تفسير ابن أبي حاتم — ابن أبي حاتم الرازي
بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ سُبْحَٰنَ ٱلَّذِىٓ أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِۦ لَيْلًۭا مِّنَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ إِلَى ٱلْمَسْجِدِ ٱلْأَقْصَا ٱلَّذِى بَٰرَكْنَا حَوْلَهُۥ لِنُرِيَهُۥ مِنْ ءَايَٰتِنَآ ۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ ﴿١﴾
قَوْلهُ تَعَالَى: بَارَكْنَا حَوْلَهُ
١٣١٧٨ - عَنِ السُّدِّىِّ ﵁ فِي قَوْلِهِ: الّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ قَالَ:
أنبتنا حوله الشجر «١» .
قَوْلهُ تَعَالَى: سُبْحَانَ الّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ
١٣١٨٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن عَبْد الله بن نمير، حَدَّثَنَا يونس بن بكير حَدَّثَنَا عِيسَى بن عَبْد الله التَّمِيمِيُّ يَعْنِي أَبَا جَعْفَرٍ الرَّازِيَّ عَنِ الرَّبِيعِ بن أنس البكري عَنِ أبى العالية أو غيره عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ فِي قَوْلِهِ: سُبْحَانَ الّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إنه هو السميع الْبَصِيرُ قَالَ: «جاء جبريل ﵇ إِلَى النبي ﷺ ومعه
_________
(١) . الدر ٥/ ١٨١- ١٨٢- ٢٢٧.
(٢) . الدر ٥/ ١٨١- ١٨٢- ٢٢٧.
(٣) . الدر ٥/ ١٨١- ١٨٢- ٢٢٧.
(٤) . الدر ٥/ ١٨١- ١٨٢- ٢٢٧.
ميكائيل فقال جبريل لميكائيل ﵉: ائتني بطست مِنْ ماء زمزم كيما أطهر قلبه وأشرح صدره، فشق عنه بطنه فغسله ثلاث مرات، واختلف إليه ميكائيل ﵇ بثلاث طساس مِنْ ماء زمزم فشرح صدره ونزع ما كان فيه مِنْ غل وملأه حلمًا وعلمًا وإيمانًا ويقينًا وإسلامًا، وختم بين كتفيه بخاتم النبوة، ثُمَّ أتاه بفرس فحمل عليه.. كُلّ خطوة منه منتهى بصره فسار وسار معه جبريل، فأتى عَلَى قوم يزرعون في يَوْم ويحصدون في يَوْم.. كلما حصدوا عاد كما كَانَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: يَا جِبْرِيلُ، مَا هذا..!؟ قَالَ: هؤلاء المجاهدون في سبيل الله يضاعف لَهُمْ الحسنة بسبعمائة ضعف، وما أنفقوا مِنْ شيء فهو يخلفه، ثُمَّ أتى عَلَى قوم عَلَى أقبالهم رقاع وعلي أدبارهم رقاع يسرحون كما تسرح الإبل والغنم ويأكلون الضريع والزقوم ورضف جهنم وحجارتها، قَالَ: مَا هؤلاء يا جبريل!؟ قَالَ: هؤلاء الذين لا يؤدون صدقات أموالهم وما ظلمهم الله شيئًا، ثُمَّ أتى على قوم بين أيدهم لحم نضيج في قدر ولحم آخر نيئ خبيث فجعلوا يأكلون من النيئ الخبيث، ويتركون النضيج الطيب قلت: مَا هؤلاء يا جبريل!؟ قَالَ: هَذَا الرجل مِنَ أمتك تكون عنده المرأة الحلال فيأتي امرأة خبيثة فيبيت عندها حتى يصبح والمرأة، تقوم مِنْ عند زوجها حلالًا طيبًا فتأتي رَجُلًا خبيثًا تبيت معه حتى تصبح، ثُمَّ أتى عَلَى خشبة عَلَى الطريق لا يمر بها ثوب إلا شقته ولا شيء إلا خرقته قَالَ: مَا هَذَا يا جبريل..!!؟ قَالَ: هَذَا مثل أقوام مِنَ أمتك يقعدون عَلَى الطريق فيقطعونه، ثُمَّ أتى عَلَى رجل قد جَمَعَ حزمة عظيمة لا يستطيع حملها وهو يزيد عليها فقال: مَا هَذَا يا جبريل؟ قَالَ: هَذَا الرجل مِنَ أمتك يكون عليه أمانات الناس لا يقدر علي أدائها وهو يريد إِنَّ يحمل عليها، ثُمَّ أتى علي قوم تقرض ألسنتهم وشفاههم بمقاريض مِنْ نار كلما قرضت عادت كما كانت لا يفتر عنهم مِنْ ذَلِكَ شيء قَالَ: مَا هؤلاء يا جبريل..!؟ قَالَ: هؤلاء خطباء الفتنة ثُمَّ أتى عَلَى حجر صغير يخرج مِنْ ثور عظيم، فجعل الثور يريد إِنَّ يرجع مِنْ حيث خرج فلا يستطيع قَالَ: مَا هَذَا يا جبريل؟ قَالَ: هَذَا الرجل يتكلم بالكلمة العظيمة ثُمَّ يندم عليها فلا يستطيع إِنَّ يردها ثُمَّ أتى عَلَى وادٍ فوجد ريحا طيبة باردة وريح مسك، وسمع صوتًا فقال: يا جبريل، مَا هَذَا؟ قَالَ: هَذَا صوت الْجَنَّة.. تقول:
يا رب، ائتني بما وعدتني، فقد كثرت غرفي وإستبرقي وحريري وسندسي وعبقري ولؤلؤي ومرجاني وفضتي وذهبي وأكوابي وصحافي وأباريقي ومراكبي وعسلي ومائي ولبني وخمري فائتني ما وعدتني فقال: لك كُلّ مسلم ومسلمة ومؤمن ومؤمنة قالت:
رضيت، ثُمَّ أتى عَلَى وادٍ فسمع شكوى ووجد ريحًا منتنة فقال: مَا هَذَا يا جبريل؟
قَالَ: هَذَا صوت جهنم، تقول: رب ائتني بما وعدتني، فلقد كثرت سلاسلي وأغلالي وسعيري وحميمي وضريعي وغساقي وعذابي، وقد بعد قعري واشتد حري فائتني ما وعدتني قَالَ: لك كُلّ مشرك ومشركة وكافر وكافرة وكل خبيث وخبيثة وكل جبار لا يؤمن بيوم الحساب قالت: قد رضيت ثُمَّ سار حتى أتى بيت المقدس فنزل فربط فرسه إِلَى صخرة ثُمَّ دَخَلَ فصلى مع الملائكة ﵈ فلما قضيت الصلاة قالوا:
يا جبريل، مِنْ هَذَا معك؟ قَالَ: مُحَمَّد ﷺ قالوا: وقد بعث إليه؟
قال: نعم، قالوا: حياه الله من أخ ومن خليفة فنعم الأخ ونعم الخليفة نعم المجيئ جاء ثُمَّ لقى أرواح الأَنْبِيَاء ﵈ فأثنوا عَلَى ربهم فقال إبراهيم ﵇:
الحمد لله الّذِي اتخذني خليلًا وأعطاني ملكًا عظيمًا وجعلني أمة قانتًا يؤتم بي وأنقذني مِنَ النَّار وجعلها عليّ بردًا وسلامًا، ثُمَّ إِنَّ موسى ﵇ أثنى عَلَى ربه ﷿ فقال: الحمد لله الّذِي كلمني تكليمًا وجعل هلاك آل فرعون ونجاة بني إسرائيل عَلَى يدي وجعل مِنَ أمتي قومًا يهدون بالحق وبه يعدلون، ثُمَّ إِنَّ داود ﵇ أثنى على ربه فقال: الحمد لله الّذِي جعل لي ملكًا عظيمًا، وعلمني الزبور وألان لي الحديد وسخر لي الجبال يسبحن والطير وأعطاني الحكمة وفصل الخطاب، ثُمَّ إِنَّ سليمان ﵇ أثنى عَلَى ربه فقال: الحمد لله الّذِي سخر لي الرياح وسخر لي الشياطين يعملون ما