يعقلون شيئًا حتى من أمور الدنيا مع أنهم في أمور الدنيا يحسنون التصرف، أليس كذلك؟
* الطلبة: بلى.
* الشيخ: فهم يبيعون ويشترون ويتحرون الأفضل والأحسن لهم، فيقال: هذا ليس بشيء بالنسبة إلى ما يتعلق في أمور الآخرة، ليس بشيء بالنسبة لما يتعلق بأمور الآخرة، أو يقال: إن المراد بهذا العموم الخصوص؛ لأن المقام هنا مقام منهاج، منهاج وعمل ليس مقام دنيا وبيع وشراء ﴿اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ﴾ فيكون المراد هنا المراد بكلمة ﴿شَيْئًا﴾ اللي هي عامة وأيش المراد؟
* الطلبة: أمور الآخرة..
* الشيخ: شيئًا من أمور الآخرة، وكلا الأمرين يرجعان إلى معنى واحد، أو كلا الاحتمالين يرجعان إلى معنى واحد، لكن هل نقول: الفرق، هل نقول: إن ﴿شَيْئًا﴾ أريد بها العموم أصلًا، لكن خرجت منها أمور الدنيا؛ لأنها تافهة ليست بشيء، أو نقول: إن أمور الدنيا لم ترد بها أصلًا؛ لأن المقام هنا في مقام عمل ومقام آخرة.
وقوله: ﴿وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ لا يعقلون ولا يهتدون، إذا قيل: إذا فسرتم العقل بأنه عقل الرشد فهو الاهتداء، فكيف يجمع بينهما؟ قلنا: الجمع بينهما أن العقل بالنسبة للتصور وحسن الإرادة والاهتداء بالنسبة للعمل والسلوك؛ يعني هم لا يهتدون فيعملون عملًا يكون هداية وليسوا أيضًا يعقلون فيدركون إدراكًا يتصرفون فيه تصرفًا نافعًا لهم، هؤلاء الذين بهذا الوصف لا يعقلون ولا يهتدون هل يستحقون أن يُتبعوا؟
* الطلبة: لا.
* الشيخ: لا، ولهذا جاءت همزة الإنكار في قوله: ﴿أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾. وسنتكلم إن شاء الله على فوائد هذه الآية بما يدل على أن كثيرًا من أهل الضلال الذين يتعصبون لأئمتهم داخلون في هذه الآية ﴿إِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾.
يقولون: ﴿بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ حتى ولو كان آباؤهم في هذا الوصف الذي لا يعقلون فيه ولا يهتدون فهم يتبعونهم، ولا يقولون: هو نافع ولَّا ضار يتبعونه في كل حال، فما هو أقرب شبه لهؤلاء؟ أقرب شبه الآية التي بعدها: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً﴾ [البقرة ١٧١] يعني كمثل الراعي، الراعي الذي ينعق ينادي بما لا يسمع إلا دعاء ونداء، ما هو الذي لا يسمع إلا دعاء ونداء ولا يفهم؟
* الطلبة: البهائم.
* الشيخ: البهائم، الماشية، فهؤلاء مثلهم كمثل إنسان يدعو بهائم ما تفهم إلا الصوت. ﴿دُعَاءً وَنِدَاءً﴾ الدعاء: إذا كان يدعو شيئًا معينًا باسمه، والنداء العام تكون للعام؛ لأن البهائم الآن، فيه بهائم يسميها الإنسان باسمها بحيث إذا ناداها بهذا الاسم أقبلت إليه، توافقون على هذا؟
* الطلبة: إي نعم.
* الشيخ: نعم، إذا ناداها بهذا الاسم أقبلت إليه، وفيها النداء العام لجميع البهائم، هذا ما يختص به واحد دون الآخر، وأظن ما يحتاج إلى التمثيل به؛ لأنه معلوم لديكم، فراعي الإبل مثلًا يدوهي لها والدوهات نداء ولَّا دعاء؟
* الطلبة: نداء.
* الشيخ: نداء لأنه عام، ولهذا تُقبل إليه الإبل جميعًا، لكن إذا كان مثلًا إذا كان له ناقة مسميها باسم خاص، وقال لها: يا فلانة. تأتي إليه من بين سائر الإبل، وهذا شيء معروف، لكن مع ذلك هل تأتي على أساس أنها تعقل وتفهم وتهتدي ربما يناديها لأجل أن يذبحها تشوف السكين معه ويناديها وتجي، أليس كذلك؟
* الطلبة: بلى.
