تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين
مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ ٱلَّذِى ٱسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّآ أَضَآءَتْ مَا حَوْلَهُۥ ذَهَبَ ٱللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِى ظُلُمَـٰتٍ لَّا يُبْصِرُونَ ﴿١٧﴾
صُمٌّۢ بُكْمٌ عُمْىٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ ﴿١٨﴾
مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾.
* الشيخ: لا، هذه الآية، هذا الدليل، لكن نريد وجه الاستدلال؟
* الطالب: الكاف.
* الشيخ: الكاف أيضًا للتشبيه.
* الطالب: الله عز وجل قاس هؤلاء بـ ﴿الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾.
* الشيخ: أراد منا أن نقيس حالهم على حال من استوقد، وكل مثل في القرآن فهو دليل على إقرار القياس وإثبات القياس، أي مثل في القرآن فهو دليل، فيكون بذلك رد على منكري القياس، يعني بعد ما نُثبت نقول: فيها رد، أنتم تقرؤون القرآن كل يوم وليلة وتجدون فيه الأمثال، وهي لا شك قياس واضح جلي.
* من فوائد هذه الآية الكريمة: أن هؤلاء المنافقين ليس في قلوبهم نور؛ لقوله: ﴿كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾، أي: طلب إيقادها من غيره، وهو كذلك، فهؤلاء المنافقون يستطعمون الهدى والعلم والنور، فإذا وصل إلى قلوبهم بمجرد ما يصل إليها يتضاءل ويزول؛ لأن هؤلاء المنافقين إخوان للمؤمنين من حيث النسب وأعمام وأخوال وأقارب، فربما يجلس إلى المؤمن حقا فيتكلم له بالإيمان الحقيقي ويدعوه، فينقدح في قلبه هذا الإيمان، ولكن سرعان ما يزول، نسأل الله لنا ولكم الثبات.
* من فوائد الآية الكريمة: أن الإيمان لا بد أن يكون له أثره حتى في قلب المنافق؛ لقوله: ﴿فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ﴾، الإيمان أضاء بعض الشيء في قلوبهم، ولكن لما لم يكن على أسس لم يستقر، ولهذا قال تعالى في سورة المنافقين وهي أوسع ما تكلم وتحدث الله به عن المنافقين قال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [المنافقون ٣]، هذا الإيمان الذي انقدح في قلوبهم على طول زال.
* من فوائد هذه الآية الكريمة: أن نور الإيمان في قلوب المنافق لا يعدو صدورهم؛ لقوله: ﴿أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ﴾، ولم يتقدم إلى الأمام، لم يؤمنوا بالآخرة ولا بالرسل السابقين، ولكن حصل هذه القلة من الإيمان فأضاءت ما حوله ثم ذهب.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه بعد أن ذهب هذا الضياء حلّت بعده الظلمة الشديدة بل الظلمات.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله تعالى جازاهم على حسب ما في قلوبهم، ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾، كأنه أخذه قهرًا.
فإن قال قائل: أليس في هذا دليل على مذهب الجبرية؟ فالجواب: لا؛ لأن هذا الذي حصل من رب العباد عز وجل بسببهم، وتذكر دائما قول الله تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾، حتى يتبيّن لك أن كل من وصفه الله بأنه أضله فهو السبب، هو سبب نفسه، أي سبب ضلاله.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تخلي الله عنهم؛ لقوله: ﴿وَتَرَكَهُمْ﴾، تخلى الله عنهم، ويتفرع على ذلك أن من تخلى الله عنه فهو هالك ليس عنده نور ولا هدى ولا صلاح، ﴿وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ﴾، يعني لا يمكن أن يكون لهم.
* * *
* طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ (١٩) يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة ١٩، ٢٠]
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، انتهى المثل الأول الذي ضربه الله تعالى للمنافقين؛ لأن الله تعالى ضرب لهم مثلين: المثل الأول مثل ناري، والمثل الثاني مثل مائي، وانتهى الكلام على المثل الأول في فوائده وأحكامه، أليس كذلك؟
* طالب: نعم، في فوائد ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ ما أخبرتم؟
* الشيخ: طيب،* من فوائد هذه الآية: أن هؤلاء -والعياذ بالله- أصم الله آذانهم فلا يسمعون الحق، ولو سمعوا ما انتفعوا، ويجوز أن يُنفى الشيء لانتفاء الانتفاع به، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ [الأنفال ٢١].
