أضواء البيان — الشنقيطي
فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا۟ وَلَن تَفْعَلُوا۟ فَٱتَّقُوا۟ ٱلنَّارَ ٱلَّتِى وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلْحِجَارَةُ ۖ أُعِدَّتْ لِلْكَـٰفِرِينَ ﴿٢٤﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاتَّقُوا النّارَ الَّتِي وقُودُها النّاسُ والحِجارَةُ﴾
هَذِهِ الحِجارَةُ قالَ كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ: إنَّها حِجارَةٌ مِن كِبْرِيتٍ. وقالَ بَعْضُهم: إنَّها الأصْنامُ الَّتِي كانُوا يَعْبُدُونَها. وهَذا القَوْلُ يُبَيِّنُهُ ويَشْهَدُ لَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ .
⁕ ⁕ ⁕
قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب):
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاتَّقُوا النّارَ الَّتِي وقُودُها النّاسُ والحِجارَةُ﴾ الآيَةَ.
هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ هَذِهِ النّارَ كانَتْ مَعْرُوفَةً عِنْدَهم؛ بِدَلِيلِ ألِ العَهْدِيَّةِ، وقَدْ قالَ تَعالى في سُورَةِ ”التَّحْرِيمِ“: ﴿قُوا أنْفُسَكم وأهْلِيكم نارًا وقُودُها النّاسُ والحِجارَةُ﴾ [التحريم: ٦] .
فَتَنْكِيرُ النّارِ هُنا يَدُلُّ عَلى أنَّها لَمْ تَكُنْ مَعْرُوفَةً عِنْدَهم بِهَذِهِ الصِّفاتِ ووَجْهُ الجَمْعِ أنَّهم لَمْ يَكُونُوا يَعْلَمُونَ أنَّ مِن صِفاتِها كَوْنَ النّاسِ والحِجارَةِ وقُودًا لَها فَنَزَلَتْ آيَةُ ”التَّحْرِيمِ“ فَعَرَفُوا مِنها ذَلِكَ مِن صِفاتِ النّارِ، ثُمَّ لَمّا كانَتْ مَعْرُوفَةً عِنْدَهم نَزَلَتْ آيَةُ ”البَقَرَةِ“، فَعُرِّفَتْ فِيها النّارُ بِألِ العَهْدِيَّةِ لِأنَّها مَعْهُودَةٌ عِنْدَهم في آيَةِ ”التَّحْرِيمِ“ .
ذَكَرَ هَذا الجَمْعَ البَيْضاوِيُّ والخَطِيبُ في تَفْسِيرَيْهِما، وزَعَما أنَّ آيَةَ ”التَّحْرِيمِ“ نَزَلَتْ بِمَكَّةَ، وظاهِرُ القُرْءانِ يَدُلُّ عَلى هَذا الجَمْعِ لِأنَّ تَعْرِيفَ النّارِ هُنا بِألِ العَهْدِيَّةِ يَدُلُّ عَلى عَهْدٍ سابِقٍ، والمَوْصُولُ وصِلَتُهُ دَلِيلٌ عَلى العَهْدِ وعَدَمِ قَصْدِ الجِنْسِ، ولا يُنافِي ذَلِكَ أنَّ سُورَةَ ”التَّحْرِيمِ“ مَدَنِيَّةٌ، وأنَّ الظّاهِرَ نُزُولُها بَعْدَ ”البَقَرَةِ“ .
كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ لِجَوازِ كَوْنِ الآيَةِ مَكِّيَّةً في سُورَةٍ مَدَنِيَّةٍ كالعَكْسِ.