تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين
فَيَوْمَئِذٍ لَّا يُعَذِّبُ عَذَابَهُۥٓ أَحَدٌ ﴿٢٥﴾
قال تعالى: ﴿﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذَّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ (٢٥) وَلَا يُوثَقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ﴾ ﴾ [الفجر: ٢٥، ٢٦]، يعني في هذا اليوم لا أحدَ يُعَذَّب عذابَه، ولا أحدَ يُوثَق وثاقَه، ومعلومٌ أن هذا الكافر -المؤمن، يأتينا ذكْر المؤمن إن شاء الله- الكافر لا يعذَّب أحدٌ عذابَه في ذلك اليوم، وأُخبِركم لماذا؟ لأنه يُلقَى على أهل النار في الموقف العطشُ الشديدُ، فينظرون إلى النار كأنها السَّراب، والسراب هو ما يشاهده الإنسان في أيام الصيف في عزة الحرِّ من البقاع حتى يُخَيَّل إليه أنه ماء، ينظرون إلى النار كأنها سرابٌ وهم عِطاش فيتهافتون عليها، يذهبون إليها سِراعًا يريدون أي شيء؟ يريدون الشُّرب، فإذا جاؤوها ﴿فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ [الزمر ٧١]، قد قامت عليكم الحجَّة، فيُوَبِّخونهم قبل أن يدخلوا النار، والتوبيخ عذابٌ قلبيٌّ وألَمٌ نفسيٌّ قبل أن يذوقوا ألَمَ النار والعياذ بالله، أعاذني الله وإياكم منها.
في النار يوبِّخهم الجبار عز وجل توبيخًا أعظم من هذا؛ يقولون: ﴿رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ (١٠٦) رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ [المؤمنون ١٠٦، ١٠٧]، قال الله تعالى وهو أرحم الراحمين: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون ١٠٨]، أبلغ من هذا الإذلال والعياذ بالله! ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ يقولها أرحم الراحمين، فمَن يرحمهم بعد الرحمن؟! لا راحِمَ لهم. وقد أخبر النبي ﷺ «بأنَّ أهونَ أهل النار عذابًا مَن عليه نعلانِ يغلي منهما دِماغُه، ولا يرى أن أحدًا أشدُّ منه عذابًا، يرى أنه أشدُّ الناسِ عذابًا وهو أهونهم عذابًا، وعليه نعلانِ يغلي منهما الدماغ»[[أخرج مسلم في صحيحه (٢١٣ / ٣٦٤) بسنده عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله ﷺ: «إِنَّ أَهْوَنَ أَهْلِ النَّارِ عَذَابًا مَنْ لَهُ نَعْلَانِ وَشِرَاكَانِ مِنْ نَارٍ يَغْلِي مِنْهُمَا دِمَاغُهُ كَمَا يَغْلِي الْمِرْجَلُ، مَا يَرَى أَنَّ أَحدًا أَشَدُّ مِنْهُ عَذَابًا، وَإِنَّهُ لَأَهْوَنُهُمْ عَذَابًا».]]، النعلان في أسفل البدن والدماغ في أعلاه، فإذا كان أعلى البدن يغلي من أسفله فالوسط من بابِ أشد، أجارنا الله وإياكم من النار.
﴿﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذَّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ (٢٥) وَلَا يُوثَقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ﴾ ﴾ لأنهم -والعياذُ بالله- يُوثَقون؛ ﴿ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ﴾ [الحاقة ٣٢]. أَدخِلوه في هذه السلسلة، تُغَلُّ أيديهم، نسأل الله العافية، ولا أحد يتصوَّر الآن ما هم فيه من البؤس والشقاء والعذاب، واللهِ إن الإنسان أحيانًا يتمنى أنه لم يُخلَق خوفًا من النار؛ «كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: ليت أمِّي لم تلدْني، ليتني شجرةٌ تُعْضَد»[[الشطر الأول: "ليت أُمِّي لم تلدْني" أخرجه ابن أبي شيبة (٣٤٤٨٠) من قول عمر رضي الله عنه، أما الشطر الثاني: "يا ليتني شجرةٌ تُعضَد" فأخرجه ابن أبي شيبة (٣٤٥٢١) من قول ابن مسعود، وأخرجه أحمد في الزهد (٧٨٦) من قول أبي ذر، وأخرجه ابن أبي الدنيا في المتمنين (١٠) من قول أبي بكر، وأخرجه البيهقي في الشُّعَب (٧٦٨) من قول أبي الدرداء، رضي الله عنهم.]]. لأن الإنسان ما يدري؛ أولًا: ما يدري ما هو عليه الآن، هل هو على صواب أو على خطأ؟ هل في عباداته رياء؟ هل في عباداته بدعة؟ ثم لا يرى أيضًا -وهو أخطر- لا يرى ماذا يُختَم له به؛ «إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فَيَدْخُلُهَا»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٥٩٤)، ومسلم (٢٦٤٣ / ١)، من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.]]. مَن الذي يأمن عند الموت أن يُصَدَّ و يُضَلَّ ويأتيه الشيطان يقول: أنا أبوك، اتركْ يا بُنَيَّ الإسلامَ وكنْ نصرانيًّا أو يهوديًّا، لأن بعض الناس -والعياذ بالله- عند الموت يُفتَن؛ تُعرَض عليه الأديان ويقال: اختر النصارى، اختر اليهود، أعرِضْ عن الإسلام. ولهذا (...) ومن فتنة المحيا وأيش؟ والممات، ومَن الذي يأمن؟ أسأل الله أن يُحسِن لي ولكم الخاتمة، من الذي يأمن؟ إذَن على الإنسان أن يستعد، ﴿يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي (٢٤) فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ (٢٥)