تفسير ابن أبي حاتم — ابن أبي حاتم الرازي
إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍۢ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِى بِبَكَّةَ مُبَارَكًۭا وَهُدًۭى لِّلْعَٰلَمِينَ ﴿٩٦﴾
قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاس
[الوجه الأول]
٣٨٢٧ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الصَّبَّاحِ، ثنا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، ثنا شَرِيكٌ عَنْ مُجَالِدٍ، عَنْ عَامِرٍ الشَّعْبِيِّ، عَنْ عَلِيٍّ فِي قَوْلِهِ: إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا قَالَ: كَانَتِ الْبُيُوتُ قَبْلَهُ، وَلَكِنْ كَانَ أَوَّلُ بَيْتٍ وُضِعَ لِعِبَادَةِ اللَّهِ «٢» .
الْوَجْهُ الثَّانِي:
٣٨٢٨ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ حَكِيمٍ، ثنا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ أَمَّا أَوَّلُ بَيْتٍ فَإِنَّهُ يَوْمَ كَانَتِ الأَرْضُ زُبْدَةً عَلَى الْبَحْرِ، فَلَمَّا خَلَقَ اللَّهُ الأَرْضَ خَلَقَ الْبَيْتَ مَعَهَا، فَهُو َأَوَّلُ بَيْتٍ وُضِعَ فِي الأَرْضِ.
_________
(١) . الآية رقم ٦٧.
(٢) . قال ابن كثير: الصحيح قول (علي) ٢/ ٦٤.
٣٨٢٩ - حَدَّثَنَا أَبِي، ثنا الْحُسَيْنُ بْنُ الرَّبِيعِ، ثنا أَبُو الأَحْوَصِ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ خَالِدِ بْنِ عَرْعَرَةَ قَالَ: قَامَ رَجُلٌ إِلَى عَلِيٍّ فَقَالَ: أَلا تُحَدِّثُنِي عَنِ الْبَيْتِ؟
أَهُوَ أَوَّلُ بَيْتٍ وُضِعَ؟ فَقَالَ: لَا وَلَكِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ فِيهِ الْبَرَكَةُ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا، وَإِنْ شِئْتَ أَنْبَأَتُكَ كَيْفَ بُنِيَ؟ إِنَّ اللَّهَ أَوْحَى إِلَى إِبْرَاهِيمَ ﵇، أَنِ ابْنِ لِي بَيْتًا فِي الأَرْضِ فَضَاقَ إِبْرَاهِيمُ بِذَلِكَ ذَرْعًا، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ السَّكِينَةَ وَهِيَ رِيحٌ خَجُوجٌ «١»، لَهَا رَأْسَانِ، فَاتَّبَعَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ حَتَّى انْتَهَتْ إِلَى مَكَّةَ فَتَطَوَّقَتْ عَلَى مَوْضِعِ الْبَيْتِ تَطُوفُ الْحَجَفَةَ، وَأُمِرَ إِبْرَاهِيمُ أَنْ يَبْنِيَ حَيْثُ تَسْتَقِرُّ السَّكِينَةُ، وَكَانَ يَبْنِي هُوَ وَابْنُهُ، حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَكَانَ الْحَجَرِ، قَالَ إِبْرَاهِيمُ لابْنِهِ: ابْغِنِي كَمَا آمُرُكَ. قَالَ:
فَانْطَلَقَ الْغُلامُ يَلْتَمِسُ لَهُ حَجَرًا، فَأَتَاهُ بِهِ فَوَجَدَهُ قَدْ رَكِبَ الْحَجَرَ الأَسْوَدَ فِي مَكَانِهِ فَقَالَ لَهُ: يَا إِبْرَاهِيمُ مَنْ أَتَاكَ بِهَذَا الْحَجَرِ؟ قَالَ أَتَانِي مَنْ لَمْ يَتَّكِلْ عَلَى بِنَائِكَ، جَاءَ بِهِ جِبْرِيل مِنَ السَّمَاءِ. قَالَ فَبَنَيَاهُ فأتماه «٢» .
قوله تعالى: للذي ببكة مباركا
[الوجه الأول]
٣٨٣٠ - حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الأَشَجُّ وَعَمْرٌو الأَوْدِيُّ قَالا: ثنا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ أَخِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: إِنَّمَا سُمِّيَتْ بَكَّةُ لأَنَّ النَّاسَ يَجِيئُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ حُجَّاجًا وَالسِّيَاقُ لِلأَشَجّ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَرُوِيَ عَنْ مُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانَ نَحْوَ ذَلِكَ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي:
٣٨٣١ - حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ، ثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، أَنْبَأَ ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ أَنْبَأَ مِسْعَرٌ قَالَ: سَمِعْتُ عُتْبَةَ بْنَ قَيْسٍ يَقُولُ: بَكَّةُ بَكَّتْ بَكًّا، الذَّكَرُ فِيهَا كَالأُنْثَى قُلْتُ: عَمَّنْ تَرْوِي هَذَا؟ فَذَكَرَ ابْنَ عُمَرَ
والْوَجْهُ الثَّالِثُ:
٣٨٣٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمَّارِ بْنِ الْحَارِثِ، ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ يَعْنِي: الدَّشْتَكِيُّ، أَنْبَأَ عَمْرُو بْنُ أَبِي قَيْسٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ ابْنِ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ قَالَ: مَرَّتِ امْرَأَةٌ بَيْنَ يَدَيْ رَجُلٍ وَهُوَ يُصَلِّي وَهِيَ تَطُوفُ بِالْبَيْتِ، فَدَفَعَهَا، فَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: إِنَّهَا بَكَّةُ يَبُكُّ بعضهم بعضا.
_________
(١) . شديدة.
(٢) . الحاكم ٢/ ٢٩٣.
٣٨٣٣ - حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُنِيرٍ الْمَدَائِنِيُّ، ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ يَعْنِي: ابْنَ عَطَاءٍ أَنْبَأَ سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ: لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا قَالَ: إِنَّ اللَّهَ بَكَّ بِهِ النَّاسَ جَمِيعًا، فَيُصَلِّي النِّسَاءُ أَمَامَ الرِّجَالِ، وَلا يَفْعَلُ ذَلِكَ بِبَلَدٍ غَيْرِهِ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ وَرُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَعِكْرِمَةَ، وَقَتَادَةَ، وَعَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، وَمُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانَ نَحْوُ ذَلِكَ.
وَالْوَجْهُ الرَّابِعُ:
٣٨٣٤ - قُرِئَ عَلَى بَحْرِ بْنِ نَصْرٍ الْخَوْلانِيِّ، ثنا ابْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ الإِسْكَنْدَرَانِيُّ أَنَّهُ سَأَلَ مُحَمَّدَ بْنَ زَيْدِ بْنِ مُهَاجِرٍ يَكْتُبُ لَهُ فِي مَنْزِلٍ فِي دَارِهِ بِمَكَّةَ فَكَتَبَ إِلَيَّ ابْنُ فَرُّوخٍ: إِيَّاكَ أَنْ تُكْرِيَهَا، أو تأكل مِنْ خَرَاجِهَا شَيْئًا، فَإِنَّهَا إِنَّمَا سُمِّيَتْ بَكَّةَ لأَنَّهَا كَانَتْ تَبُكُّ الظُّلْمَةَ.
وَالْوَجْهُ الْخَامِسُ:
٣٨٣٥ - ذُكِرَ عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مَكَّةُ مِنَ الْفَجِّ إِلَى التَّنْعِيمِ، وَبَكَّةُ مِنَ الْبَيْتِ إِلَى الْبَطْحَاء.
وَالْوَجْهُ السَّادِسُ:
٣٨٣٦ - حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الأَشَجُّ، ثنا ابْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ حُصَيْنٍ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ قَالَ: مَوْضِعُ الْبَيْتِ بَكَّةُ وَمَا سِوَى ذَلِكَ مَكَّةُ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَرُوِيَ عَنِ عَطِيَّةَ وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ وَأَبِي صَالِحٍ، وَمُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانَ نَحْوُ ذَلِكَ.
وَالْوَجْهُ السَّابِعُ:
٣٨٣٧ - حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الأَشَجُّ، ثنا خَالِدُ بْنُ حَيَّانَ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ بُرْقَانَ عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: الْبَيْتُ وَمَا حَوْلَهُ بَكَّةُ، وَمَا وَرَاءَ ذَلِكَ مَكَّة. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَرُوِيَ عَنِ مَيْمُون بْنِ مهرانٍ نَحْوُ ذَلِكَ.
٣٨٣٨ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الصَّبَّاحِ، ثنا أَبُو قَطَنٍ، ثنا شُعْبَةُ، عَنِ الْمُغِيرَةِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: بَكَّةُ: الْبَيْتُ وَالْمَسْجِد. قَالَ أَبُو مُحَمَّد، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ مِثْلُ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: مُبَارَكًا
٣٨٣٩ - أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ ثَوْرٍ الْقَيْسَارِيُّ فِيمَا كَتَبَ إِلَيَّ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ الْفِرْيَابِيُّ، ثنا إِسْرَائِيلُ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ خَالِدِ بْنِ عَرْعَرَةَ قَالَ: سَأَلَ رَجُلٌ عَلِيًّا عَنْ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا قَالَ: هُو َأَوَّلُ بَيْتٍ وُضِعَ فِيهِ الْبَرَكَةُ وَالْهُدَى وَمَقَامُ إِبْرَاهِيم.
٣٨٤٠ - قَرَأْتُ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ الْفَضْلِ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ، أَنْبَأَ مُحَمَّدُ بْنُ مُزَاحِمٍ، ثنا بُكَيْرُ بْنُ مَعْرُوفٍ، عَنْ مُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانَ قوله: مُبَارَكًا جَعَلْنَاهُ آمِنًا وَجَعَلَ فِيهِ الْخَيْرَ وَالْبَرَكَة.
٣٨٤١ - وَبِهِ عَنْ مُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانَ وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ يعني بالهدى قبلتهم.
قوله تعالى: للعالمين
[الوجه الأول]
٣٨٤٢ - حَدَّثَنَا أَبِي، ثنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى، أَنْبَأَ أَبُو جَعْفَرٍ يَعْنِي الرَّازِيَّ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ الْعَالَمِينَ قَالَ: الإِنْسُ عَالَمٌ، وَالْجِنُّ عَالَمٌ، وَمَا سِوَى ذَلِكَ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ أَلْفَ عَالَمٍ، أَوْ أَرْبَعَةَ عَشَر أَلْفَ عَالَمٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ عَلَى الأَرْضِ، وَالأَرْضُ أَرْبَعُ زَوَايَا فِي كُلِّ زَاوِيَةٍ ثَلاثَةُ آلافِ عَالَمٍ وَخَمْسُمِائَةِ عَالَمٍ خَلَقَهُمْ لِعِبَادَتِه «١» .
الْوَجْهُ الثَّانِي:
٣٨٤٣ - حَدَّثَنَا أَبِي، ثنا هِشَامُ بْنُ خَالِدٍ، ثنا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، ثنا الْفُرَاتُ يَعْنِي ابْنَ الْوَلِيدِ عَنْ مُغِيثِ بْنِ سُمَيٍّ، عَنْ تَبِيعٍ فِي قَوْلِهِ: لِلْعَالَمِين قَالَ: الْعَالَمِينَ أَلْفُ أُمَّةٍ سِتُمِائَةٍ فِي الْبَحْرِ، وَأَرْبَعُمِائَةٍ فِي الْبِر.