×
البقرةالآيات ١١٢–١١٣

تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين

بَلَىٰ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُۥ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُۥٓ أَجْرُهُۥ عِندَ رَبِّهِۦ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴿١١٢﴾

وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ لَيْسَتِ ٱلنَّصَـٰرَىٰ عَلَىٰ شَىْءٍ وَقَالَتِ ٱلنَّصَـٰرَىٰ لَيْسَتِ ٱلْيَهُودُ عَلَىٰ شَىْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ ٱلْكِتَـٰبَ ۗ كَذَٰلِكَ قَالَ ٱلَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ ۚ فَٱللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ فِيمَا كَانُوا۟ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ﴿١١٣﴾

بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة 112] يستفاد من هذه الآية الكريمة: أن أهل الجنة هم الذين جمعوا بين وصفين، الإخلاص لله؛ لقوله: ﴿مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ﴾؟، والثاني: اتباع شرعه؛ لقوله: ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾. * ومن فوائد الآية: أن حسن النية وحده لا يكفي في تبرير العبادة، أو في تبرير التعبد لله، حسن النية وحده ما يكفي في تبرير التعبد لله، من أين نأخذه؟ لأنه قال: ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾. يتفرع على هذه الفائدة أن أهل البدع لا ثواب لهم على بدعهم، ولو مع حسن النية، لماذا؟ لعدم الإحسان اللي هو المتابعة، فصاحب البدعة إذا قال: أنا ما أردت إلا خيرًا، قلنا: ولكنك لم تحسن، والأجر مشروط بأمرين: إسلام الوجه لله، والثاني الإحسان. ومنها: ثبوت الأجر في الآخرة، ﴿فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾، وأن العمل لن يضيع. ومنها: إثبات الجزاء أو هذا يكفي التي قبله؟ إذن منها: أن الجزاء من جنس العمل. ومنها: عظم هذا التواضع؛ لإضافته إلى الله في قوله: ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾. ومنها: انتفاء الخوف والحزن لمن تعبد لله سبحانه وتعالى بهذين الوصفين وهما؟ الإخلاص والمتابعة،؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ﴾ [الأنعام 82]، فمن تعبد لله سبحانه تعالى بهذين الوصفين فإنه لا خوف عليه ولا حزن. ومنها: حسن عاقبة المؤمنين؛ لانتفاء الخوف عنهم والحزن، غير المؤمنين تملأ قلوبهم رعبًا، وحزنًا أيضًا؟ نعم وحزنًا، قال الله تعالى: ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾ [البقرة 166]، وقال تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ﴾ [البقرة 167]، وقال تعالى: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ﴾ [مريم 39] إلى غير ذلك من الآيات الدالة على تحسر هؤلاء الذين ما هدوا إلى صراط الحميد. ثم قال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ﴾ * طالب: قلنا: المبتدع ليس له أجر، ولكن إذا كان مقلدًا، قلد وهو حسن النية، لكنه ما يدري، يكون له أجر؟ * الشيخ: ما له أجر (...). * الطالب: بس، يعني عذر بالشق الثاني في شروط العمل، وأتى بالشق الأول..؟ * الشيخ: لكن هذا العمل هذا ما يؤجر عليه لأنه بدعة ولو كان جاهلًا؛ لأنه لو كان عالما ويش يحصل له؟ إثم، يحصل عليه الإثم، فإذا كان جاهلًا قلنا: أنت معذور بالجهل لكن هذا لا ينفعه؛ لأن كل عمل يشترط فيه شرطان: الإخلاص والمتابعة، فإذا لم تكن المتابعة فإنه ما يقبل، وإذا لم يقبل لم ينفعه. * الطالب: وإذا كان فيه خلاف، ممكن مسح الوجه بعضهم يراه بدعة وبعضهم يراه مندوبًا؟ * الشيخ: إذا كان فيه خلاف على حسب ما يؤديه إليه اجتهاده، إذا كان اجتهاده أداه إلى أن هذا من المشروع هو وغيره فإنه يثاب؛ لأنه يعمل لله وهو يرى أنه متبع، إنما صاحب البدعة قد يثاب صاحب البدعة الجاهل قد يثاب على النية العامة من حسن القصد، النية العامة ما هي بنية هذه البدعة بالذات، يثاب على حسن قصده على سبيل العموم، أما أن يثاب على نيته لهذه العبادة المبتدعة فهذا ما يمكن. ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾ إلى آخره [البقرة: 113] هذا أيضًا فيه دليل على أن الأمم الكافرة يكفِّر بعضها بعضًا، فاليهود يقولون: النصارى ليسوا على شيء، والنصارى يقولون: اليهود ليسوا على شيء، والصواب مع من؟ بعد بعثة الرسول كلهم على خطأ، لكن قبل بعثة الرسول الصواب مع النصارى، فإن اليهود ليسوا على شيء. * ومن فوائد الآية: تقبيح القول إذا كان عن علم، تقبيح القول المخالف للحق إذا كان عن علم؛ لقوله: ﴿وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ﴾ فإن هذه الجملة تفيد زيادة القبح فيما قالوه؛ حيث قالوا ذلك وهم يتلون الكتاب ويعرفون الحق. * ومن فوائد الآية: أن هذا القول الذي قاله اليهود والنصارى قد وُرِث ممن قبلهم، وورثه من بعدهم؛ لقوله: ﴿كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾. * ومن فوائد الآية: إثبات يوم القيامة؛ لقوله تعالى: ﴿فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾. ومنها: إثبات الحكم لله، ﴿فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾. ومنها أيضًا من فوائد الآية: أن هؤلاء الذين اختلفوا في الحق والباطل سوف يكون القضاء بينهم يوم القيامة بين يدي الله، فيقول لصاحب الحق: أنت على حق. ولصاحب الباطل: أنت على باطل، أيهما اللي بيخصم؟ * الطلبة: (...). * الشيخ: لقوله تعالى: ﴿فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء 141]. ولهذا ما في حكم مبين للخصم أن الحق له دون خصمه إلا في هذا، يعني: القاضي ما يقول مثلًا للخصمين: لن يكون لصاحبك سبيل عليك، ما يقول حتى إنه يتبين كل يدلي بحجته، لكن هنا بين الله أن الكافرين ما لهم سبيل على المؤمنين، لماذا؟ لأن الحجة قائمة وواضحة للجميع. ثم قال تعالى: ﴿