تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين
وَقَالُوا۟ لَن يَدْخُلَ ٱلْجَنَّةَ إِلَّا مَن كَانَ هُودًا أَوْ نَصَـٰرَىٰ ۗ تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ ۗ قُلْ هَاتُوا۟ بُرْهَـٰنَكُمْ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ ﴿١١١﴾
وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾، ﴿قَالُوا﴾ من؟ اليهود والنصارى، ﴿قَالُوا﴾ أي اليهود والنصارى، ﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا﴾، وهذا قول اليهود، ﴿أَوْ نَصَارَى﴾، وهذا قول النصارى، فاليهود قالوا: ما أحد يدخل الجنة إلا نحن، والنصارى قالوا: ما أحد يدخل الجنة إلا نحن، ما يدخل الجنة إلا يهودي، يقوله اليهود، ما يدخل الجنة إلا نصراني، يقوله النصارى، وهود جمع هائد كعوذ جمع عائذ، العوذ المطافيل، فهود أي: هائد، وهائد بمعنى راجع؛ لقوله: ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾ [الأعراف ١٥٦]، أي: رجعنا، وقيل: إن الهود جمع يهود، أي: يهوذا، اسم جدهم الأول اللي ينتمون إليه، اسمه يهوذا بالذال، ولكنه لما عُرِّب صار يهود، والله أعلم، على كل حال هم هؤلاء القبيلة من بني إسرائيل الذين يزعمون أنهم متبعون لمن؟ لموسى، أما النصارى فقيل: إنه مأخوذ من النُّصرة، وقيل: إنه مأخوذ من نسبة إلى بلدة تسمى الناصرة، وأيًّا كان فالمراد بهم من ينتسبون إلى عيسى.
﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا﴾، وعلى هذا على رأي اليهود يكون النصارى ما يدخلون الجنة، والمسلمون ما يدخلون الجنة، وقد سبق أنهم قالوا: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾ [البقرة ٨٠]، ثم تخلفوننا فيها، النصارى أيضًا على رأيهم ما يدخل اليهود الجنة، وهذا صحيح؟ صحيح بعد ما أن بُعِث عيسى من كفر به فإنه لا يدخل الجنة، ولن يدخل المسلمون الجنة، هذا غير صحيح، بل نقول: إنكم أنتم أيها النصارى، وكذلك اليهود، بعد بعثة الرسول ﷺ لما كفرتم به كنتم من أهل النار، كما قال رسول ﷺ: «والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يَسْمَعُ بِي مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ يَهُودِيٌّ وَلَا نَصْرَانِيٌّ ثُمَّ لَا يُؤْمِنُ بِمَا جِئْتُ بِهِ إِلَّا كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ»[[أخرجه مسلم برقم (١٥٣ / ٢٤٠) من حديث أبي هريرة.]]. فالحاصل أن هذا القول كذب، من الطرفين؟ من الطرفين، ولهذا قال الله عز وجل: ﴿تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ﴾، ﴿تِلْكَ﴾ أي تلك المقالة، ﴿أَمَانِيُّهُمْ﴾، (أماني) جمع أمنية، وهي ما يتمناه الإنسان بدون سبب يصل به إليه، هذه الأمنية إنك تتمنى شيء لكن بدون أن تأتي بالسبب الذي يوصل إليه، واحد قال: أنا أتمنى أن الله يجيب لي ولد، قلنا له: تزوج. قال: لا ما أنا متزوج، وأيش يكون هذا التمني؟ أمنية ولَّا لا؟ نعم (...)، ولهذا قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «الْكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ، وَالْعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَواهَا، وَتَمَنَّى عَلَى اللَّهِ الْأَمَانِيَّ»[[أخرجه الترمذي برقم (٢٤٥٩)، وابن ماجه برقم (٤٢٦٠) من حديث شداد بن أوس.]]، فهؤلاء يتمنون، يقول: نحن مؤمنون، فالجنة لنا، نقول: هذا أمنية كاذبة، اعملوا للجنة تكونوا من أهل الجنة، أما مجرد أماني كاذبة فهذه (...) شيئًا، ولهذا قال: ﴿تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ﴾، ثم قضى بالعدل، ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾، شوف العدل، يعني: نحن ما نرد كلامكم إلا إذا لم تقيموا عليه الدليل، فإن أقمتم عليه الدليل فهو على العين والرأس، ﴿هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾، ﴿قُلْ﴾ يعني: يا محمد، ﴿هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾، و﴿هَاتُوا﴾ اسم فعل، ولَّا فعل أمر؟
* الطلبة: (...).
* الشيخ: إي، لكن القاعدة أنه يكون فعل أمر؛ لأنه ما دل على الطلب ولحقته العلامة فهو فعل أمر، فهنا يقال: هاتوا، ويقال: هاتي للمرأة، ويقال: هاتيا للاثنين، فإذن هو فعل أمر.
* طالب: العلامة؟
* الشيخ: العلامة أنه إذا قبل اتصال الفاعل به فهو فعل أمر.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: نقول هذا مبني على الكسر.
* الطالب: (...).
* الشيخ: قلنا فعل الأمر إي نعم، هو مبني على كل حال مهما جاء، وعلى ما سُمي.
