×
البقرةالآية ١٥٥

تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين

وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَىْءٍ مِّنَ ٱلْخَوْفِ وَٱلْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ ٱلْأَمْوَٰلِ وَٱلْأَنفُسِ وَٱلثَّمَرَٰتِ ۗ وَبَشِّرِ ٱلصَّـٰبِرِينَ ﴿١٥٥﴾

وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ﴾ [البقرة ١٥٥]. هذه عدة أشياء، مصائب أربعة: أولًا: قال: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ﴾، والجملة هنا مؤكدة بثلاثة مؤكدات وهي: القسم، واللام، والنون؛ نون التوكيد، والفعل هنا مع نون التوكيد مبني على الفتح ولَّا لا؟ * طالب: نعم، مبني على الفتح. * الشيخ: وين آخر الفعل؟ * الطالب: الواو. * الشيخ: الواو أصلها (نبلوا)، فلما اتصلت بها نون التوكيد فتحت، فتحت على الفتح. ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ﴾ وهذا قسم من الله عز وجل مؤكد، و(نبلوا) بمعنى نختبر. وقوله: ﴿نَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ﴾ الخوف هو الذعر وهو شامل للخوف العام والخوف الخاص، الخوف العام كأن تكون البلاد مهددة بعدو، والخوف الخاص كأن يكون الإنسان يُبتلى بنفسه بمن يخيفه ويروعه، وهذا حاصل وهذا حاصل أيضًا. وقوله: ﴿مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ﴾ الجوع ضد الشبع، والجوع له سببان: السبب الأول: قلة الطعام، والسبب الثاني: قلة المال الذي يحصل به الطعام، فهمتم؟ هناك سبب ثالث أيضًا: وهو المرض الذي يتعذر معه الشبع، يكون المال كثيرًا والطعام كثيرًا، لكن يأكل ولا يشبع، هذا أيضًا من البلاء، هذا من البلاء. والجوع لا يدرك أثره إلا من جربه، بل كل المصائب ما تدرك إلا لمن جربها، أما من لم يجرب فإنه لا يدري، وهو له شأن عظيم وكبير، وإذا أردت أن تعرفه فأنت في الصيام في الأيام الطويلة تجد نفسك إذا جعت متألِّمًا متكلفًا خاويًا مع أنك ترجو أنك تفطر يعني ترجو أو تعلم علم اليقين أن هذا الجوع سيزول كيف هذا الجوع الذي يكون ابتلاءً؟ ﴿وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ﴾ ﴿نَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ﴾ الأموال التي للتجارة كالمكاسب. ﴿وَالْأَنْفُسِ﴾ هل يشمل المواشي وشبهها، أو نقول: إن المواشي أنفس لكنها داخلة في الأموال؟ * طالب: داخلة في المال. * الشيخ: داخلة في المال، فيكون الأنفس هنا أنفس الآدميين البشر. ﴿وَالثَّمَرَاتِ﴾ الثمرات هي ثمرات النخيل والأعناب وغيرها، وهذا يقع أيضًا، تأتي الكوارث نسأل الله السلامة والعافية تجترف الأناسي والمواشي والثمار والأموال وتأتي عواصف كذلك، لكنها عند الكثير من الناس ظواهر طبيعية لا تحرك لهم ضميرًا ولا تفزع لهم شعورًا والعياذ بالله، ما يرونها شيئًا يقولون: هذه كوارث طبيعية، وهذه مسألة يعني جارٍ بها العادة، وهذا خطأ عظيم، هذا خطأ يجب أن نجعل هذه الأشياء من الابتلاء الذي يبتلي الله به العباد، هذا الابتلاء بالنسبة لمن وقع عليه ظاهر جدًّا، وبالنسبة لمن لم يقع عليه وسمع به ظاهر أيضًا؛ لأنه يختبر من لم يصبه هل يتعظ ويعتبر أوْ لا، أليس كذلك؟ لأن المصاب بهذا الشيء ما فيه شك أنه مبتلى، لكن السالم منه مبتلى أيضًا؛ لأنه يجعله عظة وعبرة لقد قال الله تعالى في القرية التي كانت قردة خاسئين، قال: ﴿فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا﴾ [البقرة ٦٦]. وقال سبحانه وتعالى لما ذكر قصص المكذبين للرسل في قصة يوسف أظن: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [يوسف ١١١]. ثم قال سبحانه وتعالى: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة ١٥٥]. علِم جل ذكره أن الناس ينقسمون في هذه المصائب التي ابتلوا بها إلى قسمين: صابر، وساخط؛ الساخط هل سخطه يرد القضاء؟ * الطلبة: لا. * الشيخ: ما يرده، لكن يكون ذلك عليه حسرة، كما قال الله سبحانه وتعالى في سورة آل عمران: ﴿الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا﴾ [آل عمران ١٦٨]. قبلها ﴿لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ﴾ [آل عمران ١٥٦]. لا ليرفع الأمر الواقع، لكن يكون هذا حسرة في القلب، إذا لم يصبر وسخط صار حسرة في قلبه لا يجدي له شيئًا، ولهذا قال بعض السلف: إما أن تصبر صبر الكرام، أو تسلو سلو البهائم؛ لأن الإنسان مهما كان الدنيا تتعاقب وينسي بعضها بعضًا فيسلو، وقدِّر الآن في نفسك، هل نحن ما أصبنا بمصائب؟ أصبنا بمصائب؛ بمصائب في أبداننا، بمصائب في أهلينا، وبمصائب بأموالنا، لكن مع مرور الزمن تُنسى، إذن لا نكتسب أجرًا إذا لم نصبر، لكن إذا صبرنا اكتسبنا أجرًا وما قدره الله سوف يقع. ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة ١٥٥] من هم الصابرون؟ هم الذين حبسوا أنفسهم عن التسخط من قضاء الله، هؤلاء المصابرون في هذا الباب الذين حبسوا أنفسهم عن التسخط من قضاء الله، وقد مر علينا أن مقامات الإنسان عند المصيبة أربعة؛ أربعة مقامات. * الطالب: السخط من كل شيء، ثم الصبر، ثم الرضا، ثم الشكر. * الشيخ: نعم أربع مقامات: التسخط، ثم الصبر، ثم الرضا، ثم الشكر، التسخُّط محرم، ولهذا تبرأ النبي ﷺ ممن تسخط، قال: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ ضَرَبَ الْخُدُودَ وَشَقَّ الْجُيُوبَ وَدَعَا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ»[[أخرجه مسلم (١٠٣ / ١٦٥) من حديث عبد الله بن مسعود. ]] الصبر واجب؛ لأن الله تعالى أمر به في آيات كثيرة، والأصل في الأمر ما هو؟ * الطلبة: الوجوب. * الشيخ: الوجوب، ولأنه لا معنى لعدم التسخط إلا الصبر، أما الرضا فإن في وجوبه لأهل العلم قولين، والصواب أنه سُنة وليس بواجب، وأما الشكر فإنه مستحب بالاتفاق، وهو أعلى من الرضا. نحتاج الآن إلى الفرق بين الرضا والصبر، الفرق بينهما؟ * الطالب: الرضا لما يحب ويكره لما (...). * الشيخ: أصلًا لما يحب مو مصيبة اللي يحب كله مصيبة، خلينا نقول: والله يعطينا اللي (...). * طالب: الرضا أعم من السخط. * الشيخ: يا سلام! ذكرناه ذاك اليوم. * طالب: الصبر أن يحبس نفسه ويجاهدها مع الألم. * الشيخ: إي، مع الألم والكراهة لما وقع، والرضا؟ * الطالب: والرضا أن يرضى بما قدر الله له. * الشيخ: ضد الكراهة؛ يعني معناه أنه يكون لا فرق عنده بين ما وقع وما لم يقع كله واحد، فيكون كالميت بين يدي الغاسل، يعني أنه ما يهمه، ماشي مع قضاء الله وقدره، إن أصابه خير شكر، وإن أصابه ضراء صبر ورضي، ولا يكون في نفسه أقل كراهة، وهذه حالة عظيمة متى تحصل للإنسان، ولهذا الذين قالوا بعدم الوجوب وقالوا بالاستحباب قالوا: إنها شاقة على النفوس، والله تعالى يقول: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة ٢٨٦]. أما الشكر، فكيف يشكر من أُصيب؟ الآن لو أمسك واحد منكم وأضربه إن كان يقدر يضرب نضربه مجازاة، وإن ما يقدر؟ * الطالب: يصيح. * الشيخ: يصيح!! وهو يكره، وربما يقول: هذا مطوعنا لا بد أن نصبر عليه، لكن كيف بيشكر؟ نقول: يمكن إن الإنسان يصاب بالمصائب من الله عز وجل ويشكر الله عليها من وجهين: يشكر الله أولًا: إنه يعلم أن الله ما فعل ذلك إلا لحكمة، لحكمة قد يكون من صلاح الإنسان لو يستمر في النعم يمكن يطغى ويزداد ويستعلي؛ لأنه بشر ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ [العلق ٦، ٧]. إذا رأى نفسه أنه مستغنٍ، وأنه ما يحتاج إلى أحد ولا شيء ففي الحال ربما يطغى ويزيد والعياذ بالله. فهو يشكر الله أنه على هذه النعمة؛ لأنها قد تكون تربية له، عرفتم؟ مثل ما يضرب الأب ابنه ليؤدبه. ثانيًا: يشكر الله على أن هذه المصائب مفيدة على كل حال غير إفادة تربية الإنسان ومعرفة نفسه، والرجوع إلى الله، مفيدة لأنك إن صبرت أثبت ثواب الصابرين، وإلا إذا لم ترضَ أو لم تشكر فإنك يُكفَّر بها عنك كما أخبر بها النبي عليه الصلاة والسلام[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٥٦٤٠)، ومسلم (٢٥٧٢ / ٤٩) من حديث عائشة بلفظ: «مَا مِنْ مُصِيبَةٍ تُصِيبُ الْمُسْلِمَ إِلَّا كَفَّرَ اللَّهُ بِهَا عَنْهُ، حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكهَا» لفظ البخاري، ولفظ مسلم: «مَا مِنْ مُصِيبَةٍ يُصَابُ بِهَا الْمُسْلِمُ...».]] إنه يُكفر بها عن الإنسان، إذن يُشكر الله على هذا الأمر؟ * الطلبة: إي نعم. * الشيخ: نعم، يشكر الله على هذا الأمر، هذا وجه كون الإنسان يشكر من المصائب. ﴿