* الشيخ: هؤلاء مثلهم، الكفار مثلهم في كونهم يتبعون آباءهم بدون أن يفهموا هذا المعنى الذي هذه الحال التي عليها آباؤهم.
﴿كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً﴾ وما أكثر المشابهين للكافرين في ذلك! ما أكثر الذي يتبعون الداعي والمنادي وهم كالبهائم لا يعقلون ولا يفكرون، فالدعوة إلى العصبية والقومية وما أشبه ذلك من هذا النوع ولَّا لا؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: من هذا النوع، لا يفكر الدعاة لها ماذا يترتب عليها من تفريق المسلمين وتمزيق كلمتهم وكونهم يجعلون الرابطة هي أيش؟
* طالب: اللغة (...).
* الشيخ: اللغة والقومية، لكن الرابطة الدينية التي قال الله فيها: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات ١٠] ولم يقل: إنما العرب إخوة، قال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ هذه تدخل لك جميع المؤمنين ولو كانوا غير عرب أو لا؟ وتخرج من ليس بمؤمن ولو كان عربيًّا، هذا إبراهيم عليه الصلاة والسلام قال لأبيه وقومه: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ [الزخرف ٢٦، ٢٧]. وكذلك ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ﴾ [الممتحنة ٤]، شوف لقومهم! ﴿إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [الممتحنة ٤] إلى آخر الآية، شوف هذا هو الحقيقة الرابطة، فكون الناس يعني انجرفوا في هذا الدعاء إلى هذه القومية هو داخل في مثل هذه الآية أنهم كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء.
* طالب: لا يسمع (...) البهائم.
* الشيخ: إي نعم، البهائم التي لا تسمع إلا بس مجرد الدعاء والنداء ولا تفهم ولا تعقل.
﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ ﴿صُمٌّ﴾ جمع (أصم)، والأصم: هو الذي لا يسمع. ﴿عُمْيٌ﴾ جمع (أعمى)، والأعمى هو الذي لا يبصر.
﴿بُكْمٌ﴾ جمع (أبكم)، وهو الذي لا ينطق، وهنا من حيث اللغة العربية محل قوله: ﴿صُمٌّ﴾ أيش؟
* طالب: خبر.
* الشيخ: خبر مبتدأ محذوف تقديره (هم صُمّ). فيه أيضًا إشكال ﴿عُمْيٌ﴾ نحن قلنا: إن الضمة لا تظهر على الياء، فإذا قلت: جاء القاضي تقول: القاضي فاعل مرفوع بضمة مقدرة على الياء منع من ظهورها الثقل، وهنا ﴿عُمْيٌ﴾ ضمتين بعد ما هي بضمة واحدة، فما هو الجواب على هذا الإشكال؟
* طالب: من أعمى.
* الشيخ: (...) نرى أنها ياء وظهرت عليها الضمة.
نقول: إن الياء اللي هي حرف علة ما يظهر عليها هي التي يُكسر ما قبلها، والواو التي يُضم ما قبلها، أما الياء الساكن ما قبلها أو الواو الساكن ما قبلها فإنها تظهر عليها الضمة، وتظهر عليها الكسرة فاهمين؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: الياء التي ما تظهر عليها الضمة ولا الكسرة هي التي كسر ما قبلها، والواو التي ما تظهر عليها الضمة والكسرة هي التي ضُم ما قبلها، أما ما كان الذي قبله ساكنًا فهو تظهر عليه الضمة والكسرة، تقول: اشتريت دلوًا، وهذا دلوٌ، ظهرت الضمة على الواو؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: لأن اللي قبله ساكن، ونظرت إلى دلوٍ، ظهر عليها الكسرة؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: وكذلك غزوٌ، وغزوٍ، وهنا (عُميٌ)، ونظرت إلى (عُميٍ)، وكذلك ظبيٌ، ونظرت إلى ظبيٍ، إذن زال الإشكال.
وقوله: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ صم عن أيش؟
* الطلبة: عن سماع الحق.
* الشيخ: عن سماع الحق، وإن كانوا يسمعون غيره، لكن سماع غيره لا فائدة منه فهو كالعدم، ولهذا قال: ﴿صُمٌّ﴾. ﴿بُكْمٌ﴾ يعني لا ينطقون، صحيح ما ينطقون؟
* الطلبة: لا ينطقون.