﴿بُكْمٌ﴾، * ويستفاد منها: أن هؤلاء المنافقين لا ينطقون بالحق كالأبكم.
* ويستفاد أيضًا من هذه الآية: أنهم لا يبصرون الحق كالأعمى.
* ويستفاد من هذا: أنهم لن يرجعوا عن غيهم؛ لأنهم يعتقدون أنهم محسنون، وأنهم صاروا أصحابًا للمؤمنين وأصحابًا للكافرين، هم أصحاب للمؤمنين في الظاهر، وأصحاب للكافرين في الباطن، ومن استحسن شيئًا فإنه لا يكاد أن يرجع عنه، وهذه هي الفائدة أيضًا.
* فائدة أخيرة: أن الإنسان إذا استحسن الشيء فإن رجوعه عنه يكون بعيدًا.
أما المثل الثاني فقال الله تعالى: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾، (أو) هنا للتنويع وليست للشك؛ لأن الله سبحانه تعالى عليم بكل شيء، فلا يدخل الشك في خبره، فهي إذن للتنويع، وهل هذا النوع مثل آخر ينطبق على أصحاب المثل الأول؟ أو هو مثَل لأصناف آخرين من المنافقين؟ في هذا قولان للعلماء: فمنهم من قال: إن حال المنافقين تشبه المثل الأول وتشبه المثل الثاني، ومنهم من قال: إن لكل مثل قوما من هؤلاء المنافقين، وبعد أن نشرح إن شاء الله تعالى هذا المثل يتبين أي القولين أصح.
قوله: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ﴾، قيل: إن فيه محذوفا، والتقدير: كأصحاب صيب، بدليل قوله: ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ﴾، أي: يجعل أصحاب هذا الصيب أصابعهم في آذانهم، وقيل: إنه لا يحتاج إلى هذا التقدير، بل إن الله تعالى ضرب المثل بالصيب نفسه، والصيب هو المطر، سمي بذلك؛ لأنه ينزل، وكل شيء نازل يسمى صيبا، وأصلها من صاب يصوب، فنجد الآن أن إحدى الياءين منقلب عن واو، أيهما؟ الياء الأولى أو الثانية؟
* الطلبة: الأولى.
* الشيخ: أصلها صَيْوِب، فهي إذن الثانية، ولكنها اجتمعت الواو والياء في كلمة وسبقت إحداهما بالسكون فقُلبت الثانية ياء وأدغمت في الياء الأولى، هذه قاعدة تصريفية ربما لا يعرفها من لم يكن عرف الصرف، لكن هذه القاعدة تصريفية، إذا اجتمعت الواو والياء في كلمة وسبقت إحداهما بالسكون وجب قلب الواو ياء ثم تدغم مع الياء الموجودة.
﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾، قوله: ﴿مِنَ السَّمَاءِ﴾ هذه بيان للواقع وليست قيدًا مخرجًا لما يخالف المنطوق، وذلك أن الصيب لا بد أن يكون من السماء؛ لأنا قلنا إنه النازل، النازل وهو المطر، وفائدة ذكره بيان الواقع من وجه، وبيان أن هذا الصيب عظيم؛ لأن النازل من السماء يخوِّف أكثر من الجاري في الأرض؛ لأن الجاري من الأرض يمكن الهرب منه، لكن النازل من السماء لا يمكن الهرب منه.
﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ﴾، ﴿ظُلُمَاتٌ﴾ جمع ظلمة، فما هذه الظلمات؟ الظلمات: ظلمة الليل، هذه واحدة، الثانية: ظلمة السحاب، الثالث: ظلمة الصيب الذي هو المطر، فإنه يحدث الظلمة ﴿فِيهِ ظُلُمَاتٌ﴾، ﴿وَرَعْدٌ﴾، وهو الصوت المسموع من السحاب. ﴿وَبَرْقٌ﴾ وهو النور أو الضوء المشاهد في السحاب، والبرق سابق على الرعد؛ لأن الرعد يتأخر بواسطة المسافة بينه وبين الأرض، والصوت أقل سرعة من الضوء؛ لأن الضوء تدركه العين، والصوت تدركه الأذن.
﴿وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ﴾، الفاعل في (يجعلون) يعود على أصحاب الصيب، ما هو على المطر، المطر ليس له أصابع وليس له آذان، لكن يجعلون، أي: الذين أصيبوا بهذا الصيب، فيكون المعنى: