×
البقرةالآية ١٢٨

تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين

رَبَّنَا وَٱجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَآ أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَآ ۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ ﴿١٢٨﴾

رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾. يستفاد من هذا: شدة افتقار الإنسان إلى ربه؛ حيث كرر كلمة: ﴿رَبَّنَا﴾، وأنه بحاجة إلى ربوبية الله سبحانه وتعالى الخاصة التي تقتضي عناية خاصة. ومنها أيضًا: أن الإنسان مفتقر إلى تثبيت الله، وإلا هلك؛ لقوله: ﴿وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ﴾، فإنهما مسلمان بلا شك، هما نبيان، لكن هل يدوم هذا الإسلام إلا بتوفيق الله؟ لا، قال الله تعالى للرسول عليه الصلاة والسلام: ﴿وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا (٧٤) إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ﴾ [الإسراء ٧٤، ٧٥]. ومنها أيضًا: أهمية الإخلاص؛ لقوله: ﴿مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾، فإن هذا يدل على الإخلاص، إخلاص الإسلام لله عز وجل، كما قال تعالى في آية أخرى: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ [البقرة ١١٢]. ومنها: أنه ينبغي للإنسان أن يشمل ذريته في الدعاء؛ لأن الذرية الصالحة من آثار الإنسان الصالح؛ لقوله: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾، وقال إبراهيم في آية أخرى: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ [إبراهيم ٣٥]، الذرية صلاحها له شأن كبير بالنسبة للإنسان. ومنها: أن الأصل في الإنسان الجهل؛ لقوله: ﴿وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا﴾، يعني: أعلِمنا بها. ومنها: أن العبادة توقيفية، يعني: الإنسان ما يتعبد بحسب مزاجه، بل حتى يريه الله العبادة، تؤخذ؟ ﴿وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا﴾، العبادة إذن توقيفية. ومنها: تحريم التعبد لله بما لم يشرعه؛ لأنهما دعوا الله أن يريهما مناسكهما، ولولا أن العبادة تتوقف على ذلك لتعبدا بدون هذا السؤال. ومنها: افتقار كل إنسان إلى توبة الله؛ لقوله: ﴿وَتُبْ عَلَيْنَا﴾؛ إذ لا يخلو الإنسان من تقصير. ومنها: إثبات التواب والرحيم اسمين من أسماء الله سبحانه وتعالى، وقد تقدم تفسيرهما. ومنها: مشروعية التوسل إلى الله بأسمائه وصفاته؛ لأن قوله: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾؟ تعليل للطلب السابق، فهو وسيلة يتوصل بها الداعي إلى حصول مطلوبه. ومنها: أنه ينبغي أن يكون التوسل باسم موافق للمسؤول أو للحاجة، أن يكون التوسل باسم موافق للحاجة، من أين نأخذها؟ * طالب: ﴿وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾. * الشيخ: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾. * طالب: إذا كان السؤال من سائل الآن أن يرزقه الله من رزق معين، ولكن أرفقه باسم من أسماء الله لا يناسبه؟ * الشيخ: لا، فهمنا الآن أنه ينبغي أن يكون التوسل باسم موافق للحاجة؛ لقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف ١٨٠]. إذن منها: أنه لا ينبغي أن يختم الدعاء باسم غير مناسب للحاجة، لو قال: اللهم اغفر لي إنك شديد العقاب، يناسب؟ ما يناسب، هذا لا يناسب، تسأل المغفرة وتتوسل إلى الله بشدة عقابه! ولهذا يقال: إن أعرابيًّا سمع قارئًا يقرأ: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ﴾ [المائدة ٣٨] والله غفور رحيم، قال: والله غفور رحيم (...) يقطع ويغفر؟ هذا ما يمكن، فقال له: أعد الآية؟ أعاد الآية على هذا الوجه: ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ﴾ والله غفور رحيم (...)، فأعادها الثالثة على الوجه الصواب، فقال: ﴿نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ فقال: الآن؛ فإن الله تعالى عزّ وحكم فقطع، ولو غفر ورحم ما قطع؛ ولهذا قال الله تعالى في الذين يحاربون الله ورسوله إنما جزاؤهم ﴿أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٣٣) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة ٣٣، ٣٤]. ويش معنى هذا؟ وأيش معنى ختمه بأن الله غفور رحيم ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾؟ * الطلبة: (...). * الشيخ: معنى ختمه يا إخوان؟ معناه أن ترفع عنهم العقوبة، ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ ما قال: فاتركوهم، قال: ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، أي: رفع العقوبة عنهم، مفهوم؟ * طالب: الفرق بين قولك: ينبغي التوسل أن يكون باسم يوافق الحاجة، وقولك: لا ينبغي أن يختم الدعاء بما لا يوافق الحاجة (...)؟ * الشيخ: لا، ينبغي، هذا مطلوب، يعني هذا غير محمود. * الطالب: كلها: لا ينبغي. * الشيخ: واحدة: ينبغي، وواحدة: لا ينبغي، الذي ينبغي أن يكون باسم موافق للحاجة، والذي لا ينبغي؟ * الطالب: اسم لا يوافق. * الشيخ: يعني: معناه لو قال قائل: هل إذا ختمت باسم لا يوافق الحاجة هل فيه ذنب؟ من أين نحكم أن فيه ذنبًا إلا من الفائدة الثانية عشر؟