تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين
رَبَّنَا وَٱبْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُوا۟ عَلَيْهِمْ ءَايَـٰتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ ۚ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ ﴿١٢٩﴾
وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَٰهِـۧمَ إِلَّا مَن سَفِهَ نَفْسَهُۥ ۚ وَلَقَدِ ٱصْطَفَيْنَـٰهُ فِى ٱلدُّنْيَا ۖ وَإِنَّهُۥ فِى ٱلْـَٔاخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ ﴿١٣٠﴾
قال الله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ﴾ ينمي أخلاقهم، والتزكية: التنمية والتطهير، ينمي أخلاقهم ويطهرها من كل رذيلة، وهكذا كانت شريعة الرسول عليه الصلاة والسلام تنمية الأخلاق الفاضلة، وتطهير من كل رذيلة، فهو يأمر بالبر، ويأمر بالمعروف، ويأمر بالإحسان، ويأمر بالصلة، ويأمر بالصدق، ويأمر بكل خير، كل ما فيه خير للإنسان في دينه ودنياه، فإن الإسلام يأمر به، وهذه تزكية، وينهى عن ضد ذلك: ينهى عن الإثم، وعن القطيعة، وعن العدوان، وعن العقوق، وعن الكذب، وعن الغش، وغير ذلك من مساوئ الأخلاق، هذه تزكية.
تدرون الناس قبل الإسلام كيف حالهم؟ حالهم بالنسبة للعبادة لا تسأل: شرك، كفر، بالنسبة للأحوال الاجتماعية لا تسأل أيضًا عن حالهم: القوي يأكل الضعيف، والغني يأكل الفقير، يأكلون الربا أضعافًا مضاعفة، يغير بعضهم على بعض، يتعايرون بالأنساب، يدعون بدعوى الجاهلية إلى آخره، جاء الإسلام هدم كل هذا، ومن تدبر التاريخ قبل بعث الرسول عليه الصلاة والسلام وبعده، قبل بعثه وبعده، علم الفرق العظيم بين حال الناس قبل البعثة وحالهم بعدها، وظهر له معنى قوله تعالى: ﴿وَيُزَكِّيهِمْ﴾.
﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ نقول فيها هنا ما قلنا في إعراب: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ ونجعل ﴿أَنْتَ﴾ ضمير فصل، ومحله؟
* طالب: لا محل له من الإعراب.
* الشيخ: لا محل له من الإعراب، ضمير فصل لا محل له من الإعراب، و﴿الْعَزِيزُ﴾ خبر (إن)، و﴿الْحَكِيمُ﴾ خبر ثانٍ.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: ﴿إِنَّكَ﴾ الكاف اسم (إن)، و﴿الْعَزِيزُ﴾ خبرها، و﴿الْحَكِيمُ﴾ خبر آخر، وقد سبق ﴿الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ أظن؟ ﴿الْعَزِيزُ﴾ معناه ذو العزة، والعزة بمعنى القوة والغلبة، فهو سبحانه وتعالى ذو قوة وذو غلبة، لا يغلبه شيء ولا يعجزه شيء، و﴿الْحَكِيمُ﴾ تقدم أنها مشتقة من؟
* طالب: الحكمة.
* الشيخ: من الحُكْم والحِكْمة، منهما جميعًا، وقلنا: إن الحكم نوعان: كوني، وشرعي، وإن الحكمة أيضًا نوعان: حالية، وغائية، الحكم نوعان: شرعي وكوني، مثال الشرعي؟
* طالب: الشرعي؟
* الشيخ: نعم.
* طالب: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء ٢٣].
* الشيخ: لا، ما فيها حكم، قضى، من يعرف؟
* طالب: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة ٣٨].
* الشيخ: مادة حكم الدالة على الحكيم، والأحكام الشرعية نقول: الواجب والمستحب والمكروه والمحرم والمباح.
* طالب: قوله تعالى في آية الممتحنة: ﴿ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾ [الممتحنة ١٠].
* الشيخ: صح، ﴿ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾، وكذلك قوله: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة ٥٠] هذا الشرعي اللي ذكرنا، الحكم الكوني مثاله؟
* طالب: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا﴾ [الإسراء ١٦].
* الشيخ: لا، هذا الأمر الكوني، نريد الحكم الكوني؟ قوله: ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي﴾ [يوسف ٨٠] وأيش بعد؟ ﴿أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي﴾ حكمًا هذا كونيًّا؛ لأن الحكم الشرعي ما منع من الأرض أن يرجع، ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي﴾، فهمتم؟
الفرق بين الحكم الكوني والشرعي، الحكم الكوني لا بد من أيش؟ من وقوعه، والحكم الشرعي قد ينفذ وقد لا ينفذ، قد يمتثل الإنسان ويقوم بالحكم وقد لا يمتثل، أيضًا الحكم الشرعي يكون إثباته من قبل الشرع، يكون إقراره بما يحبه الله، والكوني بما يحبه وما لا يحبه، هذا بالنسبة للحكيم باعتباره مشتقًّا من؟
* طالب: الحكم.
* الشيخ: وباعتباره مشتقًّا من الحكمة؟ قلنا: إن الحكمة حالية وغائية، فالحالية وجود الشيء على صورة معينة، هذه حكمة، كون الإنسان معتدل القامة، ورأسه على هذه الصفة ويداه، وكذلك رجلاه، وما فيه من خلق الله، هذه حكمة حالية، وكون -مثلًا- الصلاة بهذه الصفة، قيام، ركوع، سجود، وما أشبه، وقعود، والزكاة علي هذه المقادير، وعلى هذه الأوقات، هذا أيضًا حكمة أيش؟ حالية، وكون هذه الأمور لغاية حميدة وجدت لغاية حميدة، هذه حكمة غائية، فإن الله تعالى ما أوجد الأشياء كونًا أو شرعًا إلا لغاية حميدة، ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [البقرة ١٢٩].
مناسبة العزة والحكمة هنا لبعث الرسول ظاهرة جدًّا؛ لأن ما يجيء به الرسول كله حكمة، وفيه العزة ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [المنافقون ٨]، شوف ﴿وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ولّا وللعرب؟ وللمؤمنين، عربًا كانوا أو عجمًا، من كان مؤمنًا بالله عز وجل قائمًا بأمر الله، فإن له العزة، ومن لم يكن كذلك، فإن الله لم يكفل له العزة، العزة لله ولرسوله وللمؤمنين؛ ولهذا يجب علينا أن تكون الرابطة بيننا هي رابطة الإيمان فقط؛ لأنه ما يمكن أن تكون هناك عزة واجتماع على الخير إلا بهذه الرابطة وحدها.
* طالب: شيخ، ما فيه حكمة (...)؟
* الشيخ: قلنا: فيه حكمة (...)، ولكنها مقترنة بالحكمة الغائية؛ لأنه من أجل كذا شرع كذا أو وقع كذا.
قال: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ (من) اسم استفهام.
* طالب: لا (...).
* الشيخ: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ﴾ ﴿مَنْ يَرْغَبُ﴾.
* طالب: خبرية.
* الشيخ: خبرية! ﴿مَنْ يَرْغَبُ﴾ (من) عندنا أولى وثانية ﴿مَنْ يَرْغَبُ﴾ (من) اسم استفهام.
* طالب: لا (...).
* الشيخ: اسم استفهام يراد به النفي؛ لقوله: ﴿إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾، فـ(من) هنا اسم استفهام، وهو مبتدأ، وجملة: ﴿يَرْغَبُ﴾ خبره، جملة: ﴿يَرْغَبُ﴾ يعني: فعل مضارع خبره، ولا نقول هنا: (من) شرطية، نعم لو كانت الآية: ومن يرغب عن ملة إبراهيم فقد سفه نفسه، صارت شرطية، لكن هذه أبلغ، ﴿مَنْ يَرْغَبُ﴾ يعني: لا أحد يرغب عن ملة إبراهيم.
وقوله: ﴿يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ﴾ يقال: رغب في كذا، ورغب عن، والفرق؟
* طالب: عدل عنه.
* الشيخ: رغب فيه، أي: طلبه، ورغب عنه؟
* طالب: أي: تركه.
* الشيخ: تركه واجتنبه، هنا ﴿مَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ﴾ يعني: يتركها ولّا يطلبها؟
* الطلبة: يتركها.
* الشيخ: يتركها.
وقوله: ﴿مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ﴾ الملة بمعنى الدين، أي: دين إبراهيم، ودين إبراهيم عليه الصلاة والسلام هو أنه كان حنيفًا مسلمًا لله، ولم يكن من المشركين، وإبراهيم هو الخليل عليه الصلاة والسلام، الذي هو أبو الأنبياء وأشرفهم بعد رسول الله ﷺ، وجعله الله إمامًا ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا﴾ [النحل ١٢٠]، وجعل ملته هي الملة الحنيفية القويمة، إذا كان كذلك، هل أحد يرغب عن الملة الحنيفية القويمة؟ نعم، يرغب عنها من سفه نفسه؛ ولهذا قال: ﴿إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ ﴿إِلَّا مَنْ سَفِهَ﴾، ﴿سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ قيل معناها: جهل نفسه، أي: جهل ما يجب لها وضيعها، وقيل: سفهها: أوقعها في السفه، ﴿سَفِهَ نَفْسَهُ﴾: أوقعها في السفه، والسفه ضده الرشد، والمعنى الأول السفه ضده؟
* الطلبة: العلم.
* الشيخ: ضده العلم.
ولنا أن نقول: حكمة التعبير بما يحتمل وجهين فيها نكتة عظيمة، وهي: أن تكون ﴿سَفِهَ﴾ صالحة للأمرين: جهل، وكذلك ﴿سَفِهَ﴾ أوقعها في السفه، فهو في الحقيقة جاهل إن لم يتعمد المخالفة، وسفيه إن تعمد المخالفة، فالإنسان اللي يرغب عن ملة إبراهيم أوقع نفسه في السفه، ولم يتصرف تصرفًا رشيدًا، ثم إن كان عن علم فهو سفيه.
﴿وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا﴾ الجملة هنا مؤكدة بمؤكدات ثلاثة، وهي: القسم المقدر، واللام، وقد؛ لأن اللام هنا موطئة للقسم، والتقدير: والله لقد، و﴿اصْطَفَيْنَاهُ﴾ افتعال من الصفوة، يعني: مشتقة من هذا، أصل المادة هذه من (صفا يصفو)، فمعنى اصطفيناه، أي: اخترناه حتى كان صفوة من الخلق، اصطفاه الله تعالى في الدنيا على كل الأنبياء ما عدا محمدًا ﷺ، وقوله: ﴿اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا﴾ أي: جعلناه صفيًّا من الخلق، واتخذه الله تعالى خليلًا.
﴿وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ (إنه) هذه (إن) واسمها، و﴿فِي الْآخِرَةِ﴾؟
* طالب: خبر.
* الشيخ: لا، ﴿مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ خبر، لكن ﴿فِي الْآخِرَةِ﴾ في موضع نصب على الحال: وإنه في حال كونه في الآخرة من الصالحين، في الدنيا اصطفاه الله واختاره، وفي الآخرة يكون من الصالحين الذين أدوا ما أوجب الله عليهم لنفسه ولخلقه، وهذه الجملة مؤكدة بمؤكدين: (إن) واللام فقط، وهنا ذكر الله تعالى الاصطفاء في الدنيا والصلاح في الآخرة، هل هناك نكتة لتغاير الحالين أو لا؟ يبدو لي -والله أعلم- أن هناك نكتة، وهو يقين فيه هناك نكتة، لكن بس ما نعرفها هل نعرفها أو لا؟ ولَّا لا شك أن التعبيرين مختلفان لكن لماذا؟ نلتمس، الدنيا دار شهوات وابتلاء، فلا يصبر عن هذه الشهوات ولا على هذا الابتلاء إلا واحد دون الآخر، أليس كذلك؟
* الطلبة: بلى.
* الشيخ: فإذا أخلص الإنسان نفسه لله صار صفوة من عباد الله، أليس كذلك؟
* الطلبة: بلى.
* الشيخ: الآخرة ليست هكذا، الآخرة حتى الكفار يؤمنون، ولكن الفرق بين من يكون من الصالح ومن غير الصالح؛ لأنهم هم إذا عرضوا على النار ﴿أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا﴾ [الأنعام ٣٠]، ﴿أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى﴾ [غافر ٥٠]، ﴿قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾ [يس ٥٢]، وهكذا تدل على أنهم يؤمنون لكنهم ليسوا من الصالحين.
﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ﴾ هذه أيضًا تابعة للثناء على إبراهيم، شوف لما عظَّم بيت الله كيف أن الله سبحانه وتعالى شكور حليم، أثنى عليه هذا الثناء العظيم، وجعله إمامًا، وبيّن اصطفاءه في الدنيا، وأنه في الآخرة من الصالحين، أيضًا هذه الحال من الثناء عليه، ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ﴾ هذه يحتمل أن تكون متعلقة بقوله: ﴿لَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ﴾: ولقد اصطفيناه إذ قال له ربه، ويحتمل أن تكون متعلقة بمحذوف تقديره: اذكر إذ قال له ربه، فيكون أمرًا للرسول ﷺ أن ينوه بهذه الحال التي كان إبراهيم ﷺ عليها.
﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ﴾ قال: سمعًا وطاعة؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: نعم، ما تأنى، ولا تأبى ﴿قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ إسلام يتضمن التوحيد، توحيد العبادة، ﴿لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ يتضمن توحيد الربوبية والأسماء والصفات، ﴿أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، فأسلم إسلامًا كاملًا بدون تردد، وما أكثر الذين قال لهم ربهم: أسلموا، ولكن لم يسلموا، تسع مئة وتسع وتسعون من بني آدم قيل لهم: أسلموا ولم يسلموا؛ لأنهم كلهم من أهل النار، تسع مئة وتسع وتسعون بالألف من بني آدم كلهم في النار، وواحد منهم في الجنة، لكن هذا قال له ربه: أسلم، قال: أسلمت لرب العالمين، وهذه صفة حميدة جدًّا استحق أن ينوه بها عنه.
وهي عامة لأصل الإسلام ولفرائع الإسلام، حتى الفروع أسلم فيها، رأى في المنام أنه يذبح ابنه فنفذ؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: نفذ، قال الله له: ﴿وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾ [الصافات ١٠٤، ١٠٥]، فنفذ مع أنه ابنه وحيده، ما له غيره، أتاه على كبر، وبلغ معه السعي، يعني: بلغ أن يمشي معه، وهذا وقت تعلق الإنسان بابنه؛ لأن الطفل الصغير قد لا تتعلق به النفوس، والكبير قد انعزل وزالت الرغبة فيه، لكن اللي في هذا المستوى هذا هو غاية ما يكون من تعلق القلب به، فرأى في منامه أنه يذبحه فنفذ، إلا أنه أراد أن يختبر ابنه؛ حيث قال: ﴿إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ [الصافات ١٠٢]، وذكر الله القصة.
* طالب: قوله: ﴿اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا﴾ ما ذكر الرسول ولا الأنبياء قبله؟
* الشيخ: إي؛ لأن السياق في إبراهيم، ذكر ﴿وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ﴾ [ص ٤٧]، ﴿يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ﴾ [آل عمران ٤٢]، لكن هنا السياق في الثناء على إبراهيم.
* طالب: ﴿قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (...)؟
* الشيخ: لأن الرب لا بد أن يكون كاملًا، الرب اللي ربوبيته عامة للعالمين كلها لا بد أن يكون كاملًا، وإلا ما صح أن يكون ربًّا للعالمين.
* طالب: شيخ، وأيش وجه يعني الله سبحانه وتعالى أوحى إلى الرسول ﴿أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾ [النحل ١٢٣]، وفي الحديث: «إِنَّ خَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ ﷺ»[[مسلم (٨٦٧ / ٤٣)، وأبو يعلى (٢١١٩) من حديث جابر، واللفظ له.]]؟
* الشيخ: نعم، أحسنت، هذا هدي النبي عليه الصلاة والسلام متضمن لهدي إبراهيم وزيادة؛ لأن هدي إبراهيم هو الإخلاص والتوحيد عمومًا، لكن فرائع الإسلام تختلف؛ لأن الله يقول: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة ٤٨]، في الأصل التوحيد والإخلاص ملة إبراهيم هي الملة المقتدى بها، لكن فروع الإسلام كملت بالشريعة التي كان عليها الرسول عليه الصلاة والسلام؛ فلهذا كان خير الهدي هدي محمد ﷺ.
