تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين
مَّـٰكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا ﴿٣﴾
مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا﴾ [الكهف ٢، ٣] ﴿أَجْرًا﴾ أي: ثوابًا، وسمى الله ثواب الأعمال أجرًا؛ لأنها في مقابلة عمل، وهذا من عدله جل وعلا أن يسمي الثواب الذي يثيب به الطائع لأمره أجرًا حتى يطمئن الإنسان بضمان هذا الثواب؛ لأنه من المعروف أن الأجر إذا قام الأجير بعمله فإنه يستحقه، وسماه أجرًا حتى يطمئن العامل بأنه سوف يكافأ به.
وقوله: ﴿حَسَنًا﴾ قد جاء في آية أخرى ما هو أعلى من هذا الوصف، وهو قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس ٢٦].
وجاء في آية أخرى مثل هذه الآية: ﴿هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلَّا الإِحْسَانُ﴾ [الرحمن ٦٠]، فهل نأخذ بما يقتضي التساوي أو بما يقتضي الأكمل؟
بما يقتضي الأكمل، فنقول: ﴿حسنًا﴾ أي: هو أحسن شيء، ولا شك في هذا أن ثواب الجنة لا يعادله ثواب.
وقول الله عز وجل: ﴿مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا﴾ أي: باقين فيه.
﴿أَبَدًا﴾ إلى متى؟ إلى ما لا نهاية له، فلا مرض، ولا موت، ولا جوع، ولا عطش، ولا حر، ولا برد، كل شيء كامل من جميع الوجوه، واعلم أن من عقيدة أهل السنة والجماعة أن الجنة موجودة الآن، وأنها مؤبّدة، وأن النار موجودة الآن، وأنها مؤبّدة، هذه عقيدة أهل السنة والجماعة، وقد جاء هذا في القرآن، فآيات التأبيد بالنسبة لأصحاب اليمين كثيرة، وبالنسبة لأصحاب الشمال ذُكر التأبيد في آيات ثلاث: الأولى؟ في سورة النساء.
* طالب: قول الله عز وجل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (١٦٨) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [النساء ١٦٨، ١٦٩].
* الشيخ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (١٦٨) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ والآية الثانية؟
* طالب: في سورة الجن.
* الشيخ: لا، قبل الجن.
* طالب: في سورة الأحزاب، في قول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (٦٤) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾.
* الشيخ: في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (٦٤) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الأحزاب ٦٤، ٦٥]. الآية الثالثة؟
* طالب: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الجن ٢٣].
* الشيخ: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾، وإذا كان الثلاث آيات من كلام الله عز وجل قرينة للتأبيد فلا ينبغي أن يُقال بخلاف ذلك؛ لأن الشاعر يقول:
وَلَيْسَ كُلُّ خِلَافٍ جَاءَ مُعْتَبَرًا ∗∗∗ إِلَّا خِلافًا لَهُ حَظٌّ مِنَ النَّظَــــرِ
وهذا لا حظّ له، كيف يقول الخالق العليم: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾، ثم يقول: لا أبدية؟ هذا غريب، من أغرب ما يكون!!
إذن ﴿مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا﴾ هذا دليل على أيش؟ على أبدية النار، فانتبهوا للقاعدة في مذهب أهل السنة والجماعة: أن الجنة والنار مخلوقتان لله؛ لأن الله ذكر في الجنة ﴿أُعِدَّتْ﴾، وذكر في النار ﴿أُعِدَّتْ﴾.
ثانيًا: أنهما مؤبدتان، لا تفنيان لا هما، ولا من فيهما (...).
﴿وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا (٤) مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ﴾ [الكهف ٤، ٥] هذا كالإيضاح لما أُبهم في الآية السابقة، ﴿