أضواء البيان — الشنقيطي
وَقُرْءَانًا فَرَقْنَـٰهُ لِتَقْرَأَهُۥ عَلَى ٱلنَّاسِ عَلَىٰ مُكْثٍ وَنَزَّلْنَـٰهُ تَنزِيلًا ﴿١٠٦﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْناهُ لِتَقْرَأهُ عَلى النّاسِ عَلى مُكْثٍ﴾ .
قَرَأ هَذا الحَرْفَ عامَّةُ القُرّاءِ ”فَرَقْناهُ“ بِالتَّخْفِيفِ، أيْ بَيَّنّاهُ وأوْضَحْناهُ، وفَصَّلْناهُ وفَرَّقْنا بِهِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، وقَرَأ بَعْضُ الصَّحابَةِ فَرَّقْناهُ بِالتَّشْدِيدِ، أيْ أنْزَلْناهُ مُفَرَّقًا بِحَسَبِ الوَقائِعِ في ثَلاثٍ وعِشْرِينَ سَنَةً. ومِن إطْلاقِ فَرَقَ بِمَعْنى بَيَّنَ وفَصَّلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أمْرٍ حَكِيمٍ﴾ . الآيَةَ [الدخان: ٤]
وَقَدْ بَيَّنَ جَلَّ وعَلا أنَّهُ بَيَّنَ هَذا القُرْآنَ لِنَبِيِّهِ لِيَقْرَأهُ عَلى النّاسِ عَلى مُكْثٍ، أيْ مَهَلٍ وتُؤَدَةٍ وتَثَبُّتٍ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ القُرْآنَ لا يَنْبَغِي أنْ يُقْرَأ إلّا كَذَلِكَ، وقَدْ أمَرَ تَعالى بِما يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿وَرَتِّلِ القُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ [المزمل: ٤]، ويَدُلُّ لِذَلِكَ أيْضًا قَوْلُهُ: ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ ورَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا﴾ [الفرقان: ٣٢]، وقَوْلُهُ تَعالى: وقُرْآنًا [الإسراء: ١٠٦] مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَهُ، عَلى حَدِّ قَوْلِهِ في الخُلاصَةِ:
فالسّابِقَ انْصِبْهُ بِفِعْلٍ أُضْمِرا حَتْمًا مُوافِقٍ لِما قَدْ أُظْهِرا