وقوله: ﴿هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾، البرهان هو الدليل، من بَرْهَنَ على الشيء، إذا بيَّنه، أو من بَرِهَ الشيءُ، إذا وضح بالعلامة، فعلى الأول يكون النون أصلية، وعلى الثاني تكون النون زائدة، وعلى القولين جميعًا، فالبرهان هو الدليل الذي يتبين به حجة الخصم، هات دليل تتبين به قولك ونحن نقبله، ثم قال: ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾، قال، شوف إذا قيل: ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾، معناه أن هذا أمر لا يمكن وقوعه، ﴿فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾، ما هو بواقع، تحدي، فإذا كانوا صادقين بأنه ما يدخل الجنة إلا اليهود والنصارى فليأتوا بالبرهان، وسيأتون به؟ لا، إذن يكونون كاذبين، إن كانوا صادقين فليأتوا بالبرهان، ما جاءوا فيكونون كاذبين، كلمة ﴿هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾ فعل أمر يراد به التحدي والتعجيز، إن هذا أمر لا يمكن أن يكون، واعلموا أن من دعايات المنصِّرين الآن، من دعايات المنصرين النصارى أنهم يأتون للشباب في أمريكا وغيرها، يقولون: يا جماعة أنتم ناس مسلمين، أناس تحبون العدل، تحبون العدل تفضلوا اقرؤوا الأناجيل، اقرؤوا الإنجيل شوفوا هو فيه شيء؟ كله دعوة للخير، وكله دعوة للتسامح، وكله دعوة لبذل المعروف، إلى آخره، فالإنسان يغترّ بهم؛ لأنهم إذا قالوا ها الكلام نتبع العدل شوفوا هل نحن مخطئين ولَّا لا؟ الغِرّ ينخدع بذلك، والله صحيح ربما إنهم صادقين، وينسى أن الله تعالى كذَّبهم، ينسى كل اللي في القرآن والسنة؛ لأن دُولَه خدعوه، وهم أيضًا ما عندهم برهان على ما قالوا؛ لأن الأناجيل المعروفة الآن كم هي؟ أربعة، الأناجيل أربعة، هذا المعروف، كل إنجيل منها لا يوافق الآخر في أعظم شيء من شئون النصارى وهو قصة صلب المسيح وقتله، هذا ما هم متفقين عليه إطلاقًا، يقولون الخبراء، أنا ما درست هذه الأناجيل، لكن الذين قرؤوها يقولون: كلها غير متفقة على هذه القصة، مع أنها من أعظم ما يكون عند النصارى، كذلك أيضًا يقولون: إنه من جملة ما فيها إن عيسى عليه الصلاة والسلام لما قُتِل ودُفِن وبقي ثلاثة أيام خرج، خرج من قبره، ويسمون هذا القيامة، هذا كل الأناجيل استندت فيه على قول امرأة مجهولة، العقيدة يمكن تثبت بقول امرأة مجهولة؟ غير ممكن، كذلك يقولون: إن عيسى عليه الصلاة والسلام، هذه المرأة إنها كانت زانية، وأنهم أتوا بها إليه وطلبوا منه أن يرجمها بناء على شريعة التوراة، وقال لهم: أنا أرجمها، لكن ليبدأ بالرجم من لم يعمل خطيئة منكم، يبدأ بالرجم، فتفرقوا؛ لأن كل واحد منهم قد عمل خطيئة، وهو يريد أن يقول: هي عملت خطيئة، وأنتم، فيجب التسامح، ثم لما ما بقي إلا هو قال: أيضًا أنا ما أستطيع أن أرجمك؛ لأني ما أسلم من الخطأ، فعفا عنها وهي زانية، وهي التي شهدت بأنه حينما دُفن قام من قبره، فعلى كل حال، يعني الحقيقة بعض الناس يقول: أنا أرى، لكن أنا لا أوافقه في الرأي، بعض الدكاترة من المدرسين يقول: أنا أرى إن الأناجيل تُنْشَر بين الناس؛ لأجل يعرفون كذب النصارى وتناقض النصارى، ولكن نحن ما نرى هذا؛ لأن هذا فيه مفسدة؛ لأنه ما كل إنسان يبغي يقرأه يكون محيطًا في الأمر، يقرأ الجوانب السليمة الزينة التي جاء الإسلام بمثلها، بل أحسن منها، ثم يدع الأشياء التي تبيّن كذب هؤلاء، فالله تعالى يقول: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾؛ لأنه لا برهان لهم، فهذه الآن الأناجيل اللي يقولوا هي برهاننا ودليلنا على أن ما نقوله حق، نقول: ليس بصحيح، لأن مَن تأملها وجد أنها ليست بصحيحة، لكن هم يأتون إلى هؤلاء الأغرار اللي ما عندهم علم، ولا عندهم عبادة، ثم يخدعونهم، على الأقل يكون عند الإنسان تردد، هل الإسلام هو الصحيح ولا النصرانية هي الصحيحة؟
* طالب: (...)؟
* الشيخ: إي نعم، بس دوله أغرار مساكين، ما يعرفون، ولا يعرف الإسلام إلا مَن لم يعش في الكفر، كما قال عمر:« إنما ينقض الإسلام عروة عروة من لم يكن على الكفر».
* طالب: (...)؟
* الشيخ: كيف؟
* الطالب: التحريف وقع فيها لفظًا (...)؟
* الشيخ: لفظًا ومعنى، كلها، فيها تحريف لفظي ومعنوي. ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾، قال الله تعالى: ﴿بَلَى﴾ (بلى) هذا إبطال للنفي في قولهم: ﴿لَنْ يَدْخُلَ﴾، وهذا واضح، وإن كان بعض المفسرين يقول: (بلى) هنا بمعنى (بل)، بل من أسلم، ولكن نقول: لا، (بلى) هنا حرف جواب، و(بلى) حرف جواب تفيد إبطال النفي، يعني: لما قالوا: ﴿لَنْ يَدْخُلَ﴾، وأيش قال الله؟ بلى يدخل الجنة من ليس هودًا ولا نصارى، من هم؟ ﴿مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ﴾ (مَن) شرطية وهي مبتدأ، وجواب الشرط قوله: ﴿فَلَهُ أَجْرُهُ﴾، وقوله: ﴿مَنْ أَسْلَمَ﴾، ﴿أَسْلَمَ وَجْهَهُ﴾ المراد: بالوجه القصد والنية والإرادة، أسلمها لله، يعني: جعل اتجاهه وإرادته وقصده إلى الله عز وجل، قالوا: وعبر بالوجه؛ لأنه هو الذي يدل على قصد الإنسان، أنت عندما تقصد الشيء تمشي على قفاك لهذا الشيء؟ ولّا على وجهك؟ على وجهك، إذن عبر بالوجه؛ لأنه به يُعرف القصد، ولهذا يقولون: أين كان وجه فلان؟ يعني: أين كان قصده واتجاهه؟ يقول: إلى الجهة الفلانية مثلًا.
وقوله: ﴿وَجْهَهُ لِلَّهِ﴾، هذا عمل القلب وهو الإخلاص، ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾، الجملة في موضع نصب على الحال من فاعل (أسلم)، يعني: أسلم وهو في حال الإحسان، والحال أنه محسن، والمراد بالإحسان اتباع الرسول ﷺ ظاهرًا وباطنًا، وقد جمعه رسول الله ﷺ في قوله: «أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ»[[أخرجه مسلم برقم (٨ / ١) من حديث عمر بن الخطاب.]]، الفرق بين الجملتين: «تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ»، وهذه عبادة الطلب، «فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ»، وهذه عبادة الهرب والخوف؛ لأن الإنسان إما أن تكون عبادته حبًّا لله وشوقًا إليه، فيحمله على ذلك الحب والشوق، وإما أن يكون خائفًا منه، يخاف مراقبة الله سبحانه وتعالى واطلاعه عليه، والحال الأولى أكمل من الحال الثانية، فهذا هو الإحسان، فلا بد من الإحسان، ولا يكفي الإخلاص، ما يكفي الإخلاص، ولهذا فيها الآن أناس من هذه الأمة يقولون: نحن نحب الله، ونريد الله ونسعى للوصول إلى جنته، وهم منحرفون في عبادته، هل يدخلون في الآية هذه؟ ما يدخلون، تيجي للصوفية الآن، الصوفية غالبهم من أزهد الناس في الدنيا، يقولون: نحن ما نقصد إلا وجه الله، ولا نريد إلا وجه الله، وعندهم من البدع والخرافات ما لا يحصيه إلا الله، هل نقول: إن هؤلاء يدخلون في هذه الآية؟ لا، ما يدخلون، لماذا؟ لعدم الإحسان، والإحسان كما قلت لكم: هي المتابعة للرسول ﷺ، فعلى هذا تكون الآية دالة على الشرطين الأساسيين في العبادة، وهما؟ الإخلاص والمتابعة للرسول ﷺ، وهو محسن.
