تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين
بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ لِإِيلَـٰفِ قُرَيْشٍ ﴿١﴾
إِۦلَـٰفِهِمْ رِحْلَةَ ٱلشِّتَآءِ وَٱلصَّيْفِ ﴿٢﴾
الحمد لله ربِّ العالمين، وصلى الله وسلم على نبيِّنا محمد وعلى آله وأصحابه ومَن تَبِعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
(...) نتكلم فيه على قول الله تبارك وتعالى: ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ (١) إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ (٢) فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (٣) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ [قريش ١ - ٤].
هذه السورة لها صِلَةٌ بالسورة التي قبلها؛ إذْ إن السورة التي قبلها فيها بيانُ مِنَّةِ اللهِ عز وجل على أهل مكة بما فَعَلَ بأصحاب الفيل الذين قَصَدوا مكَّةَ لهدم الكعبة، فبيَّن الله في هذه السورة نعمةً أُخرى كبيرة على أهل مكة؛ على قريش، وهي إيلافُهم مرَّتينِ في السَّنَة؛ مرَّةً في الصيف ومرَّةً في الشتاء.
والإيلاف بمعنى الجمع والضمِّ، ويُراد به التجارة التي كانوا يقومون بها مرَّةً في الشتاء ومرَّةً في الصيف؛ أمَّا في الشتاء فيتَّجهون نحو اليَمَن للمحصولات الزراعية فيه ولأن الجوَّ مناسبٌ، وأمَّا في الصيف فيتَّجهون إلى الشام لأن غالِبَ تجارة الفواكه وغيرها تكون في هذا الوقت؛ في الصيف، مع مناسبة الجو البارد، فهي نعمةٌ من الله سبحانه وتعالى على قريش في هاتين الرحلتين؛ الرحلة الأولى: رحلة الشتاء، في أيِّ وقت؟
* طالب: الشتاء.
* الشيخ: لأيِّ جهة؟ اليمن. والثانية: رحلة الصيف بجهة الشام.
لَمَّا ذكَّرَهم بهذه النعمة وهي نعمةٌ عظيمةٌ؛ لأنه يحصل منها فوائدُ كثيرةٌ ومكاسبُ كبيرةٌ في هذه التجارة، أَمَرهم عز وجل أن يعبدوا ربَّ البيت عز وجل؛ قال: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ﴾ شكرًا له على هذه النعمة، والفاء هذه إمَّا أن تكون فاء السببيَّة؛ أي: فبسبب هاتين الرحلتينِ لِيعبدوا ربَّ هذا البيت، أو تكون فاء التفريع، وأيًّا كان فهي مبنيَّةٌ على ما سبق؛ أي: فبهذه النِّعَم العظيمة يجب عليهم أن يعبدوا الله.
والعبادة هي التذلُّل لله عز وجل محبَّةً وتعظيمًا؛ أن يتعبَّد الإنسان لله، يتذلَّل له بالسمع والطاعة، إذا بَلَغَه عن الله ورسوله أَمْرٌ قال: سَمِعْنا وأَطَعْنا، وإذا بَلَغَه خَبَرٌ قال: سَمِعْنا وآمَنَّا، على وجْه المحبة والتعظيم؛ فبالمحبة يقوم الإنسان بفِعْل الأوامر، وبالتعظيم يترك النواهي خوفًا من هذا العظيم عز وجل، هذا معنًى من معاني العبادة.
وتُطلق العبادة على نفْس المتعبَّد به، وقد حدَّها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله بهذا المعنى فقال: إن العبادة اسمٌ جامعٌ لكلِّ ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة. ولهذا لو سألك سائلٌ: الصلاة ما هي؟ أعبادةٌ أمْ عادة؟ قلْتَ: عبادة. ولو سألك سائلٌ: أنت الآن تصلِّي، فما معنى صلاتك هذه؟ لَقُلتَ: معناها العبادة لله، أتَعَبَّد لله عز وجل، أتَذَلَّل له بالسمع والطاعة وبما أَمَرني به.
وقوله: ﴿رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ﴾ يعني به الكعبة المعظَّمة، وقد أضافها الله تعالى إلى نفْسه في قوله تعالى: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [الحج ٢٦]، وهنا أضاف رُبوبيَّته إليه؛ قال: ﴿رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ﴾.
وهل هو ربٌّ لغيره؟ الجواب: نعم، لكن إضافة الربوبيَّة إليه على سبيل التشريف والتعظيم.
طيب، ﴿طَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ﴾ أليس كلُّ شيءٍ فهو لله؟! لله مُلك السماوات والأرض، كلُّ شيءٍ لله، كلُّ شيءٍ ملْكٌ لله، لماذا أضاف اللَّهُ البيتَ إليه؟ تشريفًا وتعظيمًا.
إذَن خصَّصَه بالربوبيَّة -أي: خصَّصَ البيتَ بالربوبيَّة- مرَّةً، وأضافه إلى نفْسه مرَّةً أُخرى تشريفًا وتعظيمًا.
في آيةٍ ثانيةٍ: ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا﴾ وبعدها قال أيش؟ ﴿وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ﴾ [النمل ٩١] احترازًا مِن أن يتوهَّم واهمٌ بأنه ربُّ البلدةِ وَحْدَها فقال: ﴿وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ﴾، ولكلِّ مقامٍ صيغةٌ مناسِبةٌ؛ ففي قوله: ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا﴾ مناسَبةُ بيانِ عموم مُلْكه لئلَّا يدَّعي المشركون أنه ربُّ للبلدة فقط، أمَّا هنا فالمقامُ مقامُ تعظيمٍ للبيت فناسَبَ ذِكْره وحده.
﴿الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ ﴿الَّذِي﴾ هذه صفةٌ لـ﴿رَبَّ﴾ أو لـ﴿الْبَيْتِ﴾؟ .
* طلبة: لـ﴿رَبَّ﴾.
* الشيخ: لـ﴿رَبَّ﴾، إذَنْ محلُّها النصب، ولهذا يَحْسُن أن تقِفَ فتقول: ﴿