تفسير ابن القيم — ابن قيم الجوزية
وَمَا مَنَعَنَآ أَن نُّرْسِلَ بِٱلْـَٔايَـٰتِ إِلَّآ أَن كَذَّبَ بِهَا ٱلْأَوَّلُونَ ۚ وَءَاتَيْنَا ثَمُودَ ٱلنَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا۟ بِهَا ۚ وَمَا نُرْسِلُ بِٱلْـَٔايَـٰتِ إِلَّا تَخْوِيفًا ﴿٥٩﴾
وَقد وصف سُبْحانَهُ ثَمُود بأنها كفرت عَن علم وبصيرة بِالحَقِّ ولِهَذا قالَ ﴿وآتينا ثَمُود النّاقة مبصرة فظلموا بها﴾
يَعْنِي بَيِّنَة مضيئة وهَذا كَقوله تَعالى: ﴿وَجَعَلنا آيَة النَّهار مبصرة﴾ أي مضيئة وحَقِيقَة اللَّفْظ أنها تجْعَل من رَآها مبصرا فَهي توجب لَهُ البَصَر فتبصره أي تَجْعَلهُ ذا بصر فَهي مُوضحَة مبينَة يُقال بصر بِهِ إذا رَآهُ كَقوله تَعالى: ﴿فبصرت بِهِ عَن جنب﴾ وقَوله ﴿بصرت بِما لم يبصروا بِهِ﴾
وأما أبصره فَلهُ مَعْنيانِ أحدهما جعله باصرا بالشَّيْء أي ذا بصر بِهِ كآية النَّهار وآيَة ثَمُود.
والثّانِي بِمَعْنى رَآهُ كَقَوْلِك أبصرت زيدا.
وَفِي حَدِيث أبي شُرَيْح العَدْوي "أحدثك قولا قالَ بِهِ رَسُول الله يَوْم الفَتْح فَسَمعته أذناي ووعاه قلبِي وأبصرته عَيْنايَ حِين تكلم بِهِ"
وَمِنه قوله تَعالى: {فتول عَنْهُم حَتّى حِين وأبصرهم فسوق يبصرون)
قيل المَعْنى أبصرهم وما يقْضى عَلَيْهِم من الأسر والقَتْل والعَذاب في الآخرة فَسَوف يبصرونك وما يقْضى لَك من النَّصْر والتأييد وحسن العاقِبَة.
والمراد تقريب المبصر من المُخاطب حَتّى كأنه نصب عَيْنَيْهِ ورَأى ناظريه.
والمَقْصُود أن الآية أوجبت لَهُم البصيرة فآثروا الضلال والكفْر عَن علم ويقين، ولِهَذا والله أعْلَم ذكر قصتهم من بَين قصَص سائِر الأمم في سُورَة والشَّمْس وضُحاها لأنه ذكر فِيها انقسام النُّفُوس إلى الزكية الراشدة المهتدية وإلى الفاجِرَة الضّالة الغاوية وذكر فِيها الأصلين القدر والشَّرْع فَقالَ ﴿فألهمها فجورها وتقواها﴾ فَهَذا قدره وقضاؤه.
ثمَّ قالَ ﴿قد أفْلح من زكاها وقد خابَ من دساها﴾ فَهَذا أمره ودينه وثَمُود هداهُم فاستحبوا العَمى على الهدى فَذكر قصتهم ليبين سوء عاقِبَة من آثر الفُجُور على التَّقْوى والتدسية على التَّزْكِيَة والله أعْلَم بِما أرادَ.