شئت مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ وعلمني منطق الطير وآتاني مِنْ كُلّ شيء فضلًا وسخر لي جنود الشياطين والإِنْس والطير وفضلني عَلَى كثير مِنْ عباده المؤمنين وآتاني ملكًا عظيمًا لا ينبغي لأحد مِنْ بعدي وجعل ملكي ملكًا طيبًا ليس فيه حساب، ثُمَّ إِنَّ عِيسَى ﵇ أثنى على ربه فقال: الحمد لله الذي جعلني كلمته وجعل مثلي مثل آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ، ثُمَّ قَالَ لَهُ كن فيكون وعلمني الْكِتَاب والحكمة والتوراة والإنجيل وجعلني أخلق مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طيرًا بإذن الله وجعلني أبرئ الأكمه والأبرص وأحي الموتى بإذن الله ورفعني وطهرني وأعاذني وأمي مِنَ الشيطان الرجيم فلم يكن للشيطان علينا سبيل. ثُمَّ إِنَّ مُحَمَّدًا ﷺ أثنى عَلَى ربه ﷿ فقال: «كلكم أثنى عَلَى ربه وإني مثن عَلَى ربي» قَالَ: الحمد لله الّذِي أرسلني رحمة للعالمين وكافة للناس بشيرًا ونذيرًا وأنزل عَلَى الفرقان فيه تبيان لكل شيء وجعل أمتي خير أمة أخرجت للناس وجعل أمتي أمة وسطًا وجعل أمتي هم
الأولون والآخرون وشرح لي صدري ووضع عني وزري، ورفع لي ذكري وجعلني فاتحًا وخاتمًا، فقال إبراهيم ﵇: بهذا فضلكم مُحَمَّد ﷺ، ثُمَّ «أتى بآنية ثلاثة مغطاة أفواهها فأتى بإناء منها فيه ماء فقيل: اشرب فشرب منه يسيرًا ثُمَّ رفع إليه إناء آخر فيه لبن فقيل اشرب فشرب منه حتى روى، ثُمَّ رفع إليه إناء آخر فيه الخمر فقيل لَهُ اشرب فقال: لا أريده قد رويت، فقال لَهُ جبريل ﵇ أما إنها ستحرم علي أمتك ولو شربت منها لَمْ يتبعك مِنَ أمتك إلا قليل ثُمَّ صعد بي إِلَى السَّمَاء فاستفتح فقيل: مِنْ هَذَا يا جبريل؟ قَالَ: هَذَا مُحَمَّد قالوا: وقد أَرْسَلَ إليه؟ قال: نعم قالوا: حياه الله من أخ ومن خليفة، فنعم الأخ ونعم الخليفة ونعم المجيئ جاء، فدخل فإذا هُوَ برجل تام الخلق لَمْ ينقص مِنْ خلقه شيء كما ينقص مِنْ خلق الناس، عَلَى يمينه باب يخرج منه ريح طيبة وعن شماله باب يخرج منه ريح خبيثة إِذَا نظر إِلَى الباب الّذِي عَنْ يمينه فرح وضحك وَإِذَا نظر إِلَى الباب الّذِي عَنْ يساره بكى وحزن فقلت: يا جبريل، مِنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا أبوك آدم وهذا الباب الّذِي عَنْ يمينه باب الجنة إذا نظر إلى مِنْ يدخله مِنْ ذريته ضحك واستبشر، والباب الّذِي عَنْ شماله باب جهنم إِذَا نظر إِلَى مِنْ يدخله بكى وحزن ثُمَّ صعد بي جبريل ﵇ إِلَى السَّمَاء الثانية، فاستفتح قِيلَ مِنْ هَذَا معك؟ قَالَ: مُحَمَّد ﷺ، قالوا: وقد أَرْسَلَ إليه؟ قال: نعم قالوا: حياه الله من أخ وخليفة فنعم الأخ ونعم الخليفة ونعم المجيئ جاء فإذا هُوَ بشابين قَالَ: يا جبريل، مِنْ هذان؟ قَالَ:
عِيسَى بن مريم ويحيى بن زكريا فصعد به إِلَى السَّمَاء الثالثة فاستفتح فقالوا: مِنْ هَذَا؟ قَالَ: جبريل قالوا: ومن معك؟ قَالَ مُحَمَّد قالوا: وقد أَرْسَلَ إليه؟ قال: نعم قالوا: حياه الله من أخ ومن خليفة فنعم الأخ ونعم الخليفة ونعم المجيئ جاء فدخل فإذا هُوَ برجل قد فضل علي الناس في الحسن كما فضل القمر ليلة البدر علي سائر الكواكب قَالَ: مِنْ هَذَا يا جبريل؟ قَالَ هَذَا أخوك يوسف ﵇ ثُمَّ صعد بي إِلَى السَّمَاء الرابعة فاستفتح فقيل: مِنْ هَذَا؟ قَالَ: جبريل قالوا: ومن معك؟ قَالَ:
مُحَمَّد قالوا وقد أرسل إليه: قال نعم قالوا حياه الله من أخ ومن خليفة فنعم الأخ ونعم الخليفة ونعم المجيئ جاء فدخل فإذا هُوَ برجل قَالَ: مِنْ هَذَا يا جبريل؟ قَالَ:
هَذَا إدريس رفعه الله مكانًا عليًا ثُمَّ صعد إِلَى السَّمَاء الخامسة فاستفتح فقيل: مِنْ هَذَا؟ قَالَ: جبريل، قِيلَ ومن معك؟ قَالَ: مُحَمَّد قالوا: وقد أَرْسَلَ إليه؟ قَالَ:
نعم قالوا: مرحبًا به حياه الله من أخ وخليفة فنعم الأخ ونعم الخليفة ونعم المجيئ
جاء، ثُمَّ دَخَلَ فإذا هُوَ برجل جالس وحوله قوم يقص عَلَيْهِمْ قَالَ: مِنْ هَذَا يا جبريل ومن هؤلاء حوله؟ قَالَ: هَذَا هارون المحبب وهؤلاء بنو إسرائيل ثُمَّ صعد به إِلَى السَّمَاء السادسة فاستفتح فقيل لَهُ مِنْ هَذَا قَالَ جبريل، قِيلَ ومن معك؟ قَالَ: مُحَمَّد قالوا: وقد أَرْسَلَ إليه قَالَ: نعم قالوا حياه الله من أخ وخليفة فنعم الأخ ونعم الخليفة ونعم: المجيئ جاء، فإذا هُوَ برجل جالس فجاوزه فبكى الرجل قَالَ: يا جبريل مِنْ هَذَا؟ قَالَ: موسى قَالَ: فَمَا لَهُ يبكي؟ قَالَ: زعم بنو إسرائيل أني أكرم بني آدم علي الله وهذا رجل مِنْ بني آدم قد خلفني في دنيا وأنا في أخرى فلو أنه بنفسه لَمْ أبال ولكن مع كُلّ نَبِيّ أمته ثُمَّ صعد به إِلَى السَّمَاء السابعة فاستفتح فقيل مِنْ هَذَا؟ قَالَ:
جبريل قِيلَ: ومن معك؟ قَالَ: مُحَمَّد، قالوا وقد أرسل إليه؟ قال: نعم. قالوا:
حياه الله مِنَ أخ وخليفة فنعم الأخ ونعم الخليفة ونعم المجيئ جاء، فدخل فإذا هو برج أشمط جالس عند باب الْجَنَّة عَلَى كرسي وعنده قوم جلوس بيص الوجوه أمثال القراطيس وقوم في ألوانهم شيء فقيل هؤلاء الذين في ألوانهم شيء فدخلوا نهرًا فاغتسلوا فيه فخرجوا وقد خلص ولم يكن في أبدانهم شيء ثُمَّ دخلوا نهرًا آخر فاغتسلوا فيه فخرجوا وقد خلص مِنَ ألوانهم شيء ثُمَّ خلوا نهرًا آخر فاغتسلوا فيه فخرجوا وقد خلصت ألوانهم فسارت مثل ألوان أصحابهم فجاؤوا فجلسوا إِلَى أصحابهم فقال:
