×

الأعلى

الآية ١٥

تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين

وَذَكَرَ ٱسْمَ رَبِّهِۦ فَصَلَّىٰ ﴿١٥﴾

وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ [الأعلى ١٥] يعني: ذكر اسمَ الله تعالى بالتعبُّد له فصلَّى، ويدخل في ذِكْر اسم الله الوضوءُ مثلًا، فالوضوء من ذِكْر اسم الله؛ أولًا: لأنَّ الإنسان لا يتوضأ إلا امتثالًا لأمر الله، وثانيًا: أنَّه إذا ابتدأ وضوءَه قال: باسم الله، وإذا انتهى قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهمَّ اجعلني من التوَّابين واجعلني من المتطهِّرين. ومِن ذِكْر الله عز وجل خطبة الجمعة؛ فإنَّ خطبة الجمعة مِن ذِكْر الله لقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة ٩]، وعلى هذا فقوله: ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ﴾ يعني الخطيب يوم الجمعة ﴿فَصَلَّى﴾ أي: صلاة الجمعة، فهذه الآية تشمل كلَّ الصلوات التي يسبقها ذِكْر، وما من صلاةٍ إلا ويسبقها ذِكْرٌ في الغالب. نعم، قد يصلِّي الإنسانُ صلاةً قد توضأ فيها من قبل، لكن الغالب أنَّ الإنسان يتوضأ قُبيل الصلاة فيذكر اسمَ الله ثم يصلي. * * * الحمد لله ربِّ العالمين، وصلى الله وسلم على نبيِّنا محمدٍ وعلى آله وأصحابه ومَن تَبِعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين. أما بعد، فهذا هو المجلس الثامن والخمسون من اللقاء المفتوح، والذي ابتدأناه بعد انتهاء موسم الحج في يوم الخميس الثاني والعشرين من شهر ذي الحجة عام أربعة عشر وأربع مئة وألف، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يختم عامَنا بالخير والعفو والمغفرة. بقي علينا من التفسير في سورة الأعلى قول الله تبارك و تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى (٩) سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى (١٠) وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى (١١) الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى (١٢) ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى (١٣) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (١٥)بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (١٦) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (١٧) إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى (١٨) صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾ [الأعلى ٩ - ١٩]. بقي من قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾، هذه الجملة جملة فعليَّة مؤكَّدة بـ(قَدْ) ﴿قَدْ أَفْلَحَ﴾، والفلاح كلمةٌ عامَّة يُراد بها النجاةُ من المكروه والفوزُ بالمحبوب. وقوله: ﴿مَنْ تَزَكَّى﴾ أي: مَن تطهَّر ظاهرُه وباطنُه؛ فتطهَّر باطنُه من الشرك بالله عز وجل، ومن الشك، ومن النفاق، ومن العداوة للمسلمين والبغضاء، وغير ذلك مما يجب أن يتطهَّر القلب منه، وتطهَّر ظاهرُه من إطلاق لسانه وجوارحه في العدوان على عباد الله عز وجل؛ فلا يغتاب أحدًا، ولا ينمُّ عن أحد، ولا يسبُّ أحدًا، ولا يعتدي على أحدٍ بضربٍ أو جَحْدِ مالٍ أو غير ذلك، فالتزكِّي كلمة عامَّة تشمل التطهُّرَ من كلِّ درنٍ ظاهرٍ أو باطنٍ. ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾، ﴿ذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ﴾ أي: ذكر اللَّهَ، ولكنَّه ذكر سبحانه وتعالى الاسمَ من أجْل أن يكون الذِّكر باللسان؛ لأنَّ الذِّكر باللسان ينطق اللسان فيه باسم الله؛ فيقول مثلًا: سبحان الله، والحمد لله، والله أكبر، فيذكر اسم الله. وقد ذكر بعض العلماء أنَّ المراد بذِكر اسم الله هنا خطبةُ الجمعة؛ لقوله بعد ذلك: ﴿فَصَلَّى﴾، ولكن الصحيح أنها أعمُّ من هذا وأنَّ المراد به كلُّ ذِكْرِ اسمِ الله عز وجل؛ أي: كلَّما ذَكَر الإنسانُ اسمَ الله اتَّعظَ وأقبلَ إلى الله وصلَّى، والصلاة معروفة؛ هي عبادةٌ ذاتُ أقوالٍ وأفعالٍ مفتتحة بالتكبير مختتمة بالتسليم.