تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين
بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِىٓ أَنزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ ٱلْكِتَـٰبَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُۥ عِوَجَا ۜ ﴿١﴾
قَيِّمًا لِّيُنذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِّن لَّدُنْهُ وَيُبَشِّرَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا ﴿٢﴾
﴿الْحَمْدُ﴾: هو وصف المحمود بالكمال محبة وتعظيمًا، هذا الحمد؛ أن تصف المحمود بالكمال محبة وتعظيمًا، وبقولنا: محبة وتعظيمًا خرج المدح؛ لأن المدح لا يستلزم المحبة والتعظيم، بل قد يمدح الإنسان شخصًا لا يساوي فلسًا، لكن لرجاء منفعة أو دفع مضرة، أما الحمد فإنه وصف بالكمال مع المحبة والتعظيم.
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ هذا اسم علم على الله عز وجل مختص به لا يُحمد به غيره، وهو علم على الذات المقدسة تبارك وتعالى.
﴿الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ﴾ الجملة الآن ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ﴾ هل هي خبر أراد الله سبحانه وتعالى أن يخبر عباده بأنه محمود، أو هي إرشاد وتوجيه على أن نحمد الله عز وجل على هذا، أو الجميع؟
الجميع، وهو خبر من الله عن نفسه، وهو إرشاد لنا أن نحمده عز وجل على ذلك.
﴿الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا﴾، ﴿عَبْدِهِ﴾ يعني محمدًا ﷺ، وصفه بالعبودية؛ لأنه أعبد البشر لله عز وجل، فقد وصفه الله تعالى بالعبودية في حال إنزال الكتاب عليه، وفي حال الدفاع عنه، وفي حال الإسراء به، فقال جل وعلا في حال إنزال القرآن عليه: ﴿أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ﴾، وفي حال الدفاع عنه: ﴿وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ [البقرة ٢٣]؛ يعني محمدًا صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وفي حال الإسراء به في قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [الإسراء ١]؛ يعني في أشرف مقامات النبي ﷺ وصفه الله تعالى بأنه عبده، ونِعم الوصف أن يكون الإنسان عبدًا لله حتى قال العاشق:
لَا تَدْعُنِي إِلَّا بِيَا عَبْدَهَا ∗∗∗ فَإِنَّهُ أَشْرَفُ أَسْمَائِــــــــــــــــــــي
وقوله: ﴿أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ﴾ هو القرآن، وسمي الكتاب؛ لأنه يُكتب، أو لأنه جامع؛ لأن الكَتْب بمعنى (الجمع)، ولهذا يقال: الكَتيبة يعني المجموعة من الخيل، والقرآن صالح لهذا وهذا، فهو مكتوب، وهو أيضًا جامع؛ الكتاب.
﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا﴾، ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ﴾ أي: لهذا القرآن ﴿عِوَجًا﴾، بل هو مستقيم؛ ولهذا قال: ﴿قَيِّمًا﴾ و﴿قَيِّمًا﴾ حال من قوله: ﴿الْكِتَابَ﴾ يعني حال كونه ﴿قَيِّمًا﴾.
فإن قال قائل: لماذا لم تجعلها صفة؛ لأن ﴿الْكِتَابَ﴾ منصوب و﴿قَيِّمًا﴾ منصوب؟
الجواب: أن ﴿قَيِّمًا﴾ نكرة، و﴿الْكِتَابَ﴾ معرفة، ولا يمكن أن توصف المعرفة بالنكرة، ومعنى ﴿قَيِّمًا﴾ يعني أنه مستقيم غاية الاستقامة، وهنا ذكر نفي العيب أولًا، ثم إثبات الكمال ثانيًا، مثال نفي العيب؟
* طالب: ﴿الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا﴾.
* الشيخ: ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا﴾. الكمال ﴿قَيِّمًا﴾ وهكذا ينبغي أن تخلي المكان من الأذى، ثم تضع الكمال، ولهذا يقال: التخلية قبل التحلية، يعني قبل أن تحلي الشيء أخلِ المكان، عما ينافي التحلِّي، ثم حلِّه.
وفي قوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا قَيِّمًا﴾ تنبيه، وهو أنه يجب الوقوف على قوله: ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا﴾؛ لأنك لو وصلت لصار في الكلام تناقض ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا قَيِّمًا﴾ كيف؟ هل العوج قيم؟ لا، إذن قف؛ ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا﴾ ﴿قَيِّمًا﴾ إلى آخره.
وما هي الحكمة في إنزال القرآن؟
بيّنها الله في قوله: ﴿لِيُنذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ﴾ [الكهف ٢] ﴿لِيُنذِرَ﴾ الضمير يحتمل أن يكون عائدًا على ﴿عَبْدِهِ﴾، ويحتمل أن يكون الضمير على ﴿الْكِتَابَ﴾، وكلاهما صحيح، فالكتاب نزل على الرسول لأجل أن ينذر به، والكتاب نفسه مُنذر يُنذر الناس.
﴿لِيُنذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ﴾ أي: من قِبَل الله عز وجل، والبأس هو العذاب كما قال تعالى: ﴿وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ﴾ [البقرة ١٧٧]، وكقوله تعالى: ﴿فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا﴾ [الأعراف ٤]؛ يعني عذابًا.
﴿لِيُنذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ نجد أن الله سبحانه وتعالى حذف المفعول في قوله: ﴿لِيُنذِرَ﴾، وذكر المفعول في قوله: ﴿يُبَشِّرَ﴾ فكيف نُقدم المفعول به ﴿لِيُنذِرَ﴾؟
نقدمه مقابل ﴿يُبَشِّرَ﴾، وهذه فائدة من فوائد علم التفسير: أن الشيء يُعرف بذكر قبيله المقابل له، إذن يبشّر المؤمنين وينذر الكافرين، وحُذِفَ المفعول لدلالة ما بعده عليه.
ذكرنا أن القرآن قد يُستدل ببعض ألفاظه على بعض بذكر مقامه؛ ومنه قوله تعالى: ﴿فَانفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انفِرُوا جَمِيعًا﴾ [النساء ٧١]، ﴿ثُبَاتٍ﴾ يعني متفرقين، الدليل؟ ثم قال: ﴿أَوِ انفِرُوا جَمِيعًا﴾.
﴿وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ﴾ لا بد مع الإيمان من العمل الصالح، لا يكفي الإيمان وحده، بل لا بد من عمل صالح، ولهذا قيل لبعض السلف: أليس مفتاح الجنة لا إله إلا الله؟ يعني فمن أتى به دخل؟ قال: بلى، ولكن هل يَفتح المفتاح بلا أسنان؟
الجواب: لا، فلا بد من أعمال.
﴿وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ﴾ أولًا: نسأل مَن المؤمنون؟
المؤمنون الذين آمنوا بما يجب الإيمان به، وقد بيّن الرسول عليه الصلاة والسلام ما يجب الإيمان به لجبريل لما سأله عن الإيمان فقال: «أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ» .
﴿الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ﴾ يعني يعملون الأعمال الصالحة، ومتى يكون العمل صالحًا؟ لا يمكن أن يكون صالحًا إلا إذا تضمن شيئين: الأول: الإخلاص لله عز وجل.
والثاني: المتابعة لشريعة الله؛ فالإخلاص لله بألا يقصد الإنسان بعمله سوى وجه الله عز وجل والدار الآخرة، المتابعة ألا يخرج عن شريعة الله عز وجل سواء ما جاء به محمد عليه الصلاة والسلام أو غيره، ومن المعلوم أن الشرائع بعد بعثة الرسول كلها منسوخة.
الإخلاص ما ضده؟ الشرك، والاتباع ضده البدعة، إذن البدعة مهما ازدادت في قلب صاحبها ومهما كان فيها من الفجور، ومهما كان فيها من ترقيق القلب، (...).
* طالب: (...).
* الشيخ: نعم؛ لأنها ليست موافقة الشيء، ولهذا نقول: كل بدعة مهما استحسنها مبتدعها فإنها غير مقبولة، بل هي ضلالة كما قال صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
من عمل عملًا على وفق الشريعة ظاهرًا، لكن القلب فيه رياء، فهذا لا يُقبل، لماذا؟
لفقد الإخلاص.
إذن لا بد من أمرين: إخلاص لله عز وجل، واتباع لرسول الله ﷺ، وإلا لم يكن صالحًا، بماذا يبشرهم؟
قال: ﴿أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا (٢)