* طالب: بس ذكر الإخلاص.
* الشيخ: نعم، وأين الإخلاص؟
* الطالب: ﴿مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ﴾ هذا إخلاص، وأحسن شمل الأمرين.
* الشيخ: اتباع الرسول، الإحسان اتباع الرسول.
* الطالب: بس قلنا: الإحسان هو الإخلاص والمتابعة.
* الشيخ: لا لا ما قلنا، قلنا أن الآية تتضمن هذا.
* الطالب: يعني كلها.
* الشيخ: كل الآية.
* الطالب: (...).
* الشيخ: لا، ما (...).
وقوله: ﴿فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾، الأجر ما يُعطاه الإنسان على عمله، كما لو استأجرت شخصًا يعمل لك بناء فأعطيته، والمراد به هنا الثواب، الثواب، المراد به الثواب، شبّهه الله تعالى بالأجر؛ لأنه حق للإنسان، من أوجبه على الله؟ الله هو الذي أوجبه على نفسه، قال الشاعر:
مَا لِلْعِبَادِ عَلَيْهِ حَقٌّ وَاجِب ∗∗∗ كَلَّا وَلَا سَعْيٌ لَدَيْهِ ضَائِـــــعُ ؎إِنْ عُذِّبُوا فَبِعَدْلِهِ أَوْ نُعِّمُوا ∗∗∗ فَبِفَضْلِهِ وَهُوَ الْكَرِيمُ الْوَاسِعُولكن ابن القيم في النونية قيد هذا البيت؛ لأنه مطلق، فقال: ؎مَا لِلْعِبَادِ عَلَيْهِ حَـــــــــــــــــــــقٌّوَاجِبٌ ∗∗∗ هُوَ أَوْجَبَ الْأَجْرَ الْعَظِيمَ الشَّانِهو أوجب؛ لأن القول الأول، البيت الأول: ؎مَا لِلْعِبَادِ عَلَيْهِ حَقٌّ وَاجِبٌ ∗∗∗ ........................... يفهم الإنسان إن الله لا يجب عليه إثابة الطائعين، أو لا؟ لكن ابن القيم رحمه الله بيّن، واجب أوجبه غيره عليه، فقال: ؎.................... ∗∗∗ هُوَ أَوْجَبَ الْأَجْرَ الْعَظِيمَ الشَّانِ ؎.................... ∗∗∗ كَلَّا وَلَا سَــــــعْيٌ لَـــــــدَيْهِضَائِــــــــــــعُ مطلق في البيت الأول لكن ابن القيم قيّده: ؎.................... ∗∗∗ إِنْ كَانَ بِالْإِخْلَاصِ وَالْإِحْسَانِ وإلا إذا كان السعي ليس بالإخلاص أو ليس بالإحسان فهو ضائع. ؎إِنْ عُذِّبُوا فَبِعَدْلِهِ أَوْ نُعِّمُوا ∗∗∗ فَبِفَضْلِهِ وَالْفَضْلُلِلْمَنَّــــــــــــــــــانِ يعني: وافق البيت...
﴿أَجْرُهُ﴾ الضمير في ﴿أَجْرُهُ﴾ يعود على من؟ على ﴿مَنْ أَسْلَمَ﴾؟ يعني: فلهذا الذي أسلم وهو محسن أجره، ألا يمكن أن تكون عائدة على العمل، فله أي أجره أي أجر إسلام وجهه وإحسانه؟ يجوز؛ لأن الأجر هو في الحقيقة في مقابلة العمل، فإضافته إلى العمل واضحة، وهو أيضًا للعامل فإضافته إلى العامل واضحة أيضًا.
وقوله: ﴿أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ أضافها إلى العندية لفائدتين:
إحداهما أنه عظيم؛ لأن المضاف إلى العظيم عظيم؛ ولهذا جاء في حديث أبي بكر الذي علمه الرسول ﷺ إياه قال: «فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ»[[متفق عليه؛ البخاري (834)، ومسلم (2705 / 48) من حديث أبي بكر الصديق رضي الله عنه.]]، وهذه العندية هامة؛ لأن ما عند العظيم عظيم.
الفائدة الثانية؛ لقوله: ﴿عِنْدَ رَبِّهِ﴾ أن هذا لن يضيع؛ لأنك لا يمكن أن تجد أحدًا أحفظ من الله، أليس كذلك؟ ما فيها إشكال، فإذن لن يضيع هذا العمل، لن يضيع؛ لأنه في أمان غاية الأمان، وهذا بلا شك مما يشجع الإنسان على العمل، يشجعه، أنت الآن لو تؤدي إلى إنسان أمانة، ترى هل أنت على ثقة منها تمام الثقة؟ ما هو على ثقة، ظاهر حال الرجل أنه أمين لكن ربما يأتي أشياء لا طاقة له بها فتضيع أو هو تتغير حاله فيخون.
أما الرب جل وعلا فإن هذا غير ممكن في حقه، الأجر عند الله، فصار الفائدة من هذه العندية أمران:
إحداهما أنه أجر عظيم؛ لأن ما جاء من عند العظيم فهو عظيم.
والثاني أنه محفوظ وأنه في غاية الحفظ؛ لأنه عند الله سبحانه وتعالى.
قال: ﴿وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة 112] لا خوف عليهم في ما يستقبل من أمرهم، ولا هم يحزنون فيما مضى من أمرهم؛ لأنهم إذا حشروا يوم القيامة ووجدوا نتائج أعمالهم - اللهم اجعلنا ممن يجد خيرًا - إذا وجدوا هذا ما حزنوا على ما مضى، الحزن والحسرة لمن؟ لمن فرط وأضاع ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [مريم 39].
