تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين
فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُۥ ﴿٧﴾
فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾.
وقوله تبارك وتعالى: ﴿مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ يفيد أن الذي يُوزَن هو الأعمال، وهذه المسألة اختلفَ فيها أهلُ العلم؛ فمِن العلماء مَن يقول: إن الذي يُوزَن هو العمل، ومنهم مَن يقول: إن الذي يُوزَن صحائف الأعمال، ومنهم مَن يقول: إن الذي يُوزَن هو العامل نفسه، ولكلٍّ دليل:
أمَّا مَن قال: إن الذي يُوزَن هو العمل فاستدلَّ بهذه الآية: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾؛ لأن تقدير الآية: فمَن يعمل عملًا مثقالَ ذرَّة. واستدلُّوا أيضًا بقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «كَلِمَتَانِ حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ، خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ، ثَقِيلَتَانِ فِي الْمِيزَانِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٧٥٦٣)، ومسلم (٢٦٩٤ / ٣١)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]، وهذا القول كما ترى له دليلٌ من القرآن ومن السُّنة.
لكن يُشْكِل على هذا أنَّ العمل ليس جسمًا يمكن أن يوضَع في الميزان، بل العمل عَمَلٌ، انتهى وانقضى، ولكن يُجاب عن هذا بأنْ يُقال: على المرء أن يُصَدِّق بما أخبر الله به ورسولُه من أمور الغيب وإنْ كان عقلُه قد يَحار فيه ويتعجَّب ويقول: كيف يكون هذا؟! فعليه بالتصديق؛ لأن قدرة الله تعالى فوق ما يتصوَّر، هذا أوَّل جواب عن هذا الإيراد، الإيراد عرفتموه الآن؟ هو: كيف يُوزَن العملُ وهو معنًى وحركة انتهت؟
فيقال: الواجب على المسلم أن يُسَلِّم ويستسلم ولا يقول: كيف؟ لأن أمور الغيب فوق ما يتصوَّر، هذه واحدة.
ثانيًا: أن الله تعالى يجعل هذه الأعمالَ أجسامًا توضَع في الميزان وتَثْقُل وتَخِفُّ، والله تعالى قادرٌ على أن يجعل الأمور المعنوية أجسامًا؛ كما صحَّ عن النبي ﷺ في «أن الموت يُؤتَى به على صورة كَبْشٍ، ويُوقَف بين الجنة والنار، ويُقال: يا أهل الجنَّة. فيشْرَئِبُّون ويطَّلعون لماذا نُودُوا، ويُقال: يا أهل النار. فيشْرَئِبُّون ويطَّلعون لماذا نُودُوا، فيُقال لهم: هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم، هذا الموت» -مع أنه في صورة كَبْشٍ، والموتُ معنًى ليس جسمًا، ولكن الله تعالى يجعله جسمًا يوم القيامة فيكون هذا الموت- «فيُذْبح أمامهم، ويُقال: يا أهل الجنة خلودٌ ولا مَوْت، ويا أهل النار خلودٌ ولا مَوْت»[[أخرج البخاري (٤٧٣٠) عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «يُؤتَى بالموت كهيئة كبشٍ أملح، فينادي منادٍ: يا أهل الجنة. فيشرئبُّون وينظرون، فيقول: هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم، هذا الموت. وكلهم قد رآه، ثم ينادي: يا أهل النار. فيشرئبُّون وينظرون، فيقول: وهل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم، هذا الموت. وكلهم قد رآه، فيُذبح، ثم يقول: يا أهل الجنة خلودٌ فلا موت، ويا أهل النار خلودٌ فلا موت...» الحديث.]]، وبهذا يزول الإشكالُ الواردُ على هذا القول، ما هو القول؟ أن الذي يُوزَن هو العمل.
