محاسن التأويل — القاسمي
قَالُوٓا۟ أَءِنَّكَ لَأَنتَ يُوسُفُ ۖ قَالَ أَنَا۠ يُوسُفُ وَهَـٰذَآ أَخِى ۖ قَدْ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْنَآ ۖ إِنَّهُۥ مَن يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ ٱللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ ﴿٩٠﴾
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٩٠ ] ﴿قالُوا أإنَّكَ لأنْتَ يُوسُفُ قالَ أنا يُوسُفُ وهَذا أخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا إنَّهُ مَن يَتَّقِ ويَصْبِرْ فَإنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾
﴿قالُوا﴾ أيِ: اسْتِغْرابًا وتَعَجُّبًا مِن أنَّ هَذا لا يَعْلَمُهُ إلّا يُوسُفُ: ﴿أإنَّكَ لأنْتَ (p-٣٥٨٨)يُوسُفُ قالَ أنا يُوسُفُ﴾ أيِ: الَّذِي فَعَلْتُمْ بِهِ ما فَعَلْتُمْ، ﴿وهَذا أخِي﴾ أيْ مِن أبَوَيَّ.
قالَ أبُو السُّعُودِ: زادَهم ذَلِكَ مُبالَغَةً في تَعْرِيفِ نَفْسِهِ، وتَفْخِيمًا لِشَأْنِ أخِيهِ، وتَكْمِلَةً لِما أفادَهُ قَوْلُهُ: ﴿هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وأخِيهِ﴾ [يوسف: ٨٩] حَسْبَما يُفِيدُهُ قَوْلُهُ: ﴿قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا﴾ فَكَأنَّهُ قالَ: هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِنا مِنَ التَّفْرِيقِ والإذْلالِ، فَأنا يُوسُفُ، وهَذا أخِي، قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا بِالخَلاصِ مِمّا ابْتُلِينا بِهِ، والِاجْتِماعِ بَعْدَ الفُرْقَةِ، والعِزَّةِ بَعْدَ الذِّلَّةِ، والأُنْسِ بَعْدَ الوَحْشَةِ.
ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِطَرِيقِ الِاسْتِئْنافِ التَّعْلِيلِيِّ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ مَن يَتَّقِ﴾ أيْ رَبَّهُ في جَمِيعِ أحْوالِهِ، ﴿ويَصْبِرْ﴾ أيْ: عَلى الضَّرّاءِ، وعَنِ المَعاصِي، ﴿فَإنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ أيْ أجْرَهُمْ، وفي وضْعِ الظّاهِرِ مَوْضِعِ الضَّمِيرِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ المَنعُوتِينَ بِالتَّقْوى والصَّبْرِ، مَوْصُوفُونَ بِالإحْسانِ.