يا جبريل، مِنْ هَذَا الأشمط ومن هؤلاء بيض الوجوه ومن هؤلاء الذين في ألوانهم شيء وما هذه الأنهار التي دخلوا؟ قَالَ: هَذَا أبوك إبراهيم أول من شمط على الأرض وأما هؤلاء البيض الوجوه فقوم لَمْ يلبسوا إيمانهم بظلم، وأما هؤلاء الذين في ألوانهم شيء فقوم خلطوا عملًا صالحًا وآخر سيئًا فتابوا فتاب الله عَلَيْهِمْ وأما الأنهار فأولها رحمة الله والثاني نعمة الله والثالث سقاهم ربهم شرابًا طهورًا، ثُمَّ انتهى إِلَى السدرة ينتهي إليها كُلّ وَاحِدٍ خلا مِنَ أمتك عَلَى نسك فإذا هي شجرة يخرج مِنَ أصلها أنهار مِنْ ماء غير آسن وأنهار مِنْ لبن لَمْ يتغير طعمه وأنهار مِنْ خمر لذة للشاربين وأنهار مِنْ عسل مصفى، وهي شجرة يسير الراكب في ظلها سبعين عامًا لا يقطعها والورقة منها مغطية للأمة كلها فغشيها نور الخلاق ﷿ وغشيتها الملائكة ﵈ أمثال الغربان حين تقع عَلَى الشجرة فكلمه الله تعالى عند ذَلِكَ فقال لَهُ: سل، فقال: اتخذت إبراهيم خليلًا وأعطيته ملكًا عظيمًا وكلمت موسى
تكليمًا، وأعطيت داود ملكًا عظيمًا وألنت لَهُ الحديد وسخرت لَهُ الجبال وأعطيت سليمان ملكًا عظيمًا وسخرت لَهُ الجِنّ والإِنْس والشياطين وسخرت لَهُ الرياح وأعطيته ملكًا لا ينبغي لأحد مِنْ بعده وعلمت عِيسَى التوراة والإنجيل وجعلته يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى بإذنك وأعذته وأمه مِنَ الشيطان الرجيم فلم يكن للشيطان عليهما سبيل، فقال لَهُ ربه ﷿: وقد اتخذتك خليلًا وهو مكتوب في التوراة حبيب الرحمن وأرسلتك إِلَى الناس كافة بشيرا ونذيرا وشرحت لك صدرك ووضعت عنك وزرك رفعت لَكَ ذِكْرَكَ فَلا أُذْكَرُ إِلا ذُكِرْتَ مَعِي وجعلت أمتك خير أمة أخرجت للناس وجعلت أمتك لا تجوز لَهُمْ خطبة حتى يشهدوا أنك عبدي ورسولي وجعلت مِنَ أمتك أقواما قلوبهم أناجيلهم وجعلتك أول النبيين خلقًا وآخرهم بعثًا وأولهم يقَضَى لَهُ، وأعطيتك سبعا مِنَ المثاني لَمْ أعطها نبيًا قبلك، وأعطيتك خَوَاتِيمُ سُورَةِ الْبَقَرَةِ مِنْ كَنْزٍ تَحْتَ الْعَرْشِ لَمْ أعطها نبيا قبلك وأعطيتك الكوثر وأعطيتك ثمانية أسهم: الإسلام والهجرة والجهاد والصلاة والصدقة وصوم رمضان والأمر بالمعروف والنهي عَنِ المنكر وجعلتك فاتحا وخاتما قَالَ النَّبِيّ ﷺ:
«فضلني ربي وأرسلني رحمة للعالمين وكافة للناس وبشيرا ونذيرًاُ وألقى في قلب عدوي الرعب مِنْ مسيرة شهر وأحل لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي وجعلت لي الأَرْض كلها مسجدا وطهورا وأعطيت فواتح الكلام وخواتمه وجوامعه وعرضت عَلَى أمتي فلم يخف علي التابع والمتبوع ورأيتهم أتوا علي قوم ينتعلون الشعر ورأيتهم أتوا عَلَى قوم عراض الوجوه صغار الأعين كأنما خرمت أعينهم بالمخيط فلم يخف عليّ ما هم لاقون مِنْ بعدي وأمرت بخمسين صلاة فلما رجع إِلَى موسى ﵇ قَالَ: بم أمرت؟ قَالَ: بخمسين صلاة، قَالَ: ارجع إِلَى ربك فاسأله التخفيف فإن أمتك أضعف الأمم فقد لقيت مِنْ بني إسرائيل شدة فرجع النَّبِيّ ﷺ إِلَى ربه فسأله التخفيف فوضع عنه عشرا ثُمَّ رجع إِلَى موسى فقال: بكم أمرت؟
قَالَ: بأربعين قَالَ: ارجع إِلَى ربك فاسأله التخفيف فرجع فوضع عنه عشرًا إِلَى إِنَّ جعلها خمسًا قَالَ: ارجع إِلَى ربك فاسأله التخفيف قَالَ: قد رجعت إِلَى ربي حتى استحيت منه فَمَا أنا براجع إليه قِيلَ لَهُ: أما إنك كما صبرت نفسك عَلَى خمس صلوات فإنهن يجزين عنك خمسين صلاة وإن كُلّ حسنة بعشر أمثالها فرضي مُحَمَّد
ﷺ كُلّ الرضا قَالَ وكان موسى ﵇ مِنَ أشدهم عليه حين مر به وخيرهم لَهُ حين رجع إليه «١» .
١٣١٨٥ - عَنْ ابن هاشم العبدي عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: ملك مَا بين المشرق والمغرب أربعة: مؤمنان، وكافران، أما الكافران فالفرخان وبختنصر فأنشأ أبو هاشم يحدث قَالَ: كَانَ رجل مِنَ اهْل الشام صالحًا فقرأ هذه الآية وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الكتاب إلى قوله: علوا كبيرا قال:
يا رب أما الأولى فقد فاتتني فأرني الآخرة فأتى وهو قاعد في مصلاه قد خفق برأسه فقيل: الّذِي سألت عنه ببابل اسمه بختنصر فعرف الرجل انه قد استجيب لَهُ فاحتمل جرابًا مِنْ دنانير فأقبل حتي انتهى إِلَى بابل فدخل عَلَى الفرخان فقال: إني قد جئت لمال فاقسمه بين المساكين فأمر به فأنزل فجمعوهم له، ثم جعل يعطيهم ويسألهم عن ابمائهم حتى إِذَا فرغ ممن بحضرته قِيلَ لَهُ: فانه قد بقيت منه بقايا في الرساتيق فجعل يبعث فتاة حتى إِذَا كَانَ الليل رجع إليه فاقرأه رَجُلًا رجلًا فأتى عَلَى ذكر بختنصر فقال: قف. كيف قلت؟ قَالَ: بختنصر قَالَ: وما بختنصر هَذَا؟ قَالَ: هُوَ أشدهم فاقة وهو مقعد يأتي عليه السفارون فيلقي أحدهم إليه الكسرة ويأخذ بأنفه قَالَ: فإني مسلم به لا بد قَالَ الآخر، فإنما هو في خيمة له يحدث فيها حتي أذهب فأقلبها وأغسله قَالَ: دونك هذه الدنانير فأقبل إليه بالدنانير فأعطاه إياه ثُمَّ رجع إِلَى صاحبه فجاء معه فدخل الخيمة فقال: مَا اسمك؟ قَالَ: بختنصر قَالَ: مِنْ سماك بختنصر؟
قَالَ مِنْ عسى يسميني إلا أمي! قَالَ: فهل لك أحد؟ قَالَ: لا والله إني لههنا أخاف بالليل إِنَّ تأكلني الذئاب قَالَ: فأي الناس أشد بلاء؟ قَالَ: أنا قَالَ: أفرأيت إِنَّ ملكت يومًا مِنْ دهر أتجعل لي إِنَّ لا تعصيني؟ قَالَ: إي سيدي لا يضرك إِنَّ لا تهزأ بي قَالَ: أرأيت إِنَّ ملكت مرة أتجعل لي إِنَّ لا تعصيني؟ قَالَ: أما هذه فلا اجعلها لك ولكن سوف أكرمك كرامة لا أكرمها أحدًا قَالَ: دونك هذه الدنانير، ثُمَّ انطلق فلحق بأرضه فقام الآخر فاستوى عَلَى رجليه ثُمَّ انطلق فاشترى حمارا وأرسانا ثم جعل
_________
(١) . قال ابن كثير: أبو جعفر الرازي قال فيه الحافظ ابو زرعة: الرازي يهم في الحديث كثيرا- وقد ضعفه غيره ايضا ووثقه بعضهم- والا ظهر انه سيئ الحفظ ففيما تفرد به نظر.
