×

الملك

الآية ٢

أضواء البيان — الشنقيطي

ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلْمَوْتَ وَٱلْحَيَوٰةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ۚ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْغَفُورُ ﴿٢﴾

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ المَوْتَ والحَياةَ لِيَبْلُوَكم أيُّكم أحْسَنُ عَمَلًا﴾ . تَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ بِما يُوَضِّحُها مِن الآياتِ عِنْدَ الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]، وقَبْلَها في سُورَةِ ”هُودٍ“ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِيَبْلُوَكم أيُّكم أحْسَنُ عَمَلًا﴾ [هود: ٧] . وَقالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - في إمْلائِهِ: جَعَلَ لِلْعالَمِ مَوْتَتَيْنِ وإحْياءَتَيْنِ، وبَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وكُنْتُمْ أمْواتًا فَأحْياكم ثُمَّ يُمِيتُكم ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ الآيَةَ [البقرة: ٢٨] . والآيَةُ تَدُلُّ عَنْ أنَّ المَوْتَ أمْرٌ وُجُودِيٌّ لا عَدَمِيٌّ كَما زَعَمَ الفَلاسِفَةُ، لِأنَّهُ لَوْ كانَ عَدَمِيًّا لَما تَعَلَّقَ بِهِ الخَلْقُ. * * قَوْلُهُ تَعالى: الآيَةَ. ذِكْرُ خَلْقِ السَّماواتِ السَّبْعِ الطِّباقِ عَلى هَذا النَّحْوِ دُونَ تَفاوُتٍ أوْ فُطُورٍ بَعْدَ ذِكْرِ أوَّلِ السُّورَةِ، يَدُلُّ عَلى أنَّ خَلْقَ هَذِهِ السَّبْعِ مِن كَمالِ قُدْرَتِهِ. وَقَدْ بَيَّنَ الشَّيْخُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - الحِكْمَةَ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ ضِمْنَ تَنْبِيهٍ عَقَدَهُ في أواخِرِ سُورَةِ ”الذّارِياتِ“ . وَقَدْ تَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - مَعْنى الآيَةِ الكَرِيمَةِ، والآياتِ المُوَضِّحَةِ لَها عِنْدَ الكَلامِ عَلى أوَّلِ سُورَةِ ”ق“ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَلَمْ يَنْظُرُوا إلى السَّماءِ فَوْقَهم كَيْفَ بَنَيْناها وزَيَّنّاها وما لَها مِن فُرُوجٍ﴾ [ق: ٦] وقالَ في إمْلائِهِ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ﴾ عامٌّ في جَمِيعِ مَخْلُوقاتِهِ، مِن مَعْنى الِاسْتِواءِ والحِكْمَةِ والدِّقَّةِ في الصُّنْعِ، وتَدْخُلُ السَّماواتُ في ذَلِكَ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٨٨] . وإتْقانُ كُلِّ شَيْءٍ بِحَسَبِهِ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿قالَ رَبُّنا الَّذِي أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى﴾ [طه: ٥٠] . وَقَوْلِهِ: ﴿الَّذِي أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وبَدَأ خَلْقَ الإنْسانِ مِن طِينٍ﴾ [السجدة: ٧] . وهَذا الحالُ لِلسَّماءِ في الدُّنْيا فَقَطْ، وسَتَنْفَطِرُ يَوْمَ القِيامَةِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذا السَّماءُ انْفَطَرَتْ﴾ [الإنفطار: ١]: ﴿إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾ [الإنشقاق: ١]: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالغَمامِ﴾ [الفرقان: ٢٥] ونَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فارْجِعِ البَصَرَ هَلْ تَرى مِن فُطُورٍ﴾ . تَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - بَيانُ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَجَعَلْنا السَّماءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا﴾ [الأنبياء: ٣٢] في سُورَةِ الأنْبِياءِ. وَعِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿أفَلَمْ يَنْظُرُوا إلى السَّماءِ فَوْقَهُمْ﴾ [ق: ٦] في سُورَةِ ”ق“ ولَعَلَّ مَجِئَ هَذِهِ الآيَةِ بَعْدَ: ﴿لِيَبْلُوَكم أيُّكم أحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: ٢] تَوْجِيهٌ إلى حُسْنِ صُنْعِ اللَّهِ وإبْداعِهِ في خَلْقِهِ: ﴿ما تَرى في خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفاوُتٍ﴾ [الملك: ٣] .