أمَّا مَن قال: إن الذي يُوزَن هو صحائف الأعمال، فاستدلُّوا بحديث «صاحب البطاقة الذي يُؤتى يومَ القيامة به ويُقال: انظرْ إلى عَمِلك. فتُمَدُّ له السِّجِلَّاتُ مكتوبٌ فيها العملُ السَّيِّئُ، سِجِلَّاتٌ عظيمةٌ، فإذا رأى أنه قد هلك أُتِي ببطاقة صغيرة فيها: لا إله إلا الله. فيقول: يا ربِّ، ما هذه البطاقة مع هذه السجلَّات؟! فيُقال له: إنك لا تُظْلم شيئًا، ثم تُوزَن البطاقة في كِفَّةٍ والسجلَّاتُ في كِفَّةٍ فترجحُ بِهِنَّ البطاقة، وهي: لا إله إلا الله»[[أخرج الترمذي (٢٦٣٩) عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله ﷺ: «إنَّ الله سيُخلِّص رجلًا من أُمَّتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة فينشر عليه تسعةً وتسعين سِجِلًّا كلُّ سِجِلٍّ مثل مدِّ البصر، ثم يقول: أتُنْكر من هذا شيئًا؟ أظَلَمك كَتَبتي الحافظون؟ فيقول: لا يا رب. فيقول: أفَلك عُذر؟ فيقول: لا يا رب. فيقول: بلى، إنَّ لك عندنا حسنة، فإنَّه لا ظُلم عليك اليوم. فتخرج بطاقةٌ فيها: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله. فيقول: احضر وَزْنك. فيقول: يا ربِّ ما هذه البطاقة مع هذه السجلات! فقال: إنك لا تُظلم. قال: فتوضع السجلات في كفةٍ والبطاقة في كفةٍ، فطاشت السجلات وثقُلت البطاقة، فلا يثقل مع اسم الله شيء».]]. قالوا: فهذا دليلٌ على أن الذي يُوزَن هو صحائف الأعمال.
وأمَّا الذين قالوا: إن الذي يُوزَن هو العاملُ نفسُه، فاستدلُّوا بحديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه «أنَّه كان ذاتَ يومٍ مع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فهَبَّتْ ريحٌ شديدةٌ، فقام عبد الله بن مسعودٍ رضي الله عنه فجعلت الريحُ تُكَفِّئُه لأنه نحيفُ القدمين والساقين، فجعل الناسُ يضحكون، فقال النبيُّ ﷺ: «مِمَّ تَضْحَكُونَ؟! -أو: مِمَّ تَعْجَبُونَ؟!- وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّ سَاقَيْهِ فِي الْمِيزَانِ أَثْقَلُ مِنْ أُحُدٍ»[[أخرج أحمد (٣٩٩٠) عن ابن مسعود رضي الله عنه أنَّه كان يجتني سواكًا من الأراك، وكان دقيق الساقين، فجعلت الريح تكفَؤُه، فضحك القوم منه، فقال رسول الله ﷺ: «مِمَّ تضحكون؟» قالوا: يا نبيَّ الله، من دِقَّة ساقَيه. فقال: «والذي نفسي بيده، لهما أثقلُ في الميزان من أُحُد».]]. وهذا يدلُّ على أن الذي يُوزَن هو العامل.
فيُقال: نأخذ بالقول الأول أن الذي يُوزَن العَمَل، ولكنْ ربما يكون بعضُ الناس تُوزَن صحائف أعماله وبعضُ الناسِ يُوزَن هو بنفسه.
فإن قال قائل: على هذا القول؛ أنَّ الذي يُوزَن هو العامل، هلْ ينبني هذا على أجسام الناس في الدنيا وأنَّ صاحب الجسم الكبير العظيم يَثْقل ميزانُه يوم القيامة؟
فالجواب: لا، لا ينبني على أجسام الدنيا؛ يُؤتَى بالرجُلِ السمينِ الغليظِ الكبيرِ الواسعِ الجسمِ يومَ القيامة لا يَزِنُ عند الله جناحَ بعوضةٍ، وهذا عبد الله بن مسعودٍ؛ يقول النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ سَاقَيْهِ فِي الْمِيزَانِ أَثْقَلُ مِنْ أُحُدٍ»، فالعبرة بثِقَل الجسم أو عدم ثِقَله يوم القيامة بما كان معه من أعمالٍ صالحة؛ يقول الله عز وجل: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧)