تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين
أَلَمْ يَعْلَم بِأَنَّ ٱللَّهَ يَرَىٰ ﴿١٤﴾
أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ يعني: يرى المنهيَّ وهو الساجد؛ محمدًا صلى الله عليه وعلى آله وسلم الآمرَ بالتقوى، ويرى هذا العبدَ الطاغيةَ الذي ينهى عبدًا إذا صلَّى.
﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ يرى سبحانه وتعالى عِلْمًا ورؤيةً؛ فهو سبحانه وتعالى يرى كلَّ شيءٍ مهما خَفِيَ ودقَّ، ويعلم كلَّ شيءٍ مهما بَعُد ومهما كثُر أو قلَّ، فيعلم الآمرَ والناهيَ، ويعلم المصلِّيَ والساجدَ، ويعلم مَن طغى ومَن خضع لله عز وجل، وسيجازي كلَّ إنسانٍ بعمله. والمقصود من هذا تهديدُ هذا الذي ينهى عبدًا إذا صلَّى، وبيانُ أنَّ الله تعالى يعلم بحاله وحال مَن ينهاه، وسيجازي كلًّا منهما بما يستحقُّ.
نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا وإيَّاكم من الساجدين لله، الآمِرين بتقوى الله على هُدًى من الله ونورٍ، إنَّه على كلِّ شيءٍ قدير.
* * *
(...) نفتتحه بالكلام على ما بَقِيَ من تفسير سورة العَلَق.
قال الله تبارك وتعالى: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (٩) عَبْدًا إِذَا صَلَّى (١٠) أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى (١١) أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى (١٢) أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (١٣) أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ [العلق ٩ - ١٤] كلُّ هذا للتهديد، تهديدِ هذا الرجُل الذي كان ينهى رسولَ الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن الصلاة، حتى إنَّه توعَّده وقال لأطأنَّ عُنُقَه إذا سجد، ولكنْ أَبَى الله تعالى ذلك؛ فقد همَّ به، ولكنَّه نكص على عَقِبيه ورأى أهوالًا عظيمةً حالت بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم[[أخرج مسلم (٢٧٩٧ / ٣٨) من حديث أبي هريرة قال: قال أبو جهل: هل يُعفِّر محمدٌ وجهَه بين أظهركم؟ قال فقيل: نعم. فقال: واللات والعزى لئن رأيتُه يفعل ذلك لأطأنَّ على رقبته أو لأعفِّرن وجهَه في التراب. قال: فأتى رسولَ الله ﷺ وهو يصلي، زعم ليطأ على رقبته، قال: فما فَجِئهم منه إلا وهو ينكص على عقبيه ويتقي بيديه، قال: فقيل له: ما لك؟ فقال: إنَّ بيني وبينه لَخندقًا من نارٍ وهولًا وأجنحةً. فقال رسول الله ﷺ: «لو دنا مني لاختطفتْه الملائكة عضوًا عضوًا».]].
وقوله: ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ يحتمل أن تكون من الرؤية بالعَيْنِ، ويحتمل أن تكون من رؤية العِلْم، وكلاهما صحيح؛ فالربُّ عز وجل يرى بعِلْمه ويرى ببصره جل وعلا، لا يخفى عليه شيءٌ في الأرض ولا في السماء.
والمرادُ بهذه الجملةِ التهديدُ؛ يعني: ألَمْ يعلمْ هذا الرجُل أنَّ الله تعالى يراه ويعلمه، وهو سبحانه وتعالى محيطٌ بعمله فيُجازيه عليه إمَّا في الدنيا وإمَّا في الدنيا والآخرة.