×

البقرة

الآية ١١٨

تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين

وَقَالَ ٱلَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا ٱللَّهُ أَوْ تَأْتِينَآ ءَايَةٌ ۗ كَذَٰلِكَ قَالَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّثْلَ قَوْلِهِمْ ۘ تَشَـٰبَهَتْ قُلُوبُهُمْ ۗ قَدْ بَيَّنَّا ٱلْـَٔايَـٰتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ﴿١١٨﴾

وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [البقرة ١١٨]. * يستفاد من هذه الآية: أن أهل الباطل لا يعارضون الحق إلا بباطل؛ لأن كون الآيات تأتي على حسب مقترحهم هذا تعنت واستكبار وإلا فالمقصود، وأيش المقصود؟ * طالب: (...). * الشيخ: المقصود ثبوت الرسالة بالآيات سواء اقترحوها أم لا، ثم إنه لو جاءت الآيات على ما اقترحوا ما آمنوا ﴿وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ [القمر ٢] سحرتنا بالأول وسحرتنا بالتالي. إذن أهل الباطل لا يمكن أن يعارضوا الحق إلا بباطل، وهذا يقوي صاحب الحق على ثبوته على ما عنده وعلى إنكاره للباطل، لا تتزعزع ما دمت على حق فإن أهل الباطل كل ما عندهم هباء. ومنها: وصف من لم ينقد للحق بالجهل ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة ١١٨] كل إنسان يكابر الحق وينابذه فإنه أجهل الناس، وبهذا نعرف أن من سمى هذا العصر عصر النور، وكأن هذا الكلام يقتضي الحصر فهو خاطئ ولَّا مخطئ؟ * الطلبة: لا، خاطئ. * الشيخ: خاطئ؛ لأن هذا العصر في الحقيقة عصر الظلمة إلا من أنار الله قلبه، عصر النور حقيقة هو عصر النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه، هذا عصر النور، أما عصرنا الآن كله جهل، كله عناد، كله استكبار والعياذ بالله. ومنها: أن المشركين يقرون بأن الله يتكلم بحرف وصوت، من أين؟ * الطلبة: ﴿لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ﴾. * الشيخ: ﴿لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ﴾ ولو كان الكلام كما قال الأشاعرة بالنفس ما كان لكلام الله لهم فائدة؛ لأنه في نفسه ما يسمعونه، فالمشركون يقرون بأن الله يتكلم؛ لأنه حقيقة الأمر ما يمكن تثبت الشرائع بدون أن يثبت كلام الله، إذ إن الوحي هو كلام الله، إذا أنكرنا كلام الله؟ * طالب: أنكرنا شريعته. * الشيخ: كيف يثبت الوحي؟ ومنها أيضًا: أن ما من رسول إلا وله آية؛ لأن قولهم: ﴿أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ﴾ هذا مدعى غيرهم؛ إذ إن من لم يأتِ بآية لا يُلام من لم يصدقه، ولَّا لا؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: رجل مثلًا يجي لا نعرفه، من بني جنسنا، يقول: أنا رسول الله، آمنوا بي وإلا قاتلتكم واستحللت نساءكم وأموالكم، نطيعه ولَّا لا؟ * الطلبة: لا، لا يستقيم. * الشيخ: لا، ما نطيعه، ولو أننا أنكرناه لكنا غير ملومين، لكن الرسل تأتي بالآيات «مَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا أَعْطَاهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ الْآيَاتِ مَا يُؤْمِنُ عَلَى مِثْلِهِ الْبَشَرُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٧٢٧٤)، ومسلم (١٥٢ / ٢٣٩)، من حديث أبي هريرة.]]، فالله تعالى ما يرسل الرسل ويتركهم بدون تأييد أبدًا. * طالب: ظاهر الآيات قول اليهود ما جئتنا ببينة، كيف ذلك؟ * الشيخ: استكبار، حتى أو تأتينا آية، نقول: جاءتكم آيات ما هي آية واحدة. * الطالب: لكن هو ما أجابهم على هذا الدعاء؟ * الشيخ: كيف؟ * الطالب: ﴿قَالُوا يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (٥٣) إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٥٤) مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ﴾ [هود ٥٣ - ٥٥]. * الشيخ: أكبر آية هذا التحدي لهم أنه قال: ﴿كِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ (٥٥) إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ﴾ [هود ٥٥، ٥٦] هذا يعني (...). كذلك * ومن فوائد الآية الكريمة: أن أقوال أهل الباطل تتشابه ﴿كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾، فأنت لو تأملت الدعاوى الباطلة التي رد بها المشركون رسالة الرسول ﷺ من زمنه إلى اليوم لوجدت أنها متشابهة، ﴿إِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ﴾ [المطففين ٣٢] واليوم يقولون للمتمسكين بالقرآن والسنة: هؤلاء رجعيون، هؤلاء دراويش ما يعرفون شيئًا. * ومنها: تشابه قلوب الكفار لقوله: ﴿تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾. * ومنها إبطال دعوى قولهم: ﴿أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ﴾ في قوله: ﴿قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ﴾. * ومنها: أنه لا ينتفع بالآيات إلا من رزقهم الله العلم، العلم النافع؛ فإنهم ينتفعون. * ومنها: أنه كلما ازداد الإنسان علمًا ازداد إيمانًا؛ لأنه إذا ازداد علمه ظهر له من آيات الله ما لم يظهر لغيره، ولهذا ﴿قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾. إذن نعود عن التفسير الأول قلت: ﴿بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾. الإيقان: هو التصديق من غير شك، والتصديق من غير شك تصديق لا شك معه، فكل ما إنسان مؤمن فإنه يتبين له من آيات الله ما لم يتبين لغيره، وكلما ازداد الإنسان إيمانًا تبين له من آيات الله ما لم يتبين لغيره. * فيستفاد من الآية الكريمة: أن كل مؤمن فقد تبينت له الآيات. * ويستفاد منها أيضًا: زيادة العلم بالإيمان؛ لأن من آيات الله هذا الوحي الذي جاء به الرسول ﷺ، فإن الوحي من آيات الله، فكلما كنت مؤمنًا تبين لك من هذه الآيات ما لم يتبين لغيرك، فبالإيمان يزداد العلم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ [المدثر ٣١]. وكلما كان الإنسان أكثر إيمانًا كان أكثر علمًا، وكلما ازداد علمه ازداد إيمانه، فهما متلازمان. * طالب: كمثل اليهود عندهم علم لكن لم يعملوا به؟ * الشيخ: إيه، لكن إذا ازداد العلم عن إيمان ازداد بالإيمان. ثم قال تعالى: ﴿