لكن المؤمن ما يحزن؛ لأنه استفاد من حياته، أما الكافر فإنه يحزن، ويريهم الله أعمالهم حسرات عليهم ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر 15].
﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (27) يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا (28)﴾ [الفرقان 27، 28]. إلى آخره.
فالمهم أنهم لا يحزنون يوم القيامة؛ لأنهم (...) يجدون نتائج أعمالهم وثمراتها خير نتائج وخير ثمرة، فإذن هم آمنون، ولَّا لا؟ آمنون مما يستقبل مغتبطون بما مضى، فلا حزن لديهم ولا خوف ﴿وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ عندما نقرأ هذه الآية ما ينبغي أن نقرأها على أنها مجرد خبر، بل على أن نقرأها؛ لأنها مربية، نقرأها قراءة تربية يعني بمعنى أننا نسلم وجوهنا إلى الله، ونحسن في أعمالنا، أفهمتم؟ وهكذا جميع ما في القرآن ما نقرأه على أن نفهم المعنى فقط، بل على أن نعمل كما كان الصحابة رضي الله عنهم إذا قرؤوا عشر آيات ما يتجاوزونها حتى يتعلموها، وما فيها من العلم والعمل قالوا:« فتعلّمْنا القرآنَ والعلمَ والعملَ جميعًا »[[أخرجه الطبري في التفسير: (1 / 80).]].
ثم قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ﴾ [البقرة 113].
أعداء بعضهم لبعض من جهة، وأولياء بعضهم لبعض من جهة أخرى، بالنسبة لنا هم بعضهم لبعض ولي، وبالنسبة لما بينهم بعضهم لبعض عدو، لكن بالنسبة لنا يقولون: عدونا هذا مشترك، الإسلام عدو مشترك لليهودية والنصرانية، فيجب أن يتولى بعضنا بعضًا، يقول: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ﴾ كلمة ﴿شَيْءٍ﴾ موصوف بصفة محذوفة؛ لأنهم يقينًا على شيء النصارى ولَّا لا؟ هم على شيء على دين، لكن مرادهم على شيء نافع أو على شيء معتد به، يعني معناه إن لا بد من صفة محذوفة، قدِّرها إن شئت على شيء نافع، أو إن شئت فقدر على شيء معتد به، يعني: ما هم على شيء يعتد به وينفعهم، وقوله: ﴿لَيْسَتِ النَّصَارَى﴾ كيف أنث الفعل؟ لماذا أنث الفعل؟
* طالب: (...).
* الشيخ: من أجل الجمع، وابن مالك يقول:
وَالتَّاءُ مَعْ جَمْعٍ سِوَى الْسَّالِمِ مِنْ ∗∗∗ مُذَكَّرٍ كَالْتَّاءِ مَعْ إِحْدَى اللَّبِنْ
(...) وأن النصارى كذلك ادعوا دعوى باطلة، وقالوا: لن يدخل الجنة إلا من كان نصارى، وأن الله تعالى أبطل هذه الدعوى بقوله: ﴿تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة 111].
وبين سبحانه وتعالى من أهل الجنة بأنهم الذين جمعوا بين أمرين: بين الإخلاص لله سبحانه وتعالى بإسلام وجوههم له، وبين المتابعة لشريعته وهو محسن، وهذا يشمل من أسلم من هذه الأمة وممن قبلها، ومن كل من أسلم لله وهو محسن من هذه الأمة وغيرها، فإنهم أصحاب الجنة، وتقدم أيضًا أنه ليس عليه خوف مما يستقبل ولا حزن مما مضى.
ثم قال الله تعالى مبينًا أن هؤلاء اليهود والنصارى كل منهم ينكر شريعة الآخر: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ﴾ يعني: على شيء من الدين، لا من الحياة، فهم أحياء يأكلون ويشربون ويتزوجون ويتمتعون في الدنيا، لكن ليسوا على شيء من الدين؛ لأنهم كما زعموا دينهم باطل فاليهود لم يؤمنوا بعيسى؛ ولهذا أنكروا أن يكون النصارى على شيء، النصارى قابلتهم بالمثل، ﴿وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ﴾ [البقرة 113] يعني: ليست على شيء من الدين أما دعوى اليهود فإنها باطلة على كل تقدير؛ لأن النصارى بلا شك على دين، وأما دعوى النصارى فإنها ليست باطلة على كل تقدير، بل إن اليهود ليسوا على شيء بعد دين النصارى؛ إذ إنه يجب عليهم الإيمان بعيسى فإذا كذبوه لم يكونوا على شيء، كانوا كفارًا، فهنا أيما أقرب إلى الصواب دعوى اليهود أو النصارى؟ دعوى النصارى، فاليهود دعواهم أن النصارى ليسوا على شيء هذا كذب بكل تقدير، وأما النصارى فإن دعواهم أن اليهود على شيء صحيح، متى؟ بعد عيسى أما قبل عيسى فإن دعوى النصارى في ذلك كذب، فإن اليهود كانوا على الدين، وكانوا على شريعة صحيحة مستقيمة، طيب في الإعراب ﴿لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ﴾، و﴿لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ﴾ اليهود بالأول مضمومة، والنصارى مفتوحة مع أن ليس عامل واحد، لأيش؟ اليهود بالأول مضمومة والنصارى مفتوحة، مع أن العامل وهو ليست واحد؟
* طالب: لأن النصارى ما تظهر عليها العلامات.
* الشيخ: يعني: ما هي مفتوحة؟
* الطالب: لا مضمومة بضمة مقدرة.
* الشيخ: على؟
* الطالب: على الألف.
* الشيخ: على الألف؟ صح؟ نعم، إي، ما تشتبه؟ اليهود ظهرت عليها الضمة؛ لأن آخرها حرف صحيح وهو الدال، والنصارى لم تظهر عليها الضمة؛ لأن آخرها حرف علة وهو الألف.
قال الله تعالى: ﴿وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ﴾ الجملة هذه حالية، وهم الضمير يعود على اليهود وعلى النصارى، يعني والحال أن هؤلاء المدعين كلهم ﴿يَتْلُونَ الْكِتَابَ﴾ أي يقرؤونه، والمراد بالكتاب الجنس، فيشمل التوراة يتلوها اليهود، والإنجيل يتلوه النصارى، والجملة هنا حالية، والغرض منها تقبيح هذه الدعوى، كيف يدعون هذه الدعوى وهم يتلون الكتاب؟ النصارى تتلو التوراة وتعرف أن اليهود تدين بالتوراة فهم كانوا على شيء، والنصارى كذلك أيضًا يتلون التوراة ويتلون الإنجيل ويعرفون أن عيسى حق، لكنهم كفروا استكبارًا، ولا ريب أن الذي ينكر الحق مع تلاوة وثيقته أقبح من الذي ينكر الحق مع الجهل به، ولَّا لا؟ أقول: لاريب أن الذي ينكر الحق مع أن وثيقته بين يديه أعظم قبحًا من الذي ينكره جهلًا به، توافقون على هذا؟
* الطلبة: نوافق.