* الشيخ: لا ينطقون، وربما يكونون فصحاء، لكن لا ينطقون بالحق والعياذ بالله، ونطقهم بغير الحق كالعدم لعدم نفعه. كذلك ﴿عُمْيٌ﴾ لا يبصرون، هكذا ولكن حقيقة الأمر قد تكون أعينهم من أحسن الأعين، لكنهم لا يبصرون الحق والعياذ بالله، لا يبصرون الآيات، ولا يبصرون من يقول بالآيات أيضًا، لا ينتفعون به.
وقوله: ﴿فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ الفاء للتفريع؛ يعني أن هذه الجملة مفرعة على ما قبلها؛ يعني فلكونهم عميًا وبكمًا وصمًّا هم لا يعقلون؛ أي لا يعقلون عقل رشد، وإن كان عندهم عقل إدراك، لكن ما عندهم عقل رشد، فلعدم انتفاعهم بعقولهم نفى الله عنهم العقل الذي هو حقيقة العقل، ولهذا سمي العقل عقلًا؛ لأنه يعقل صاحبه عما يضره، ولهذا يسمى عقلًا ويسمى حِجْرًا؛ قال الله تعالى: ﴿هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ﴾ [الفجر ٥] أي: لذي عقل؛ لأنه أيضًا يحجر صاحبه عما يضره.
﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ وأيش إعراب ﴿دُعَاءً﴾ ﴿بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً﴾؟
* طالب: مستثنى بـ (إلا)؟
* الشيخ: مستثنى بـ (إلا) ما قولكم؟
* طالب: صحيح.
* طالب: مفعول به منصوب.
* الشيخ: مفعول به منصوب؟
* الطالب: نعم.
* الشيخ: هذان قولان ما قولك؟
* طالب: لا، صحيح مستثنى.
* الشيخ: صحيح مستثنى.
* طالب: مفعول به منصوب لـ﴿يَسْمَعُ﴾.
* الشيخ: إي صحيح؛ لأن الاستثناء هنا مفرغ؛ لأن (لا) نافية و﴿يَسْمَعُ﴾ فعل مضارع، ما جاء المفعول، المفعول به إذن ﴿دُعَاءً﴾، ولو أردت تعرف المفرغ احذف النفي واحذف (إلا)، فقل: يسمع دعاء مثلًا، ما قام إلا زيد، تقول: قام زيد هو اللي ييبن لك الإعراب.
قال الله عز وجل: ﴿إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾.
* يستفاد من الآية الكريمة: أن للشيطان إرادة وأمرًا لقوله: ﴿إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ﴾.
* ومن فوائدها: أن الشيطان لا يأمر إلا بالشر، لا يأمر بالخير، أن الشيطان لا يأمر بالخير، من أين أخذنا أنه لا يأمر بالخير؟
* الطلبة: من الحصر.
* الشيخ: من الحصر ﴿إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ﴾.
* طالب: حديث أبي هريرة، أن أبي هريرة قال..
* الشيخ: نعم، فصدق وهو كذوب، هذا نادر، هذا نادر.
* ومن فوائدها؛ من فوئد الآية: أن الإنسان إذا همّ بالسيئة أو الفاحشة فليعلم أنها من أوامر الشيطان فليحذرها؛ لأنه ما عندنا علامة بينة، الشيطان ما هو يقف أمامنا يقول: افعلوا، لكن عندما يكون الأمر الذي نهم به من السوء والفحشاء نعرف أنه من أوامر الشيطان.
* ومن فوائدها: أن القول على الله بلا علم من أوامر الشيطان لقوله: ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾.
* ومن فوائدها: تحريم الفتوى بلا علم، من أين نأخذها؟ ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ فإن المفتي يقول على الله، ويعبر عن شرع الله.
* ومنها: ضلال أهل التأويل في أسماء الله وصفاته، من أين نأخذها؟
* الطلبة: ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ﴾.
* الشيخ: لأنهم قالوا على الله بلا علم، وقد سبق أنهم قالوا على الله بلا علم من وجهين؛ أحدهما: أنهم قالوا: إن الله لم يُرد كذا، فنفوا ما هو ظاهر الكلام، وقالوا: إنه أراد كذا فأثبتوا ما يخالف ظاهر الكلام، وهذا قول على الله بلا علم.
