تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين
فَلَآ أُقْسِمُ بِٱلشَّفَقِ ﴿١٦﴾
وَٱلَّيْلِ وَمَا وَسَقَ ﴿١٧﴾
(...) يوم الخميس، وبه نختتم ما بقي من سورة الانشقاق، فقد انتهينا إلى قوله تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ (١٦) وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ (١٧) وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ (١٨) لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ [الانشقاق ١٦ - ١٩]. هذه الجملة مكوَّنة من قَسَم، ومُقسَم به، ومقسَم عليه، ومُقسِم، فالقسم في قوله: ﴿لَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ﴾ قد يظنُّ الظانُّ أن معنى ﴿لَا أُقْسِمُ﴾ نفي، وليس كذلك، بل هو إثبات، و(لا) هنا جيء بها للتنبيه، ولو حُذفتْ في غير القرآن لَاستقام الكلام، ولها نظائر مثل: ﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ [البلد ١]، ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [القيامة ١]. ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ﴾ [المعارج ٤٠]، ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ﴾ [الحاقة ٣٨]، وكلُّها يقول العلماء: إن (لَا) فيها للتنبيه، وإنَّ القَسَم مثبت.
أمَّا المقْسِم فهو الله عز وجل، فهو سبحانه مُقْسِمٌ، أمَّا المقسَم به في هذه الآية فهو الشَّفَق وما عُطف عليه.
فإن قال قائل: لماذا يُقسم الله على خبره وهو سبحانه الصادق بلا قَسَم؟ وكذلك يُقسم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم على خبره وهو صادقٌ بلا قَسَم؟
قلنا: إنَّ القَسَم يؤكِّد الكلام، والقرآن العربي نزل باللسان العربي، وإذا كان مِن عادتهم أنهم يؤكِّدون الكلام بالقسم صار هذا الأسلوب جاريًا على اللسان العربي الذي نزل به القرآن.
وقوله: ﴿بِالشَّفَقِ﴾ الشَّفَق هو الحُمرة التي تكون بعد غروب الشمس، وإذا غابت هذه الحُمرة خرج وقتُ المغرب ودخل وقتُ العشاء، هذا قول أكثر العلماء. وبعضهم قال: إذا غاب البياض، وهو يغيب بعد الحُمرة بنحو نصف ساعة، لكن الذي عليه الجمهور -ويقال: إنَّ أبا حنيفة رحمه الله رجع إليه- هو أنَّ الشَّفَق هو الحُمرة، وإذا غاب هذا الشَّفَق فإنَّه يدخل وقت العشاء ويخرج وقت المغرب.
﴿وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ﴾ هذا أيضًا مُقْسَمٌ به معطوفٌ على الشفق؛ يعني: وأُقسِم بالليل وما وسق. وهذان قَسَمان: الليل، وما وسق. الليل معروف، فما معنى ﴿مَا وَسَقَ﴾؟ أي: ما جمع؛ لأنَّ الليل يجمع الوحوش والهوامَّ وما أشبهَ ذلك، تجتمع وتخرج، تَبرز من جحورها وبيوتها، وكذلك ربما يشير إلى اجتماع الناس بعضهم إلى بعض.
﴿