* الشيخ: نعم، نوافق؛ لأن اللي ينكره مع أن الوثيقة بين يديه معاند، معاند مكابر بخلاف الجاهل، فالجاهل قد ينكر الشيء للجهل به، لكن العالم لا عذر له، ولهذا قال: ﴿وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ﴾ وتعلمون أن الحال سواء كانت جملة أو مفردًا هي وصف في صاحبها، الحال اللي يسمونها النحويون الحال هي وصف في صاحبها، إذا قلت: جاء زيد راكبًا. فمعناه أن وصفه أيش؟ الركوب، وإذا قلت: جاء زيد وهو على جمله. فمعلوم أن وصفه أيضًا الركوب، والجملة حالية.
طيب ﴿وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ﴾ قلت: إن الكتاب جنس ولَّا معين؟ جنس، فيشمل التوراة والإنجيل وقوله: ﴿الْكِتَابَ﴾ فعال بمعنى مفعول؛ لأن الكتب المنزلة من السماء تكتب وتقرأ، ولا سيما أن التوراة كتبها الله بيده، كما جاء ذلك في الآثار، وهي لا شك أنها ألواح أعطيها موسى، فإن موسى جاء بها من عند الله كما في قصة ﴿وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ﴾ [الأعراف 150]
﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف 145]
* طالب: (...)؟
* الشيخ: لا، كيف يكون؟ لأن قولهم: ﴿عَلَى شَيْء﴾ ما ندري، قلنا لك تو: إن أرادوا قبل بعثة عيسى فهم خاطئون، فاليهود على شيء.
* طالب: النصارى كفروا بموسى؟
* الشيخ: لا ما كفر النصارى بموسى، النصارى يؤمنون بموسى، لكنهم يجحدون دين اليهود، وأنتم (...) على شيء نحن قلنا: فيه تفصيل.
قال الله تعالى: ﴿وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾ [البقرة 113] ﴿كَذَلِكَ﴾ الكاف المعربون يقولون: إن الكاف في مثل هذا التركيب اسم بمعنى مثل، وأنها منصوبة على المفعولية المطلقة، وأن ذا اللي هو اسم إشارة يشير إلى المصدر، أي: مثل ذلك القول قال الذين من قبلهم، ومنه أيضًا قوله تعالى: ﴿قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ [النمل 34] يعني: ومثل ذلك يفعلون، كلما جاء مثل هذا التركيب فإنهم يقولون: إن الكاف اسم بمعنى مثل وأنها مفعول مطلق مضافة إلى اسم الإشارة الذي يشار به إلى مصدر العامل، عامل الفعل اللي بعده، طيب إذا قلت لك أنا مثلًا: قلت كذلك، ويش المعنى؟ قلت: مثل هذا القول، فعلت كذلك، أي: فعلت مثل ذلك الفعل، قرأت مثل ذلك، أي: قرأت مثل ذلك القراءة وهكذا.
وقوله: ﴿كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾ ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾ نفى الله عنهم العلم، يعني كذلك قال الذين لا يعلمون يعني: لم يقرؤوا كتابا ﴿مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾ أي مثل قول هؤلاء، وكلمة: ﴿مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾ يقولون: إنها تأكيد لـ﴿كَذَلِكَ﴾؛ لأننا قلنا لكم: إن ﴿كَذَلِكَ قَالَ﴾ معناها مثل ذلك القول قال، ومعلوم أن العامل الواحد ما ينصب، فقالوا: إن مثل قولهم توكيد لـ﴿كَذَلِكَ قَالَ﴾.
وقوله: ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾ من الذين لا يعلمون؟ قال بعض المفسرين: لا يعلمون: إنهم أمم سابقة، كقوله في الآية الثانية: ﴿كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [البقرة 118]، فهم أمم سابقة لا يعلمون، وقال بعض المفسرين: ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾ أي: من هؤلاء يعني أن الذين يتلون الكتاب من اليهود النصارى قالوا: مثل قول الذين لا يعلمون منهم، فاستوى قول عالمهم وجاهلهم، وقال بعض المفسرين: المراد بـ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾ كفار قريش أهل الجاهلية، فإنهم قالوا: إن محمدا ﷺ ليس على دين، وليس على شيء، والأحسن من هذا الأحسن أن نقول؟
* طالب: كل من لا يعلم.
* الشيخ: إي نعم، نقول بالعموم، الأحسن أن يقال بالعموم مثل ما اختاره ابن جرير وغيره، فإن القرآن إذا تضمنت الآية معاني متعددة لا يتناقض بعضها مع بعض، فالواجب حملها على هذه الاحتمالات كلها، وهذا من سعة كلام الله عز وجل وشمول معناه، وهذه قاعدة مقررة في التفسير ينبغي أن يحتفظ بها الإنسان أنه إذا فسرت الآية بالأقاويل المتعددة، وكان بعضها لا ينافي بعضًا بالنسبة للآية الكريمة، فإنها تحمل عليهما.
﴿كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾ [البقرة 113] يعني: أنهم أنكروا الحق، فقالوا مثلًا في الرسول عليه الصلاة والسلام: ليسوا على شيء، وقال المكذبون للرسل أيضًا: ليس الرسل على شيء، وقالوا أيضًا لأهل العلم والإيمان: ليسوا على شيء، وهكذا إلى يوم القيامة أيضًا ربما يقال هذا الشيء، وإلى الآن يقول الجاهلون لأهل العلم: إنهم ليسوا على شيء.
قال الله تعالى: ﴿فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [البقرة 113]، ﴿فَاللَّهُ﴾ الفاء حرف عطف، والله مبتدأ، والجملة ﴿يَحْكُمُ﴾، الجملة؟ في محل رفع خبر المبتدأ، فالله يحكم وهذا للمستقبل للمضارع ولَّا للماضي؟ للمستقبل بدليل قوله: ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾.
قوله: ﴿يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾ الحكم معناه القضاء والفصل بين الشيئين، والله تبارك وتعالى يوم القيامة يقضي بين الناس فيما كانوا فيه يختلفون، فيبين لصاحب الحق حقه ويجزيه به، ويبين لصاحب الباطل باطله ويجزيه به، وحكم الله سبحانه وتعالى ينقسم إلى ثلاثة أقسام: شرعي، وكوني، وجزائي، الشرعي مثل قوله تعالى في سورة الممتحنة: ﴿ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [الممتحنة 10].
