أضواء البيان — الشنقيطي
وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لَـَٔامَنَ مَن فِى ٱلْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا ۚ أَفَأَنتَ تُكْرِهُ ٱلنَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا۟ مُؤْمِنِينَ ﴿٩٩﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن في الأرْضِ كُلُّهم جَمِيعًا﴾ الآيَةَ.
صَرَّحَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّهُ لَوْ شاءَ إيمانَ جَمِيعِ أهْلِ الأرْضِ لَآمَنُوا كُلُّهم جَمِيعًا، وهو دَلِيلٌ واضِحٌ عَلى أنَّ كُفْرَهم واقِعٌ بِمَشِيئَتِهِ الكَوْنِيَّةِ القَدَرِيَّةِ، وبَيَّنَ ذَلِكَ أيْضًا في آياتٍ كَثِيرَةٍ،
• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَوْ شاءَ اللَّهُ ما أشْرَكُوا﴾ الآيَةَ [الأنعام: ١٠٧]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها﴾ [السجدة: ١٣]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهم عَلى الهُدى﴾ [الأنعام: ١٠٧]
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَأنْتَ تُكْرِهُ النّاسَ حَتّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ .
بَيَّنَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ مَن لَمْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ، ولا يُمْكِنُ أحَدًا أنْ يَقْهَرَ قَلْبَهُ عَلى الِانْشِراحِ إلى الإيمانِ إلّا إذا أرادَ اللَّهُ بِهِ ذَلِكَ.
وَأوْضَحَ ذَلِكَ المَعْنى في آياتٍ كَثِيرَةٍ،
• كَقَوْلِهِ: ﴿وَمَن يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ [المائدة: ٤١]،
• وقَوْلِهِ: ﴿إنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهم فَإنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن يُضِلُّ﴾ الآيَةَ [النحل: ٣٧]،
• وقَوْلِهِ: ﴿إنَّكَ لا تَهْدِي مَن أحْبَبْتَ﴾ الآيَةَ [القصص: ٥٦]،
• وقَوْلِهِ: ﴿مَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ﴾ [الأعراف: ١٨٦]،
والآياتُ بِمِثْلِ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ جِدًّا كَما تَقَدَّمَ في ”النِّساءِ“ .
والظّاهِرُ أنَّها غَيْرُ مَنسُوخَةٍ، وأنَّ مَعْناها أنَّهُ لا يَهْدِي القُلُوبَ ويُوَجِّهُها إلى الخَيْرِ إلّا اللَّهُ تَعالى، وأظْهَرُ دَلِيلٍ عَلى ذَلِكَ أنَّ اللَّهَ أتْبَعَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَما كانَ لِنَفْسٍ أنْ تُؤْمِنَ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ﴾ الآيَةَ [يونس: ١٠٠] .