﴿وَوَصَّى بِهَا﴾ وفي قراءة: ﴿وَأَوْصَى بِهَا﴾ .
* طالب: شيخ، ما نوع قوله: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ﴾ هل هو وحي أم إلهام؟
* الشيخ: الأصل إذا قال: ﴿إِذْ قَالَ﴾ القول: الوحي، كلمه.
﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ﴾ فيها قراءة: ﴿أَوْصَى بِهَا﴾ ، أما (إبراهيم) في الموضع الأول والثاني ففيها القراءة التي ذكرناها لكم من قبل وهي: ﴿ إِبْرَاهَام﴾ ، ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهَامَ﴾ وتقول: ﴿إِبْرَاهِيمُ﴾..
* طالب: في كل القرآن؟
* الشيخ: لا، ما في كل القرآن، ولكن في السورة هذه في أكثر القرآن، في بعض المواضع القليلة ما فيها (إبراهام).
* طالب: شيخ، زاد حرف؟
* الشيخ: وهو؟
* طالب: الألف.
* الشيخ: ونقص حرف، زاد حرفًا ونقص حرف، فين النقص؟
* طالب: تضعيف.
* الشيخ: تضعيف، إي نعم، ﴿وَوَصَّى بِهَا﴾ ﴿وَأَوْصَى بِهَا إِبْرَاهِيمُ﴾ ، وهذه في الحقيقة ما تنطبق على الشروط الثلاثة في القراءة، وأيش الشروط الثلاثة في القراءة؟ أمليناها عليكم في بيتين؟ شروط القراءات؟
* طالب: قوله:
فَكُلُّ مَا وَافَقَ وَجْهَ نَحْوِ ∗∗∗ وَكَانَ ِللرَّسْمِ احْتِمَالاً يَحْوِي ؎وَصَحَّ نَقْلًا فَهُوَ الْقُرآنُ ∗∗∗ فَهَذِهِ الثَّـلَاثَةُالْأَرْكَــــــــــــــــــــانُ * الشيخ: هذه الآن ؎فَكُلُّ مَا وَافَقَ وَجْهَ نَحْوِ ∗∗∗ وَكَانَ ِللرَّسْمِ احْتِمَالاً يَحْوِي ؎وَصَحَّ نَقْلًا فَهُوَ الْقُرآنُ ∗∗∗ فَهَذِهِ الثَّـلَاثَةُالْأَرْكَــــــــــــــــــــانُ الآن ﴿وَصَّى بِهَا﴾ و﴿أَوْصَى بِهَا﴾ ، يحوي (...)؟
* طالب: ما يحوي.
* الشيخ: ما يحوي؟ إذن الأركان اللي ذكر بناء على الأغلب، وقد مر علينا سقوط حرف عطف حرف له معنى ما هو مثل هذا، هذا حرف ما له معنى، الهمزة والتضعيف ما لهم معنى، لكن مر علينا فيما سبق سقوط حرف معنوي، وأيش هي؟
* طالب: ﴿قَالُوا﴾ ﴿وَقَالُوا﴾.
* الشيخ: ﴿قَالُوا﴾ ﴿وَقَالُوا﴾، وين هي؟
* الطالب: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾ [البقرة ١١٦].
* الشيخ: صح، وقراءة؟
* الطالب: ﴿قَالُوا﴾ .
* الشيخ: وقراءة ﴿قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ﴾ ، ﴿إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ﴾ ، ﴿وَاسِعٌ عَلِيمٌ (١١٥) وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ﴾.
﴿وَوَصَّى بِهَا﴾ (بها) الضمير يعود على هذه الكلمة العظيمة، وهي: ﴿أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، ويجوز أن يكون الضمير يعود على الملة، وصى بهذه الملة، والمعنى واحد، يعني: ملة إبراهيم هي ﴿