حكم الله شرعي ولَّا كوني ولَّا جزائي؟ شرعي، والكوني مثل قوله تعالى عن أخي يوسف: ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾ [يوسف 80] هذا كوني، والجزائي مثل هذه الآية ﴿فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [النساء 141] الحكم الجزائي هو ثمرة الحكم الشرعي؛ لأنه إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر، هذا الحكم يوم القيامة بين الناس، هل هو بالعدل ولَّا بالفضل؟ نقول: لا يخلو إما بالعدل أو بالفضل أو بالظلم، والظلم منتف، الظلم منتف حرمه الله على نفسه، وعلى عباده، كما في الحديث القدسي: «يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا»[[أخرجه مسلم (2577 / 55) من حديث أبي ذر الغفاري.]] بقي أيش؟ بقي العدل والفضل، فنقول: أما بالنسبة لحقوق الناس فيما بينهم فالقضاء بالعدل، وأما بالنسبة لما بين العبد وبين ربه فالقضاء بالعدل بالنسبة للكافرين، وبالفضل بالنسبة للمؤمنين؛ لأن الكافر يجزى بالعدل ﴿مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا﴾ [غافر 40] وأما المؤمن فيجزى بالفضل «الْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، وَالسَّيِّئَةُ بِمِثْلِهَا أَوْ يَعْفُو عَنْهَا»[[أخرجه أحمد (16206) من حديث لقيط بن عامر بلفظ: «... وَالسَّيِّئَةُ بِمِثْلِهَا إِلَّا أَنْ يَعْفُو»، وفي البخاري (41) من حديث أبي سعيد الخدري بلفظ: «الْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِ مِئَةِ ضِعْفٍ، وَالسَّيِّئَةُ بِمِثْلِهَا إِلَّا أَنْ يَتَجَاوَزَ اللَّهُ عَنْهَا».]] كذا ولَّا لا؟ إذن الحكم الجزائي بين الخلائق بالعدل، لا بد أن يؤتى صاحب الحق حقه، وبين الإنسان وبين ربه دائر بين العدل والفضل، طيب، ما جوابكم عن قوله تعالى: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ﴾ [يونس 4]؟
* طالب: (...).
* طالب: مخصصة.
* الشيخ: نقول: الجواب والله أعلم، إن هذا هو الواجب له بما أوجبه الله، والفضل زيادة، وأن هذا من باب التحذير، يعني: معناه الإنسان ما لكل عمل، هذا الأصل لك، وهذا غاية العدل، لكن الفضل زيادة من الله سبحانه وتعالى.
قال: ﴿يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ ويوم القيامة تقدم لنا أنه سُمي يوم القيامة لأمور؟ لأيش سُمي يوم القيامة؟
* طالب: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين 6].
* الشيخ: ﴿لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ نعم.
* طالب: يقام فيه العدل.
* الشيخ: يقام فيه العدل، نعم.
* طالب: ﴿يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾
* الشيخ: ذُكِر.
* طالب: قيام الأشهاد.
* الشيخ: نعم، قيام الأشهاد كما قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر 51] فهو يوم القيامة لقيام الناس من قبورهم لرب العالمين، ولإقامة العدل فيه، ولقيام الأشهاد.
* طالب: (...).
* الشيخ: الأشهاد ليشهدوا، الأمم تشهد عليهم الرسل، وهذه الأمة تشهد على الأمم السابقين والأيدي والأرجل؟
﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾؛ لأنه معلوم فيه خلاف بين المؤمن والكافر، ولَّا لا؟ خلاف بين النصارى أهل الملة كلهم، النصارى واليهود مختلفون بل النصارى الآن مختلفون في مللهم، مختلفون في مللهم مع بعضهم اختلافًا جوهريًّا، جوهري في الأصول ما هو في الفروع، في كيفية صلب عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام، وفي القيامة التي يقال: إنه بعث من قبره بعد ثلاثة أيام، وغير ذلك فهم مختلفون، واليهود كذلك أيضًا على خلاف، وكذلك المسلمون عامة مع الكفار، والذي يحكم بينهم هو الله عز وجل يوم القيامة، وليس هذا الحكم مبنيًا على خرص وظن، بل هو على علم، كل إنسان عمله مسجل في كتاب، يقال﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ﴾ [الإسراء 14] وكل إنسان عليه رقيب عتيد، إذا جاء يوم القيامة حضر ﴿وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾ [ق 23] أي حاضر، وكذلك أيضًا كل إنسان في يوم القيامة يشهد عليه جوارحه بما عمل، فالحكم هذا مبني على أقوم البينات وأعدل الأحكام.
ثم قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [البقرة 114].
(من) اسم استفهام وهي مبتدأ، وأظلم خبره، والاستفهام هنا بمعنى النفي يعني: لا أحد أظلم، ما هو الاستفهام الذي يكون بمعنى النفي؟ يعني: ما هو الميزان الذي يبين لك أن الاستفهام بمعنى النفي؟ أنك لو حذفت الاستفهام وأقمت النفي مَقامه أو مُقامه صح، فهنا (من أظلم) لو قلت: لا أحد أظلم، يستقيم الكلام؟ يستقيم الكلام، ما الفائدة في أنه يحول النفي إلى استفهام؟ لأنه أبلغ في النفي، إذ إن الاستفهام الذي بمعنى النفي مشرب معنى التحدي، كأنه يقول: بينوا لي أي أحد أظلم من كذا وكذا. فالاستفهام الذي بمعنى النفي فائدته أي فائدة تحويل النفي؛ لأن الكلام هنا على النفي، لكن فائدة تحويله إلى استفهام أنه إذا حول كان مشربًا بأي شيء؟ بالتحدي كأنه يتحدى من أظلم؟ دوروا أي أحد أظلم ممن منع.
وقوله: ﴿أَظْلَمُ﴾ اسم تفضيل من الظلم، وأصله في اللغة النقص، وهو أن يفرط الإنسان فيما يجب أو يعتدي فيما يحرم، هذا ضابط الظلم، الظلم في اللغة أصله النقص؛ لقوله تعالى: ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ [الكهف 33] لم تظلم أي: لم تنقص، وهو في الشرع بهذا المعنى؛ لأن الظلم عبارة عن تفريط في واجب أو انتهاك لمحرم وهذا نقص، لا أحد أظلم ﴿مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ [البقرة 114] ﴿مِمَّنْ﴾ (مَن) اسم استفهام؛ (مِنْ مَنْ)، اسم استفهام؛ لأن (مِن) حرف جر، و(مَن) هذا استفهامية، كذا؟
* الطالب: لا، الأولى حرف جر والثاني موصول.
* الشيخ: (مَن) اسم موصول هنا بمعنى الذي، ومن أظلم من الذي منع مساجد الله؟!
وقوله: ﴿مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ من الذي منع، هل المراد بها شخص معين؟ لأنه اسم مفرد أو هو شامل لكل من اتصف بهذا الوصف؟
شامل؛ لأنه مر علينا في أصول الفقه أن الأسماء الموصولة كلها من ألفاظ العموم، كل الأسماء الموصولة سواء مفرد ولَّا مثنى ولَّا جمع كله يفيد العموم، وقوله: ﴿مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ﴾ ﴿مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ﴾ منْعُ مساجد الله في الحقيقة له أسباب؛ تارة تمنع المساجد من أن تمتهن فُرُشها أو أرضها أو كتبها أو مصاحفها فتغلق الأبواب حماية لها، يدخل في هذا؟ لا، ﴿مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ هذا المنع، منع أن تقام فيها حلقات الذكر، منع أن تقام فيها المواعظ، منع أن تقام فيها الصلوات، منع أن تقام فيها قراءة القرآن هذا ما عاد يذكر فيها اسمه، أما منعها أن تفسد وتسرق وتمزق كتبها ومصاحفها فليس هذا داخلًا في هذا الباب، الذي يدخل في الباب أن يذكر؛ ولهذا ﴿أَنْ يُذْكَرَ﴾ نقول في إعرابها: إما أنها عطف بيان، أو بدل اشتمال من كلمة ﴿مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ أو نقول: (أن يذكر) منصوبة بنزع الخافض على وجه مضطرد ولَّا غير مضطرد؟
* طالب: (...).
* الشيخ: ويش الدليل من ابن مالك؟ بنزع الخافض
* طالب: قوله:
نقلًا وفي (أَنَّ) وَ (أَنْ) يَطَّرِدُ ∗∗∗ مَعْ أَمْن لَبْسٍ كَعَجِبْتُ أَنْ يَدُوا
* الشيخ: طيب، المهم أن يذكر، يصلح أن تقول من أن يذكر، وأضيفت المساجد إلى الله ﴿مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ لأنها محل عبادته، فتكون تشريفًا لها، تكون الإضافة هنا من باب التشريف، وفي المناسبة قد ذكرنا لكم أن الذي يضاف إلى الله ينقسم إلى قسمين: إما أن يكون أوصافًا أو أعيانًا أو أوصافًا في أعيان، ثلاثة أقسام: إما أن يكون أوصافًا أو أعيانًا أو أوصافًا في أعيان يعني أعيان مخلوقة.
* الشيخ: فهمتم الآن التقسيم؟ إذا كان المضاف إلى الله وصفًا فهو صفة من صفاته وغير مخلوق مثل: كلام الله، يد الله، علم الله، إذا كان المضاف إلى الله عينًا قائمة بنفسها فهو مخلوق، وليس من صفاته مثل مساجد الله، وناقة الله، وبيت الله هذه أعيان قائمة فتكون إضافتها إلى الله من باب إضافة المخلوق لخالقه على وجه التشريف، ولا شيء من المخلوقات يضاف إلى الله عز وجل إلا لسبب خاص به، ولولا هذا السبب ما أضيف إليه، ما خص بالإضافة، طيب الثالث؟
أوصاف في أعيان مخلوقة، فهو أيضًا مخلوق، وهذا نقول إن صح التعبير مثل ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾ [الحجر 29] فإن الروح هنا صفة في الجسد، إن صح أن نقول: صفة، والناس مضطربون فيها: هل هي صفة ولَّا عين ولَّا معنى؟ المهم هذه حتى إن قلنا: إنها عين، دخلت في القسم الثاني، وإن قلنا: إنها صفة، فهي قسم مستقل، لكنها صفة في مخلوق فتكون مخلوقة، وقوله هنا: ﴿مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ يعم كل المساجد سواء كانت هذه المساجد لها خاصية كالمساجد الثلاثة أو لا خاصية لها كعموم المساجد.
وقوله: ﴿مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ احترازًا من المكان الذي صُلِّي فيه ولم يُجعل مسجدًا؛ لأنه إلى الآن ما صار لله، مثل جماعة حوطوا لهم مكان في البر و(...) وصلوا فيه، يصير هذا من مساجد الله؟ لا لكنه مسجد هو مسجد لكن ما يضاف إلى الله عز وجل؛ لأنه لم يتخذ على سبيل البقاء في كونه مسجدًا.
وقوله: ﴿أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ أن يذكر فيها اسمه، (اسم) نائب فاعل ولَّا فاعل؟
* طالب: نائب فاعل.
* الشيخ: نائب فاعل؛ لأن يذكر فعل مضارع مبني لما لم يسم فاعله أو للمفعول، فعلى هذا يكون نائب فاعل، وقوله: ﴿أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ ولم يقل: أن يذكر فيها الله، مع أنه قال في سورة النور: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ﴾ [النور 37]؛ لأن الله لا يذكر إلا باسمه، فالذكر باللسان لا يكون إلا باسم الله، أما ذكر القلب فيكون ذكرًا لله ويكون ذكرًا لأسمائه، فقد يتأمل الإنسان في قلبه أسماء الله ويتدبر فيها ويكون ذكر الاسم، وقد يتأمل في أفعال الله عز وجل ومخلوقاته وأحكامه الشرعية، أما اللسان فلا بد فيه من أيش؟ من ذكر اسم الله.
﴿أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا﴾ [البقرة 114] هذا معطوف على ﴿مَنَعَ﴾ يعني: جمع وصفين: منع المساجد التي يذكر فيها اسمه، ﴿وَسَعَى فِي خَرَابِهَا﴾ الخراب ضد الصلاح كما قال تعالى: ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ﴾ [الحشر 2] وفي قراءة[[بالتشديد قرأها أبو عمرو، انظر: النشر (2 / 293).]] : ﴿يُخَرِّبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ﴾ ، والمراد بالخراب هنا الحسي ولَّا المعنوي؟ الظاهر والله أعلم أنه يشمل؛ لأنه قد يتسلط بعض الناس - والعياذ بالله - على هدم المساجد حسًّا، قد يتسلط بعض الناس على أن يهدم مساجد الله حسًّا بالمعاول والقنابل، ولَّا لا؟ وقد يخربها معنى، كيف تخريبها معنى؟ أنه يمنع من ذكر الله فيها، يمنع من ذكر الله فيها، وعلى هذا يكون ﴿سَعَى فِي خَرَابِهَا﴾ تفسيرًا لقوله: ﴿مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ فإن هذا من خرابها.