* طالب: شيخ، قال أهل التأويل ولا أهل التحريف؟
* الشيخ: لا هم يسمون الآن معروفين بأهل التأويل، ولَّا هو حقيقة أن ما سموه تأويلًا فهو تحريف.
* طالب: متى يكون التأويل محمودًا يا شيخ؟
* الشيخ: لا، الآن المعروف عند أهل العلم أهل التأويل إذا قيل: أهل التأويل يريدون بهم هؤلاء، الذين يحرفون الكلم عن مواضعه، مشهور عندهم، أهل التأويل وأهل الأخذ بالظاهر.
* طالب: أهل التفسير؛ يعني يطلق عليهم أهل التأويل؟
* الشيخ: يُطلق عليهم، لكن التأويل عند المتأخرين ما هو معروف عندهم إلا صرف اللفظ عن ظاهره، وإذا قيل: أهل التأويل لا تفكر أنهم يريدون أهل التفسير أبدًا إلا في اصطلاح المتقدمين مثل ابن جرير ونحوه، أما المتأخرين إذا سمعت أهل التأويل فهم الذين يؤولون الصفات، آيات الصفات وأحاديثها، وهو في الحقيقة تحريف، نحن لا نوافقهم على أن هذا من باب التأويل، نقول: هو تحريف في الواقع؛ لأن التأويل الذي لا دليل عليه تحريف وتغيير للمعنى عما أراد الله، إنما هذا هو المعروف عند أهل العلم أن أهل التأويل هم الذين يصرفون ظواهر نصوص الكتاب والسنة فيما يتعلق بالأسماء والصفات.
* ومن فوائدها: وجوب تعظيم الله عز وجل، وأنه لو ساغ القول على غيره لم يسغ القول عليه، ووجه ذلك أنه خصَّص بعد التعميم، وأين التخصيص بعد التعميم؟
* الطلبة: ﴿وَأَنْ تَقُولُوا﴾.
* الشيخ: ﴿وَأَنْ تَقُولُوا﴾ هذا تخصيص بعد قوله: ﴿بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ﴾ فإن القول على الله بلا علم لا شك أنه من السوء والفحشاء.
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾.
* من فوائد الآية: ذم التعصب بغير هدى لقوله: ﴿قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ مع أن آباءهم ليس عندهم عقول ولا هدى كما قال الله عز وجل: ﴿أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ﴾.
* ومنها: أن من تعصب لمذهب مع مخالفة الدليل ففيه شبه من هؤلاء، أو لا؟ هم يقولون: نتبع ما ألفينا عليه آباءنا والمتعصب لمذهبه: ما وجدنا عليه مشائخنا، فهذا فيه شبه منهم، والواجب أن الإنسان إذا قيل له: اتبع ما أنزل الله أن يقول: سمعنا وأطعنا.
* ومنها من فوائدها: أنه لا يجب الانصياع إلا إلى ما أنزل الله أو لا؟ ﴿اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ أما الانقياد لقول عالم أو ما أشبه ذلك فلا، لا انقياد إلا لما أنزل الله عز وجل وهو الكتاب والحكمة، وقد سبق أن أهل العلم اختلفوا فيما قاله الصحابي، وأن مذهب الإمام أحمد أنه حُجة ما لم يخالف الدليل أو يعارضه قول صحابي آخر، فإن خالف الدليل طُرح واتُّبع الدليل، وإن عارضه قول صحابي آخر وجب الترجيح ويُنظر أيهما أقرب إلى الكتاب والسنة فيُؤخذ به، فإن لم نعرف أيهما أقرب إلى الكتاب والسنة فإننا ننظر أيهما أقرب إلى الصواب من حيث العلم، والصحابة يختلفون في هذا.
* ومن فوائد الآية: بيان عناد هؤلاء يقال: ﴿اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ ما يقول: اتبعوا ما نحن عليه، ما أنزل الله، فيعاندون ويقولون: بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا.
* ومن فوائدها: أن كل من خالف الحق وما أنزل الله فليس بعاقل، وليس عنده هدى من قوله: ﴿لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾.
* طالب: شيخ قلنا: التابعي (...) فيه خلاف (...) قتادة..
* الشيخ: إي نعم، ومجاهد، والله فيه خلاف بين أهل العلم ولم يتبين لي أن الصواب وجوب اتباعهم، وجوب اتباعهم فيه نظر.
وقوله: ﴿