أضواء البيان — الشنقيطي
ثُمَّ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ أَنِ ٱتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَٰهِيمَ حَنِيفًا ۖ وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ﴿١٢٣﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ أوْحَيْنا إلَيْكَ أنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ ذَكَرَ اللَّهُ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّهُ أوْحى إلى نَبِيِّنا ﷺ الأمْرَ بِاتِّباعِ مِلَّةِ إبْراهِيمَ حَنِيفًا وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ.
وَبَيَّنَ هَذا أيْضًا في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ؛
• كَقَوْلِهِ: ﴿قُلْ إنَّنِي هَدانِي رَبِّي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ١٦١]،
• وقَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا واسْجُدُوا واعْبُدُوا رَبَّكم وافْعَلُوا الخَيْرَ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ - إلى قَوْلِهِ - ﴿مِلَّةَ أبِيكم إبْراهِيمَ﴾ الآيَةَ [الحج: ٧٧ - ٧٨]
• وقَوْلِهِ: ﴿قَدْ كانَتْ لَكم أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ في إبْراهِيمَ﴾ الآيَةَ [الممتحنة: ٤]،
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. والمِلَّةُ: الشَّرِيعَةُ. والحَنِيفُ: المائِلُ عَنْ كُلِّ دِينٍ باطِلٍ إلى دِينِ الحَقِّ. وأصْلُهُ مِنَ الحَنَفِ: وهو اعْوِجاجُ الرِّجْلَيْنِ؛ يُقالُ: بِرِجْلِهِ حَنَفٌ، أيِ: اعْوِجاجٌ. ومِنهُ قَوْلُ أُمِّ الأحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ تُرَقِّصُهُ وهو صَبِيٌّ: واللَّهِ لَوْلا حَنَفٌ بِرِجْلِهِ ما كانَ في فِتْيانِكم مِن مِثْلِهِ.
وَقَوْلُهُ: حَنِيفًا حالٌ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ؛ عَلى حَدِّ قَوْلِ ابْنِ مالِكٍ في الخُلاصَةِ: ما كانَ جُزْءُ ما لَهُ أُضِيفا أوْ مِثْلَ جُزْئِهِ فَلا تَحِيفا.
لِأنَّ المُضافَ هُنا وهو مِلَّةُ، كالجُزْءِ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ، وهو: إبْراهِيمَ؛ لِأنَّهُ لَوْ حُذِفَ لَبَقِيَ المَعْنى تامًّا؛ لِأنَّ قَوْلَنا: أنِ اتَّبِعْ إبْراهِيمَ، كَلامٌ تامُّ المَعْنى كَما هو ظاهِرٌ، وهَذا هو مُرادُهُ بِكَوْنِهِ مِثْلَ جُزْئِهِ.