وقوله: ﴿وَسَعَى فِي خَرَابِهَا﴾ السعي بمعنى المشي بسرعة، ويطلق على مجرد العمل، يطلق السعي على مجرد العمل، وإن لم يكن بسرعة، ﴿وَسَعَى فِي خَرَابِهَا﴾ هل نقول: من السعي في خرابها التخلف عن الجماعة؟
* الطلبة: (...).
* الشيخ: إي (...) لكن إذا بقى يتخلف هذا الرجل وهذا الرجل وهذا الرجل ما صلوا الناس في المسجد.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: لا نحن قلنا: إنه سعى في خرابها الخراب المعنوي والحسي، إذا لم تقم فيه الجماعة فهو خراب معنوي، لكن قد يقال: من ترك الجماعة، نعم، إن أجمعوا فهذا قد يدخل في هذا الشيء؛ لأنهم عطلوها، أما إذا كان واحد فإنه إذا تخلف واحد جاء غيره، ما يلزم من تخلفه أن يعطل المسجد.
* طالب: (...).
* الشيخ: (...) فالأعمال بالنيات.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: امدح وتكلم بالتوحيد؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: امدح الرسول ﷺ بما يستحق عليه الصلاة والسلام لا تغلو فيه، أقول: امدح الرسول وتكلم في التوحيد.
* طالب: ما يتكلم بالتوحيد (...).
* الشيخ: المديح البدعي، هذا ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه، ولكن ينبغي إنكم تتفاهمون معهم مثلا تجلس، ولا تعاند فيحصل فوضى، وبعدين تفاهم معهم بالتي هي أحسن.
* طالب: المساجد عندنا يجيء جماعة يوم الأربعاء، يجيبوا عبي بيضاء وطواقي ويمسكوا الناس بالقوة يخلوهم علشان يذكروا ويتمايلوا وذكر؟
* الشيخ: هذا من السعي في الخراب؛ لأن إقامة البدع في المساجد خراب لها.
* الطالب: بالمرة برضة قلنا لهم: يا جماعة ما تمسكوا، اللي عايز يقعد معاكم (...) يقعد، ما تمسكوا الناس بالعافية.
* الشيخ: أعوذ بالله.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: معنى هذا إن بني النضير لما حصل المصالحة معهم، وعرفوا أنهم ماشيين يخلون بيوتهم بدؤوا يخربونها، يكسرون البيبان ويخربون الأشياء اللي فيها لأجل إذا أخذها المسلمون وإذا هي خربانة.
* طالب: وأيدي المؤمنين.
* الشيخ: وأيدي المؤمنين بالنسبة لهم هم خراب، يعني هم الآن خربوها عليهم حيث احتلوها.
* طالب: (...)
* الشيخ: منع تنصب مفعولين.
* طالب: (...)
* الشيخ: مساجد هو المفعول الأول.
* طالب: عطف.
* الشيخ: عطف أيش؟ ما فيها واو.
* الطالب: (...).
* الشيخ: لا، قلنا لكم: إن فيها وجهان: أحدها أن تكون منصوبة بنزع الخافض بتقدير من يعني: من أظلم ممن منع مساجد الله من أن يذكر، منعها من أن يذكر فيها اسمه، أو أنها بدل اشتمال من قوله: ﴿مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾؛ لأن المعنى: ومن أظلم ممن منع أن يذكر الله في المساجد.
قوله: ﴿أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ﴾ ما معناها؟ ﴿أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ﴾ ويش معناها؟
* طالب: المنافقين ما كان لهم أن يدخلوا هذه المساجد؛ لأن قلوبهم ليست صادقة مع الله (...).
* الشيخ: وغيره من يفهم؟
* طالب: المعنى أن هؤلاء الذين يمنعون الناس ما يحق لهم دخول المساجد إلا وهم خائفون.
* الشيخ: إي نعم، صح، يعني معناه كان الذي ينبغي أن لا يدخلها هؤلاء إلا خائفون؛ لأنهم كافرون بالله عز وجل فليس لهم حق أن يدخلوا المساجد إلا خائفين، فكيف يمنعون عباد الله؟ أو أن المعنى وجه آخر أن هذا خبر بمعنى النهي، يعني: لا تدعوهم يدخلونها إذا ظهرتم عليهم إلا خائفين، أو أنها بشارة من الله عز وجل، بأن هؤلاء الذين منعوا المساجد، ومنهم المشركون الذين منعوا النبي ﷺ المسجد الحرام بأنه ستكون الدولة عليهم، ولا يدخلونها إلا وهي ترتجف قلوبهم فالاحتمالات ثلاثة الآن.
يستفاد من هذه الآية الكريمة الآن فوائد:
إما أنها للنهي يعني لا تدعوهم يدخلونها إلا خائفين، أو أنها لبيان حال هؤلاء، وأنه ما كان ينبغي لهم أن يدخلوا المساجد فضلًا أن يمنعوا عباد الله، أو أنها بشرى من الله أن المسلمين سينتصرون عليهم وتكون لهم الغلبة بحيث لا يدخل هؤلاء المساجد إلا في حال خوف.
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، تدخل في هذا، تشير (...) المعنى الكامل لها، تشير إلى ذلك.
من فوائد الآيات الآن ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ [البقرة 111]
يستفاد من هذه الآية الكريمة: بيان ما كان عليه اليهود والنصارى من الإعجاب.
ويستفاد منها أيضًا: أن ما ادعوه كذب؛ لقوله تعالى: ﴿تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ﴾.
* ومن فوائد الآية: أن من اغتر بالأماني، وطمع في المنازل العالية بدون عمل لها، ففيه شبه من اليهود والنصارى أيضًا.
ومنها: عدل الله عز وجل في مخاطبة عباده؛ حيث قال: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾؛ لأن هذا من باب أيش؟ مراعاة الخصم، من باب مراعاة الخصم، وأنه إن كان لكم بينة فهاتوها، وهذا لا شك أنه من أبلغ ما يكون من العدل، وإلا فالحكم لله العلي الكبير.
ومنها: أن هؤلاء لا برهان لهم على ما ادعوه بدليل أنهم لم يأتوا به.
ومنها أيضًا: أنهم كاذبون؛ لقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾، ولو كان لهم أدنى حيلة فيما يبرر قولهم ويصدقه لأتَوا به إذن فهم كاذبون.
ثم قال سبحانه وتعالى: ﴿