تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين
أَن جَآءَهُ ٱلْأَعْمَىٰ ﴿٢﴾
وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُۥ يَزَّكَّىٰٓ ﴿٣﴾
أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى﴾ [عبس: ١، ٢] هذا العابس والمتولي هو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
ومعنى ﴿عَبَسَ﴾ أي: كَلَحَ في وجهه، يعني: استنكر الشيء بوجهه.
ومعنى ﴿وَتَوَلَّى﴾ أعرض.
والمراد بالأعمى في قوله: ﴿أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى﴾ عبد الله بن عمرو ابن أم مكتوم رضي الله عنه، فإنه جاء إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم قبل الهجرة وهو في مكة، وكان عنده قوم من عظماء قريش يطمع النبي صلى الله عليه وآله وسلم في إسلامهم.
ومن المعلوم أن العظماء والأشراف إذا أسلموا كان ذلك سببًا لإسلام مَن تحتهم، وكان طَمَعُ النبي صلى الله عليه وآله وسلّم فيهم شديدًا، فجاء هذا الأعمى يسأل النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وذكروا أنه كان يقول: عَلِّمْنِي مما علَّمَك الله، ويستقرئ النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم، فكان النبي عليه الصلاة والسلام يُعْرِض عنه وعبس في وجهه رجاءً وطمعًا في إسلام هؤلاء العظماء، وكأنه خاف أن هؤلاء العظماء الشياطين يَزْدَرُون النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم إذا وَجَّهَ وجهه لهذا الرجل الأعمى، كأنه خاف أن يزدروا النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا أقبل على مثل هذا الرجل الأعمى وأعرض عن هؤلاء العظماء.
فكان النبي عليه الصلاة والسلام في عبوسه وتولِّيهِ يلاحظ هذين الأمرين؛ الأمر الأول: الرجاء في إسلام هؤلاء العظماء، والأمر الثاني: ألَّا يزدروا النبي صلى الله عليه وآله وسلم في كونه يلتفت إلى هذا الرجل الأعمى الذي هو مُحْتَقَر عندهم.
ولا شك أن هذا اجتهاد من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وليس احتقارًا لابن أم مكتوم؛ لأننا نعلم أن النبي ﷺ لا يهمه إلا أن تنتشر دعوته الحق بين عباد الله، وأن الناس عنده سواء، بل مَن كان أشد إقبالًا على الإسلام فهو أحب إليه، هذا ما نعتقده في رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
قال الله تعالى: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ﴾ أي: أي شيء يُعْلِمُك أن يتزكى هذا الرجل ويقوى إيمانه.
﴿لَعَلَّهُ﴾ أي: لعل ابن أم مكتوم، ﴿يَزَّكَّى﴾ أي: يتطهر من الذنوب والأخلاق التي لا تليق بأمثاله، فإذا كان هذا هو المرجوّ منه فإنه أحق أن يُلْتَفَت إليه.
﴿