×
البقرةالآيات ١٥–١٦

تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين

ٱللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِى طُغْيَـٰنِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴿١٥﴾

أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُا۟ ٱلضَّلَـٰلَةَ بِٱلْهُدَىٰ فَمَا رَبِحَت تِّجَـٰرَتُهُمْ وَمَا كَانُوا۟ مُهْتَدِينَ ﴿١٦﴾

اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾. * من فوائد هذه الآية الكريمة قلنا: إثبات صفة الاستهزاء من الله عز وجل، لكنها صفة مقيدة بمن يستهزئ؛ ليتبين بذلك أن الله فوق استهزاء هؤلاء. * من فوائد الآية الكريمة: أن الإنسان قد يُمَدّ في الطغيان ويُمهَل له، فيزداد طغيانا، حتى إذا أخذه الله لم يفلته كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ اللَّهَ لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ» »[[متفق عليه، أخرجه البخاري (٤٦٨٦)، ومسلم (٢٥٨٣/٦١) من حديث أبي موسى.]]، ولهذا إذا رأيت نعم الله تترى عليك فتوقف، انظر هل أنت قائم بطاعته فهي نِعَم، هل أنت لم تقم، فهي نقم واستدراج. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الطاغي يكون في ضلال -والعياذ بالله- ويحجب الوصول إلى الحق؛ لقوله: ﴿يَعْمَهُونَ﴾ فإياك يا أخي أن تكون من هؤلاء الذين عندهم طغيان في حق الله وطغيان في حق عباد الله، فإنك سوف تزداد ضلالا. ثم قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ أخذناها وفوائدها، إي نعم. * من فوائدها: أن الذين اشتروا الضلالة بالهدى، يعني اختاروا الضلالة على الهدى ليس لهم ربح إطلاقًا، حتى لو ربحوا في الدنيا فهو استدراج، والربح في الدنيا لا يعني الربح في الواقع؛ لأن مآل ربح الدنيا كالمال والبنين والترف والنعيم، وإيش مآله؟ الزوال، قال الله تعالى في قوم فرعون: ﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٢٥) وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (٢٦) وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ (٢٧) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ﴾ [الدخان ٢٥ - ٢٨] نعيم الدنيا ليس بشيء؛ لأنه زائل ذاهب، فلهذا قال: ﴿مَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾، حتى لو أن الإنسان أُملي له وزاد ربحا في طغيانه فإنه خاسر. * ومن فوائد الآية الكريمة: بلاغة القرآن الكريم، وذلك بتصوير المعقول تصوير المحسوس، وجهه؟ ﴿اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى﴾، وهذا الشراء والبيع يكون في المحسوسات، ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾، أيضًا التجارة في المحسوسات ﴿وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن من سلك طريق الضلالة حُجب عن طريق الهدى؛ لقوله: ﴿وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾. ولهذا شواهد، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام ١١٠]، وقال تعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ﴾ [ق ٥]: مضطرب، في شك، في غفلة. ثم قال الله تعالى: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾، ضرب الله لهؤلاء المنافقين مثلين: مثلا ناريًّا ومثلا مائيًّا، حسب أحوالهم، فقال: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾، يعني كمثل رجل ليس معه نار، ولكنه استوقد، أي طلب من غيره إيقاد ناره؛ لأن اسْتَفْعَلَ، معناها الطلب مثل استغفر، أي: طلب المغفرة، استنصر: طلب النصر؛ وقد تأتي لغير ذلك، قد تأتي للمبالغة، السين والتاء قد تأتي للمبالغة، مثل استكبر، ليس معناه طلب الكبر، ولكن معناه ازداد في كبريائه، إذن استفعل تأتي لإيش؟ للطلب، وقد تأتي للمبالغة. ﴿اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ أي: طلب إيقاد نار، وهذا يدل على أنه كان في إيش في ظلمة، لكن طلب إيقاد النار، أما هو نفسه ما عنده نار، ولا عنده ضياء، ﴿اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾، ﴿أَضَاءَتْ﴾ أي النار التي استوقدها، ﴿مَا حَوْلَهُ﴾ أي: حول المستوقِد، ما هو حول النار، لو كان المراد حول النار لقال: ما حولها، ولما قال: ﴿مَا حَوْلَهُ﴾ أي: ما حول المستوقد، لم تذهب بعيدًا، أضاءت ما حوله. ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾، فبقي الحرارة والظلمة؛ لأن عادة النار إذا خمدت أن تكون حارة وظلمة دخان، راح الضياء، بقيت الحرارة والظلمة. ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ﴾، ﴿ظُلُمَاتٍ﴾ جمع، لا بد أن ندرك ما هذا الجمع؟ أولًا: ظلمة الليل، كيف ظلمة الليل، من أين درينا أن هذا في الليل؟ * الطلبة: ﴿اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾. * الشيخ: ﴿أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ﴾، في النهار ما تضيء النار ما حولها؛ لأن نور الشمس يحجب كل نور. الظلمة الثانية: أنه إذا أتت الظلمة بعد الضياء صارت أشد، وجرب نفسك، أطفئ اللمبة وأنت فاتح العينين تجد الظلمة، وإذا بك بعد قليل ترى ما حولك، ولهذا أنصح كل من أراد أن يطفئ اللمبة أن يغمض عند إطفائها؛ لأنه إذا غمض حين إطفائها ثم فتّح وإذا الأمر طبيعي، أليس كذلك؟ طيب، لا أنا أريد إقرارك الطبي. * طالب: صحيح. * الشيخ: إي نعم. * الطالب: لأنه في أثناء وجود الضوء تكون حدقة العين منقبضة. * الشيخ: إي نعم. * الطالب: وعند الظلمة تكون مفتوحة. * الشيخ: نعم. * الطالب: فيمر الوقت حتى يحدث هذا. * الشيخ: إي نعم، الحمد لله، هذا أدركناه بالتجربة، وأخونا أدركه بالطب نظريًّا، على كل حال، هذه إذا ذهب الضوء بسرعة صار ظلمة شديدة، كذا؟ الظلمة الثالثة: ظلمة الدخان؛ لأن عادة النار إذا طفئت بدون أن ينتهي الوقود فإنه يكون دخانا، وهنا الوقود لم ينته؛ لأنه قال: ﴿اسْتَوْقَدَ﴾ ﴿فَلَمَّا أَضَاءَتْ﴾، بمجرد الإضاءة ذهب الله بالنور، معناه أن الوقود لم ينته بعد، وحينئذ يكون الدخان، فصارت الظلمات الآن ثلاثة، صارت ثلاثا، ﴿فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ﴾، النور مفرد، ﴿بِنُورِهِمْ﴾ الظلمات جمع؛ لأن النور واحد لا يتكرر أو لا يتضعّف، واحد، سواء قوي أو ضعف، ﴿وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ﴾، أي: لا يرون. ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾، أعوذ بالله، هذا حالهم، يعني بعد أن ذكر المثل ذكر الحال، ﴿صُمٌّ﴾ عن سماع الحق، ﴿بُكْمٌ﴾ عن قول الحق، ﴿عُمْيٌ﴾ عن رؤية الحق، فهم والعياذ بالله قد سُدت عليهم الأبواب من كل جانب، لا يسمعون إلى حق، ولو سمعوا ما انتفعوا، والثاني: ﴿بُكْمٌ﴾ لا ينطقون به؛ لأنهم ينطقون بالباطل، ﴿إِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ ﴾، ولا ينطقون أبدًا بالحق، حتى لو نطقوا به فهو باللسان فقط.﴿عُمْيٌ﴾ يعني عن الحق لا يرونه، ﴿فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ أي: فبناء على هذه الأوصاف الثلاثة لا يرجعون عما كانوا عليه. نعود إلى فوائد الآية. * في هذه الآية الكريمة: دليل على بلاغة القرآن حيث يضرب للمعقولات أمثالًا، إيش؟ محسوسات؛ لأن الشيء المحسوس أقرب إلى العقل من الشيء المعقول، لكن من بلاغة القرآن أن الله تعالى يضرب الأمثال المحسوسة للمعاني المعقولة حتى يدركها الإنسان جيدًا. * ومن فوائد الآية الكريمة: إقرار القياس، يعني أنه دليل يؤخذ به، وجه ذلك؟ * طالب: ﴿