×
النازعاتالآية ٢

تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين

وَٱلنَّـٰشِطَـٰتِ نَشْطًا ﴿٢﴾

وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا﴾ يعني: الملائكة الْمُوَكَّلة بقبض أرواح المؤمنين، تنشطها نشطًا، أي: تَسُلُّها برفق كالأُنْشُوطة، وأظنكم تعرفون الأنشوطة: الرَّبْط الذي يسمونه عندنا (التكة) أو ما أشبه ذلك من الكلمات، يعني يكون ربطًا، بحيث إذا سَلَلْتَ أحد الطرفين انفكت العقدة، هذا ينحل بسرعة وبسهولة. فهؤلاء الملائكة الْمُوَكَّلَة بقبض أرواح المؤمنين تنشطها نشطًا، أي: تَسُلُّها برفق، وسبب ذلك أن الملائكة الْمُوَكَّلَة بقبض أرواح الكفار إذا دَعَت الروح إلى الخروج تناديها بأقبح الأوصاف، تقول الملائكة لروح الكافر: اخرجي أيتها النفس الخبيثة، كانت في الجسد الخبيث، اخرجي إلى غضب الله، وما أشبه هذا من الكلام، فتنفر الروح، لا تريد أن تخرج إلى هذا، وتتفرق في الجسد -والعياذ بالله- حتى يقبضوها بشدة، ينزعونها نزعًا، يكاد يتمزق الجسد منها من شدة النزع. أما أرواح المؤمنين -جعلني الله وإياكم منهم- فإن الملائكة إذا نَزَلَتْ لقبضها تبشرها: اخرجي أيتها النفس الطيبة، كانت في الجسد الطيب، اخرجي إلى رضوان الله، وما أشبه هذا من الكلام الذي يُهَوِّن عليها أن تفارق جسدها الذي أَلِفَتْه، فتخرج بسهولة. ولهذا لما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللهِ أَحَبَّ اللهُ لِقَاءَهُ، وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللهِ كَرِهَ اللهُ لِقَاءَهُ». قالت عائشة: يا رسول الله، كُلُّنَا يكره الموت، فقال: «لَيْسَ الْأَمْرُ ذَلِكَ، وَلَكِنَّ الْمُؤْمِنَ » -يعني إذا جاءه أجله-«يُبَشَّرُ بِرَحْمَةٍ مِنَ اللهِ وَرِضْوَانٍ فَيُحِبُّ لِقَاءَ اللهِ»[[أخرجه البخاري (٦٥٠٧) عن عبادة بن الصامت، ومسلم (٢٦٨٤/١٥) عن عائشة رضي الله عنهما. ]]؛ لأنه في تلك اللحظة يرى أنه سينتقل إلى دار أحسن من الدار التي فارقها، فيفرح كما يفرح أحدنا إذا قيل له: اخرج من بيت الطين إلى بيت المسلَّح القصر المشيد الطيِّب، فيفرح فيحب لقاء الله. والكافر -والعياذ بالله- بالعكس، إذا بُشِّرَ بالغضب والعذاب فإنه يكره أن يموت، يكره لقاء الله فيكره الله لقاءه. إذن ﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا﴾ هي من؟ الملائكة التي تنزع أرواح الكفار تنزعها بشدة، ﴿وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا﴾: الملائكة التي تقبض أرواح المؤمنين بسهولة ويسر. ﴿فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا﴾ أيضًا هي الملائكة تسبق إلى أمر الله عز وجل، ولهذا كانت الملائكة أسبق إلى أمر الله وأَقْوَمَ بأمر الله من بني آدم، قال الله تعالى في وصف ملائكة النار: ﴿عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم ٦]، وقال عز وجل: ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ (١٩) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء ١٩، ٢٠]، فهم سَبَّاقُون إلى أمر الله عز وجل بما يأمرهم، لا يعصونه ما أمرهم، ويفعلون ما يُؤْمَرُون؛ لقوتهم وقدرتهم على فِعْل أوامر الله عز وجل. ﴿