×
الفرقانالآية ٧٥

تفسير ابن القيم — ابن قيم الجوزية

أُو۟لَـٰٓئِكَ يُجْزَوْنَ ٱلْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا۟ وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَـٰمًا ﴿٧٥﴾

والغرفة: جنس كالجنة، وتأمل كيف جزاءهم على هذه الأقوال المتضمنة للخضوع والذل والاستكانة لله الغرفة والتحتية والسلام في مقابلة صبرهم على سوء خطاب الجاهلين لهم فبدلوا بذلك سلام الله وملائكته عليهم. (فصل) قال محمد بن على بن الحسين (الغرفة) الجنة (بما صبروا) قال على الفقر في الدنيا. وروى أنس عن النبي: "قال اللهم أحيني مسكينا وأمتني مسكينا واحشرني في زمرة المساكين يوم القيامة " فقالت عائشة ولم يا رسول الله؟ قال إنهم يدخلون الجنة قبل الأغنياء بأربعين خريفا، يا عائشة لا تردي المسكين ولو بشق تمرة، يا عائشة أحبي المساكين وقربيهم فإن الله يقربك يوم القيامة" قلت لا حجة له في واحدة من الحجتين. أما الآية فالصبر فيها يتناول صبر الشاكر على طاعته وصبره عن مصيبته، وصبر المبتلى بالفقر وغيره على بلائه، ولو كان المراد بها الصبر على الفقر وحده لم يدل رجحانه على الشكر، فإن القرآن كما دل على جزاء الصابرين دل على جزاء الشاكرين أيضا كما قال تعالى ﴿وسنجزي الشاكرين﴾ ﴿وسيجزي الله الشاكرين﴾ بل قد أخبر أن رضاه في الشكر ورضاه أكبر من جزائه بالجنات وما فيها وإذا جزى الله الصابرين الغرفة بما صبروا لم يدل ذلك على أنه لا يجزي الشاكرين الغرفة بما شكروا. وأما الحديث فلا حجة فيه لوجهين: أحدهما أنه لا يحتج بإسناده فإنه من رواية محمد بن ثابت الكوفي عن الحارث بن النعمان والحارث هذا لم يحتج به أصحاب الصحيح بل قال فيه البخاري منكر الحديث، ولذلك لم يصحح الترمذي حديثه هذا ولا حسنه ولا سكت عنه بل حكم بغرابته. الجواب الثاني: إن الحديث لو صح لم يدل على مطلوبهم فإن المسكنة التي يحبها الله من عبده ليست فقر المال بل مسكنة القلب وهي انكساره وذله وخشوعه وتواضعه لله، وهذه المسكنة لا تنافي الغنى، ولا يشترط لها الفقر فإن انكسار القلب لله ومسكنته لعظمته وجلاله وكبريائه وأسمائه وصفاته أفضل وأعلى من مسكنة عدم المال، كما أن صبر الواجد عن معاصي الله طوعا واختيارا وخشية من الله ومحبة له أعلى من صبر الفقير العاجز، وقد آتى الله جماعة من أنبيائه ورسله الغنى والملك ولم يخرجهم ذلك عن المسكنة لله.