محاسن التأويل — القاسمي
كَدَأْبِ ءَالِ فِرْعَوْنَ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۚ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ ۗ وَٱللَّهُ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ ﴿١١﴾
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١١ ] ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ والَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَأخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ واللَّهُ شَدِيدُ العِقابِ﴾
﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: دَأْبُ هَؤُلاءِ في الكُفْرِ كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ. والدَّأْبُ (بِالسُّكُونِ، ويُحَرَّكُ) مَصْدَرُ دَأبَ في العَمَلِ إذا كَدَحَ فِيهِ، فَوُضِعَ مَوْضِعَ ما عَلَيْهِ الإنْسانُ مِن شَأْنِهِ وحالِهِ، مَجازًا، يُقالُ: هَذا دَأْبُكَ أيْ: شَأْنُكَ وعَمَلُكَ. قالالأزْهَرِيُّ: عَنْ الزَّجّاجِ في هَذِهِ الآيَةِ: أيْ: كَأمْرِ آلِ فِرْعَوْنَ، كَذا قالَ أهْلُ اللُّغَةِ، قالَ الأزْهَرِيُّ: والقَوْلُ عِنْدِي فِيهِ - واَللَّهُ أعْلَمُ - أنَّ دَأْبَهم هُنا اجْتِهادُهم في كُفْرِهِمْ وتَظاهُرِهِمْ عَلى النَّبِيِّ ﷺ كَتَظاهُرِ آلِ فِرْعَوْنَ عَلى مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. يُقالُ: دَأبْتُ أدْأبُ دَأْبًا ودَؤُوبًا إذا اجْتَهَدْتُ في الشَّيْءِ - انْتَهى - قالَ أبُو البَقاءِ: وفي ذَلِكَ تَخْوِيفٌ لَهم لِعِلْمِهِمْ بِما حَلَّ بِآلِ فِرْعَوْنَ: ﴿والَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ أيْ: مِن قَبْلِ آلِ فِرْعَوْنَ مِنَ الأُمَمِ الكافِرَةِ، فالمَوْصُولُ في مَحَلِّ جَرٍّ عَطْفٌ عَلى ما قَبْلُهُ: ﴿كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ بَيانٌ وتَفْسِيرٌ لِدَأْبِهِمْ الَّذِي فَعَلُوا عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِئْنافِ المَبْنِيِّ عَلى السُّؤالِ المُقَدَّرِ: ﴿فَأخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ﴾ أيْ: عاقَبَهم وأهْلَكَهم بِسَبَبِها ﴿واللَّهُ شَدِيدُ العِقابِ﴾ أيْ: الأخْذُ بِالذَّنْبِ. فِيهِ تَهْوِيلٌ لِلْمُؤاخَذَةِ وزِيادَةُ تَخْوِيفٍ لِلْكَفَرَةِ.