وهذا الحديث في بعض ألفاظه غرابة ونكارة شديدة، وفيه شيء من حديث المنام من رواية سمرة بن جندب في المنام الطويل عن البخاري، ويشبه أن يكون مجموعا من أحاديث شتى، او منام وقصة أخرى غير الإسراء- التفسير ٥/ ٣٦
يستعرض تلك الأعاجم فيجزها فيبيعه، ثُمَّ قَالَ: إِلَى متى هَذَا الشقاء؟ فعمد فباع ذَلِكَ الحمار وتلك الأرسان واكتسى كسوة ثُمَّ أتى باب الملك فجعل يشير عَلَيْهِمْ بالرأي وترتفع منزلته حتى انتهوا إِلَى بواب الفرخان الّذِي يليه فقال لَهُ الفرخان: قد ذكر لي رجل عندك فَمَا هُوَ؟ قَالَ: مَا رأيت مثله قط! قَالَ: ائتني به فكلمه فأعجب به قَالَ: إِنَّ بيت المقدس وتلك البلاد قد استعصوا علينا وإنا باعثون عَلَيْهِمْ بعثًا وإني باعث إِلَى البلاد مِنْ يختبرها فنظر حينئذ إِلَى رجال مِنَ اهْل الأرب والمكيدة فبعث جواسيس، فلما فصلوا إِذَا بختنصر قد أتى بخرجيه عَلَى بغلة قَالَ: أين تريد؟ قَالَ:
معهم قَالَ: فألا آذنتني فأبعثك عَلَيْهِمْ؟ قال: لا، حتى إذا وقعوا بالأرض ال: تفرقوا وسأل بختنصر عَنِ أفضل أَهْل البلد؟ فدل عليه فألقى خرجيه في داره قَالَ لصاحب المنزل: ألا تخبرني عَنِ اهْل بلادك قَالَ: عَلَى الخبير سقطت هم قوم فيهم كتاب فلا يقيمونه وأنبياء فلا يطيعونهم وهم متفرقون.
قَالَ بختنصر كالمتعجب منه كتاب لا يقيمونه، وأنبياء لا يطيعونهم وهم متفرقون! فكتبهن في ورقة وألقى خرجيه وَقَالَ: ارتحلوا فأقبلوا حتى قدموا الفرخان فجعل يسأل كُلّ رجل منهم فجعل الرجل يَقُولُ: أتينا بلاد كذا ولها حصن كذا ولها نهر كذا قَالَ:
يا بختنصر، مَا تقول؟ قَالَ: قدمنا أرضًا علي قوم لَهُمْ كتاب لا يقيمونه وأنبياء لا يطيعونهم وهم متفرقون فأمر حينئذ فندب الناس وبعث إِلَيْهِمْ سبعين ألفًا وأمر عَلَيْهِمْ بختنصر فساروا حتى إِذَا علوا في الأَرْض أدركهم البريد: إِنَّ الفرخان قد مات ولم يستخلف أحدا قَالَ: للناس مكانكم ثُمَّ أقبل عَلَى البريد حتى قدم عَلَى الناس وَقَالَ:
كيف صنعتم؟ قالوا: كرهنا إِنَّ نقطع أمرًا دونك قَالَ: إِنَّ الناس قد بايعوني فبايعوه ثُمَّ استخلف عَلَيْهِمْ وكتب بينهم كتابا ثم انطلق بهم سريعا حتى قدم عَلَى أصحابه فأراهم الْكِتَاب فبايعوه وقالوا: مابنا رغبة عنك فساروا، فلما سمع أَهْل بيت المقدس تفرقوا وطاروا تحت كُلّ كوكب فشعث ما هناك أي أفسد وقتل مِنْ قتل وخرب بيت المقدس واستبى أبناء الأَنْبِيَاء فيهم دانيال فسمع به صاحب الدنانير فأتاه فقال: هل تعرفني؟ قَالَ: نعم، فأدنى مجلسه ولم يشفعه في شيء، حتى إِذَا نزل بابل لا ترد له راية فكان كذلك ما شاء الله ثُمَّ انه رأى رؤيا فأفظعته فأصبح قد نسيها قَالَ: عليّ بالسحرة والكهنة قَالَ: أخبروني عن رؤيا رأيتها الليلة والله لتخبرني بها أو لأقتلنكم قالوا: ما هي؟ قَالَ: قد نسيتها قالوا: مَا عندنا مِنْ هَذَا علم إلا إِنَّ ترسل إِلَى أبناء
الأَنْبِيَاء فأرسل إِلَى أبناء الأَنْبِيَاء قَالَ: أخبروني عن رؤيا رأيتها الليلة، والله لتخبرني بها أو لأقتلنكم قالوا: ما هي؟ قَالَ: قد نسيتها، قالوا غيب ولا يعلم الغيب إلا الله، لتخبرني بها أو لأضربن أعناقكم قالوا: فدعنا حتى نتوضأ ونصلي وندعو الله تَعَالَى قَالَ: فافعلوا فانطلقوا فأحسنوا الوضوء فأتوا صعيدًا طيبًا فدعوا الله فأخبروا بها، ثُمَّ رجعوا إليه فقالوا: رأيت كَانَ رأسك مِنْ ذهب وصدرك مِنْ فخار ووسطك مِنْ نحاس ورجليك مِنْ حديد قَالَ: نعم، قَالَ: أخبروني بعبارتها أو لأقتلنكم قالوا: فدعنا ندعوا رَبُّنَا.
قَالَ: اذهبوا فدعوا ربهم فاستجاب لَهُمْ فرجعوا إليه قالوا: رأيت إِنَّ رأسك ذهب ملكك هَذَا يذهب عند رأس الحول مِنْ هذه الليلة قَالَ: ثُمَّ مه؟ قالوا: ثُمَّ يكون بعدك ملك يفخر علي الناس، ثُمَّ يكون ملك يخشى علي الناس شدته، ثُمَّ يكون ملك لا يقله شيء إنما هُوَ مثل الحديد يَعْنِي الإسلام فأمر بحصن فبنى لَهُ بينه وبين السَّمَاء ثُمَّ جعل ينطقه بمقاعد الرجال والأحراس، وَقَالَ لَهُمْ: إنما هي هذه الليلة لا يجوز عليكم أحد وإن قَالَ أنا بختنصر إلا قتلتموه مكانه كائنا مِنْ كَانَ مِنَ الناس فقعد كُلّ أناس في مكانهم الّذِي وكلوا به واهتاج بطنه مِنَ الليل فكره إِنَّ يرى مقعده هناك وضر عَلَى أسمخة القوم فاستثقلوا نومًا فأتى عَلَيْهِمْ وهم نيام، ثُمَّ أتى عَلَيْهِمْ فاستيقظ بعضهم فقال: مِنْ هَذَا؟ قَالَ: بختنصر قَالَ هَذَا الّذِي حفى إلينا فيه الليلة فقتله فأصبح الخبيث قتيلًا.
١٣١٨٦ - عَنْ سَعِيدِ بْنِ مسعود الثقفي ﵁ قَالَ: إنما سمي نوح ﵇ عبدًا شكورًا، لأنه كَانَ إِذَا أكل أو شرب أو لبس حمد الله.