×

النازعات

الآية ٤٠

تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين

وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِۦ وَنَهَى ٱلنَّفْسَ عَنِ ٱلْهَوَىٰ ﴿٤٠﴾

وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ﴾ [النازعات ٤٠] يعني: خاف القيام بين يديه؛ لأن الإنسان يوم القيامة سوف يُقَرِّرُه الله عز وجل بذنوبه، ويقول: عملت كذا، عملت كذا، عملت كذا، كما جاء في الحديث الصحيح، فإذا أَقَرَّ قال الله له: «قَدْ سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٤٤١)، ومسلم (٢٧٦٨/٥٢)، عن ابن عمر رضي الله عنهما.]]، هذا الذي خاف هذا المقام. ﴿وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى﴾ [النازعات ٤٠] أي: عن هواها، والنفس أمَّارة بالسوء، لا تأمر إلا بالشر، ولكن هناك نفس أخرى تقابلها، وهي النفس المطمئنة؛ لأن للإنسان ثلاث نفوس: مطمئنة، وأمَّارة، ولوَّامَة، وكلها في القرآن. أما المطمئنة ففي قوله تعالى: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر ٢٧-٣٠]. وأما الأمَّارة بالسوء ففي قوله تعالى: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي﴾ [يوسف ٥٣]. وأما اللوامة ففي قوله تعالى: ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ (١) وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾ [القيامة ١، ٢]. والإنسان يُحِسّ بنفسه بهذه الأنفس، يرى في نفسه أحيانًا نزعةَ خيرٍ، يحب الخير، يفعله، هذه هي النفس المطمئنة، يرى أحيانًا في نفسه نزعة شر يفعله، هذه نفس أَمَّارَة بالسوء، تأتي بعد ذلك النفس اللَّوَّامَة التي تلومه على ما فعل، فتجده يندم على ما فعل من المعصية، أو لَوَّامَة أخرى تلومه على ما فعل من الخير -والعياذ بالله- فإن من الناس مَن قد يلوم نفسه على فعل الخير، وعلى مصاحبة أهل الخير، ويقول: كيف أصاحب هؤلاء الذين صَدُّونِي عن حياتي، عن شهواتي، عن لهوي، وما أشبه ذلك. فاللَّوَّامَة نفس تلوم الأمارة بالسوء مرة، وتلوم المطمئنة مرة أخرى، فهي في الحقيقة نفس بين نَفْسَيْن؛ تلوم النفس الأمارة بالسوء إذا فعلت السوء، وتُنَدِّم الإنسان، قد تلوم النفس المطمئنة إذا فعلت الخير -نسأل الله العافية-. يقول الله عز وجل: ﴿وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات ٤٠، ٤١]، الجنة هي دار النعيم التي أَعَدَّهَا الله عز وجل لأوليائه فيها ما لا عين رأت، ولا أُذُن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، قال الله تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة ١٧]، هكذا جاء في القرآن، وجاء في الحديث القدسي: «أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٢٤٤)، ومسلم (٢٨٢٤/٢)، عن أبي هريرة رضي الله عنه.]]، هذه الجنة يُدْرِكُها الإنسان قبل أن يموت، كيف ذلك؟ إذا حضر الأجل ودعت الملائكة النفسَ للخروج قالت: اخرجي أيتها النفس المطمئنة إلى رضوان الله، وتبشر النفس بالجنة، قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ﴾ [النحل ٣٢]، متى يقولونه؟ حين التوفي، ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل ٣٢]. فيُبَشَّر بالجنة فتخرج روحه راضية مُتَيَسِّرة سهلة، ولهذا لما حَدَّثَ النبي عليه الصلاة والسلام فقال: «مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللهِ أَحَبَّ اللهُ لِقَاءَهُ، وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللهِ كَرِهَ اللهُ لِقَاءَهُ»، قالت عائشة: يا رسول الله، كلنا يكره الموت، قال: «لَيْسَ الْأَمْرُ ذَلِكَ»، » كلنا يكره الموت بمقتضى الطبيعة، «وَلَكِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا بُشِّرَ بِمَا يُبَشَّرُ بِهِ عِنْدَ الْمَوْتِ أَحَبَّ لِقَاءَ اللهِ»[[أخرجه البخاري (٦٥٠٧) عن عبادة بن الصامت، ومسلم (٢٦٨٤/١٥) عن عائشة رضي الله عنهما. ]]، أحب الموت وسَهُل عليه، وإن الكافر إذا بُشِّر-والعياذ بالله- بما يسوؤه عند الموت كره لقاء الله، وهربت نفسه، تَفَرَّقَت في جسده حتى ينتزعوها منه كما يُنْتَزَع السَّفُّود من الشعر المبلول، والشعر المبلول إذا جُرَّ عليه السفود، وهو معروف عند الغَزَّالين، يكاد يمزقه من شدة سحبه عليه، هكذا روح الكافر -والعياذ بالله- تتفرق في جسده؛ لأنها تُبَشَّر بالعذاب فتخاف، ولهذا يوجد بعض الناس -والعياذ بالله- يَسْوَدُّ وجهه، ولونه في الحياة أحمر، وحَدَّثَنِي مَن أثق به، وأقسم لي أكثر من مرة، وهو ممن يباشرون تغسيل الموتى، يقول: والله مَرَّت عَلَيَّ حالتان لا أنساهما أبدًا، يقول: غسَّلت اثنين لكن بينهما زمن، يقول: الوجه أسود والبدن طبيعي، أسود يقول: مثل الفحم -والعياذ بالله-أثنيه يقول: أنا أشهد، لأنه يُبَشَّر بما يسوؤه -والعياذ بالله- والإنسان إذا بُشِّرَ بما يسوؤه تَغَيَّر. فالجنة -اللهم إنا نسألك أن نكون من أهلها جميعًا- الجنة فيها ما لا عين رأت، ولا أُذُن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، وقلت لكم: إن الإنسان قد يدركها قبل أن يموت بما يُبَشَّر به. ولا يخفى علينا ما جاء في السيرة النبوية أن أنس بن النضر-أظنه أنس بن النضر-رضي الله عنه قال: يا رسول الله، والله إني لَأَجِدُ ريح الجنة دون أحد، وهذا ليس معناه الوجدان الذَّوْقِي، وجدان حقيقي، قال ابن القيم رحمه الله: إن بعض الناس قد يُدْرِك الآخرة وهو في الدنيا. ثم انطلق فقاتَل وقُتِل رضي الله عنه. فالحاصل أن الجنة فيها ما لا عين رأت، ولا أُذُن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. قال الله تعالى: ﴿