×

التكوير

الآية ٢٨

تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين

لِمَن شَآءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ ﴿٢٨﴾

لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾ تقرير لكون الإنسان يفعل الشيء بأيش؟ بمشيئته واختياره، ولكن بعد أن يفعل الشيء ويشاء الشيء نعلم أن الله قد شاءه من قبل، ولو شاء الله ما فعله. وكثيرًا ما يَعْزِم الإنسان على شيء يتّجه بعد العزيمة على هذا الشيء، وفي لحظة ما يجد نفسه منصرفًا عنه، أو يجد نفسه مصروفًا عنه؛ لأن الله لم يَشَأْه، كثيرًا ما نريد أن نذهب –مثلًا- إلى مسجد ما لنستمع إلى محاضرة، وإذا بنا ننصرف بسبب أو بغير سبب، أحيانًا بسبب بحيث نتذكر أن لنا شغلًا، أو يقال لنا: إن المحاضرة أُلْغِيَت فنرجع، أحيانًا نرجع بدون سبب، لا ندري إلا وقد صرف الله تعالى همتنا عن ذلك فرجعنا. ولهذا قيل لأعرابي: بِمَ عَرَفْتَ ربك؟ قال: بنقض العزائم وصرف الهمم؛ بنقض العزائم، يعني: الإنسان يعزم على الشيء عزمًا مؤكَّدًا وإذا به ينتقض!! مَن نقض عزيمته؟ لا يشعر، ما يشعر أن هناك مُرَجِّحًا أوجب أن يعدل عن العزيمة الأولى، بل بمحض إرادة الله، صرف الهمم؛ يهم الإنسان بالشيء ويتجه إليه تمامًا، وإذا به يجد نفسه منصرفًا عنه، سواء كان الصارف مانعًا حِسٍّيًّا، أو كان الصارف مجرد اختيار، اختار الإنسان أن ينصرف، كل هذا من الله عز وجل. فالحاصل أن الله يقول: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾، وما معنى الاستقامة؟ الاستقامة هي الاعتدال، ولا عدل أَقْوَم من عدل الله عز وجل في شريعته، في الشرائع السابقة كانت الشرائع تناسب حال الأمم زمانًا ومكانًا وحالًا. بعد بعثة الرسول عليه الصلاة والسلام كانت شريعته تناسب الأمة التي بُعِثَ النبي ﷺ إليها من أول بعثته إلى نهاية الدنيا، ولهذا كان من العبارات المعروفة: إن الدين الإسلامي صالح لكل زمان ومكان وحال، لو تمسك الناس به لأصلح الله الخلق. انظر -مثلًا- الإنسان يصلي أولًا قائمًا، فإن عجز فقاعدًا، فإن عجز فعلى جنب، إذن الشريعة تتطور بحسب حال الشخص؛ لأن الدين صالح لكل زمان ومكان، يجب على الْمُحْدِث أن يتطهر بالماء، فإن تعذَّر استعمال الماء لعجز أو عدم عدل إلى التيمم، فإن لم يوجد ولا تراب، أو كان عاجزًا عن استعمال التراب فإنه يصلي بلا شيء، لا بطهارة ماء ولا بطهارة تيمم. كل هذا لأن الله عز وجل شريعته كلها مبنية على العدل، ليس فيها جور، ليس فيها ظلم، ليس فيها حرج، ليس فيها مشقة، ولهذا قال: ﴿أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾، ضد الاستقامة انحرافان: انحراف إلى جانب الإفراط والغلو، وانحراف إلى جانب التفريط والتقصير. ولهذا كان الناس في دين الله عز وجل ثلاثة أشكال: طرفان ووسط، طرف غالٍ مبالِغ متنطِّع متعنِّت، وطرف آخر مفرِّط مقصِّر مُهْمِل، الثالث: وسط بين الإفراط والتفريط مستقيم على دين الله، هذا هو الذي يُحمَد، أما الأول والثاني؛ الأول: الغالي، والثاني: الجافي، فكلاهما هالك، هالك بحسب ما عنده من الغُلُوّ، أو من التقصير. وقد نهى النبي عليه الصلاة والسلام عن الغلو والإفراط والتعنت والتنطع، حتى إنه قال: «هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ، هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ، هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ»[[أخرجه مسلم (٢٦٧٠/٧) عن ابن مسعود رضي الله عنه. ]]؛ لأن التنطع فيه إشقاق على النفس، وفيه خروج عن دين الله عز وجل، كما أنه ذمّ الْمُفَرِّطِين الْمُهْمِلِين، وقال في وصف المنافقين: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى﴾ [النساء ١٤٢]. فدين الله وسط بين الغالي فيه والجافي عنه، ولهذا قال هنا: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾ لا يميل يمينًا ولا شمالًا، يكون سَيْرُه سَيْرَ استقامة على دين الله عز وجل، والاستقامة كما تكون في معاملة الخالق عز وجل -وهي العبادة- تكون أيضًا في معاملة المخلوق. فكن مع الناس بين طرفين؛ بين طرفي الشدة والغلظة والعبوس، وطرف التراخي والتهاون وبَذْل النفس وانحطاط الرتبة، كن حازمًا من وجه، ولَيِّنًا من وجه، ولهذا قال الفقهاء -رحمهم الله- في القاضي: ينبغي أن يكون لينًا من غير ضعف، قويًّا من غير عنف، فلا يكون لِينُه يشطح به إلى الضعف، ولا قوته إلى العنف، يكون بين ذلك. لَيِّنًا من غير ضعف، قويًّا من غير عنف، حتى تستقيم الأمور. فبعض الناس –مثلًا- يعامل الناس دائمًا بالعبوس والشدة، وإشعار نفسه بأنه فوق الناس، وأن الناس تحته، هذا خطأ، ومن الناس مَن يحط قدر نفسه، ويتواضع إلى حد التهاون وعدم المبالاة، بحيث يبقى بين الناس ولا حرمة له، وهذا أيضًا خطأ. فالواجب أن يكون الإنسان بين هذا وبين هذا، كما هو هَدْي النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فإنه عليه الصلاة والسلام يشتدُّ في موضع الشدة، ويلين في موضع اللين، فيجمع الإنسان هنا بين الحزم والعزم، واللين والعطف والرحمة. ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾، ﴿